أحمد طلب

19

أحمد طلب

19

1,695

دائمًا ما يكون الاقتصاد هو محور التغيير في تركيا، وغالبًا – كذلك – هو الأساس في أي نجاح سياسي يحققه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ لأن الرجل لديه مجموعة من النجاحات الاقتصادية تجبر معارضيه – قبل مؤيديه – على تقدير ما حقق لاقتصاد البلاد، الأمر لا يقف عند الاستفادة من النجاح الاقتصادي سياسيًا، ولكن في الواقع الأهم دائمًا هو استغلال الحدث السياسي بصورة اقتصادية جديدة.

وربما نجح أردوغان في ذلك بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت في تركيا يوم 16 يوليو (تموز) 2016، والتي تعد نقطة فارقة في تعامل البلاد مع الخارج على المستوى الاقتصادي بشكل خاص، ففي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشها الداخل التركي، باتت تحركات الرئيس التركي خارج البلاد كثيفة أكثر من السابق، إذ أصبحت وتيرة جولاته ذات الصبغة الاقتصادية متسارعة ودائرتها تتسع، بداية من روسيا، ومرورًا بإفريقيا، وأخيرًا دول مجلس التعاون الخليجي.

أردوغان استغل حدث الانقلاب «السياسي» بصورة اقتصادية جيدة، فالوضع الداخلي لم يكن يحتمل الكثير من الفلسفة، لأسباب عدة لعل أقلها الاحتقان الواضح بين الإدارة النقدية وأردوغان نفسه، لذلك دعم اقتصاد بلاده من خلال فتح أسواق خارجية جديدة، وجذب المزيد من الاستثمارات لإنعاش الاقتصاد الذي يواجه تحديات متنامية، إذ وجد أردوغان أن الجولات الاقتصادية، وتنحية الخلافات السياسية مع بعض الدول جانبًا، هي أقصر الطرق لإنعاش اقتصاد بلاده في هذه الفترة.

نتائج هذا المجهود ظهرت سريعًا؛ إذ قال، أردا أرموت، رئيس وكالة دعم الاستثمار والترويج التابع لرئاسة الوزراء التركية (TYDTA): إن 56% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بلاده – خلال العام الماضي – جاءت عقب محاولة الانقلاب.

وبالرغم من أن 2016 كان عامًا صعبًا بالنسبة لتركيا والعالم كذلك، إلا أن أنقرة شهدت انتعاشًا قويًا في الاستثمارات الأجنبية خلال الربع الأخير من 2016، تمكنت خلاله من جذب 3.6 مليار دولار، استثمارات أجنبية، بحسب أرموت.

المعطيات السابقة تقول: إن تركيا نجحت في استغلال حدث الانقلاب لخدمة اقتصادها بشكل جيد. ولكن السؤال الآن: ماذا يجب أن تفعل لتستغل نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية؟ وهو الحدث السياسي الأبرز الآن، وفي الواقع – قبل الإجابة – يجب أن ندرك أولًا أن الاقتصاد التركي يمر بمرحلة صعبة هذه الفترة، لذلك فإن العمل في الداخل سيكون أولوية هذه الأيام.

تحديات كبيرة

ويقف الاقتصاد التركي حائرًا في الوقت الحالي أمام مجموعة من التحديات الاقتصادية الكبيرة، أبرزها:

عجز الموازنة

لعل من أهم الميزات الاقتصادية التي كانت تميز تركيا عن غيرها من الاقتصادات الناشئة، هو التوازن الكبير في موازنة البلاد، لكن الوضع الآن بات يشكل عقبة يجب العمل على تجاوزها سريعًا، إذ قال وزير المالية التركي ناجي إقبال، مؤخرًا: إن عجز الموازنة التركية قفز إلى 19.5 مليار ليرة، أي: 5.3 مليار دولار، في مارس (آذار) الماضي؛ ليصل العجز في الربع الأول من 2017 إلى 14.9 مليار ليرة.

إقبال، أرجع ارتفاع العجز إلى إجراءات دعم الاقتصاد وخفض الضرائب، متوقعًا أن تعود الموازنة إلى مسارها الطبيعي في الأشهر المقبلة مع انتهاء هذه الخطوات تدريجيًا، ولكن حال استمرار التوترات السياسية لن يتحقق هذا الأمر، لذلك على تركيا العمل على خفض هذا العجز سريعًا لتحقيق استفادة حقيقية من الوضع، الذي من المتوقع أن يشهد استقرارًا ملحوظًا.

معدل البطالة

كغيرة من الاقتصادات النامية، يعاني الاقتصاد التركي من ظاهرة البطالة المتفاقمة؛ إذ أظهرت بيانات صدرت عن معهد الإحصاء التركي – مؤخرًا – أن معدل البطالة في تركيا ارتفع إلى أعلى مستوياته في سبع سنوات خلال الفترة بين ديسمبر (كانون الأول) 2016، وفبراير (شباط) 2017؛ ليصل إلى 13% مقارنة مع 11.1% قبل عام.

الإحصاء قال: إن متوسط البطالة في الأشهر الثلاثة ارتفع أيضًا من 12.7% في الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني)، ويناير (كانون الثاني)، وذلك بواقع 0.3%، وهو تحدٍ كبير أمام الإدارة التركية، يجب أن يكون في مقدمة الأولويات في الأشهر القادمة.

الليرة والفائدة

لا شك أن هبوط العملة التركية في الأشهر الماضية كان من أكثر ما يؤرق النظام التركي، إذ تراجعت بنسب كبيرة جدًا، وصلت لنحو 50% من منتصف 2015 وحتى الآن، إلا أن إصرار أردوغان على عدم رفع أسعار الفائدة ساهم كثيرًا في هبوط الليرة، لكن ما الذي قد تغيره التعديلات الدستورية بالنسبة للعملة التركية؟

في الواقع يرتبط أداء العملة دائمًا بأمرين هما: الاستقرار السياسي، ثم التدفقات النقدية الخارجية، وكلما نجح أردوغان في الحفاظ على الاستقرار السياسي، ومنح المستثمرين الثقة في ضخ مزيد من الأموال في السوق التركي؛ استقرت الليرة، وهذه هي المعادلة الصعبة.

التضخم

لا تختلف معضلة التضخم كثيرًا عن عجز الموازنة وارتفاع البطالة وهبوط الليرة، بل ربما يكون التضخم مشكلة اقتصادية أشد فتكًا؛ لأن أثرها المجتمعي سريع جدًا، إذ ارتفع التضخم السنوي في تركيا إلى أعلى مستوى له في ثماني سنوات ونصف السنة في مارس (آذار) الماضي.

وكشفت البيانات التركية عن أن أسعار المستهلكين قفزت 11.29% الشهر الماضي مقارنة مع مستواها قبل عام، فيما سجلت أسعار المواد الغذائية والمواصلات والمشروبات الكحولية زيادات في خانة العشرات، فيما ارتفعت أسعار المستهلكين 1.02% في مارس (آذار) مقارنة مع الشهر السابق.

أرقام التضخم تلك صارخة جدًا، وتحتاج حذرًا شديدًا في التعامل مع الوضع الحالي، إذ وصل التضخم السنوي لأعلى مستوى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المنتجين إلى نحو 16.09% على أساس سنوي و1.04% على أساس شهري.

هل سيتحسن الاقتصاد التركي بعد التعديلات
الدستورية؟

ذكرنا في البداية أن أي استقرار سياسي يكون له أثر اقتصادي إيجابي والعكس صحيح، فمع انعكاس تدهور العلاقات مع أوروبا وروسيا في بعض الأوقات، واضطراب الأمن في الداخل التركي، سلبًا على الاقتصاد التركي، من المنتظر أن يكون الاستقرار السياسي المأمول بعد التعديلات له أثر اقتصادي إيجابي على البلاد يتمثل في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وانتعاش النمو الاقتصادي، واستقرار سعر الليرة.

هذا الأمر يتوافق كثيرًا مع توقعات المؤسسات المالية العالمية، فالمفوضية الأوروبية قالت في تقرير حديث لها: إن نتائج الاستفتاء ستؤدي إلى ازدياد الطلب في السوق المحلية في شكل معتدل خلال النصف الثاني من العام الحال، فيما قالت مؤسسة التصنيف الائتماني العالمية «فيتش»، مؤخرًا: إن استفتاء التعديلات الدستورية الذي أجرته تركيا قد يفسح المجال لإصلاحات اقتصادية ستصب في مصلحة التصنيف الائتماني للبلاد، موضحة أن الاستفتاء جزء من تحولات سياسية كانت سلبية لملف التصنيف الائتماني السيادي لتركيا.

ماذا يجب أن يفعل أردوغان وحكومته الآن؟

في ظل نتيجة الاستفتاء المتقاربة جدًا يصبح التعامل مع الوضع الاقتصادي في البلاد أكثر حساسية، مصطفى عبد السلام، الخبير الاقتصادي يرى أن تعامل أردوغان وحكومته مع نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية كان بحكمة شديدة، إذ بعث برسائل طمأنة للجميع، وفي مقدمتهم الرافضين لهذه التعديلات، والمستثمرين الخارجيين الذين يخشون من أن تنعكس حالة الانقسام الشديدة في البلاد على الاقتصاد التركي ومناخ الاستثمار بالبلاد، وكذا رسائل لسوق المال الداخلي عبر التأكيد على دعم حالة الاستقرار الحالية، وبقاء الوضع السياسي كما هو عليه حتى العام 2019، وأن الحكومة باقية حتى هذا الموعد، كما لن يتم إجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية.

وعدد عبد السلام خلال حديثه لـ«ساسة بوست» خمس خطوات على تركيا الإسراع في القيام بها؛ للاستفادة من الأجواء الحالية بعد الاستفتاء، وهي:

أولًا: تحسين العلاقات السياسية مع أوروبا باعتبارها شريكًا تجاريًا ضخمًا، والسوق الأهم للصادرات التركية، وتبريد الأجواء مع القارة العجوز، باعتبار أنها مجال خصب لعلاقات اقتصادية وتجارية محتملة ومستقبلية خاصة في قطاع الطاقة والخدمات والسياحة.

ثانيًا: تحسين العلاقات مع روسيا والإصرار على فصل الملف السياسي والأمني عن الملف التجاري والاقتصادي بين البلدين والإسراع في بحث إزالة العقبات التجارية والقيود التي لا تزال مفروضة على حركة التجارة بين البلدين منذ حادث سقوط الطائرة الروسية.

ثالثًا: إسراع تركيا في مجال تجنيس الأجانب خاصة، وأن الخطوة ستؤدي لتدفق المليارات على قطاع الإسكان والعقارات.

رابعًا: بحث تركيا عن أسواق خارجية لصادراتها خاصة بعد أن فقدت العديد من الأسواق العربية عقب قيام ثورات الربيع، ومن أبرز هذه الأسواق إفريقيا ودول الخليج وشرق أوروبا.

خامسًا: العمل على معالجة ملف التضخم خاصة مع زيادته الكبيرة مع نهاية مارس (آذار) الماضي، إذا إن زيادة التضخم تؤثر سلبًا على أسواق السلع والادخار والاستثمار وترفع كلفة المعيشة والتشغيل.

أشياء يجب أن يدركها أردوغان

يعتقد مدحت نافع، الأكاديمي المصري، والخبير الاقتصادي، أن أردوغان عليه أن يدرك أن نتيجة الاستفتاء لم تكن حاسمة بالنسبة لهذا النوع من التعديلات الدستورية، وأن التحديات الإقليمية الناتجة عن النفور الأوروبي من تركيا، سوف تضاعف من الشعور الداخلي المتنامي بتعزيز جبهة الممانعة ضد حزب العدالة والتنمية.

ويقول نافع، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: إنه على الرئيس التركي أن يتخذ من الإجراءات ما يؤكد أن استخدامه للتعديلات الدستورية لم يكن بهدف تعزيز حكمه وحكم حزبه، وإنما بسبب تحسين قدرة تركيا على محاربة الإرهاب وإدارة الملفات المختلفة ومنها الملف الاقتصادي على نحو سليم.

وتابع نافع: «المؤشرات الاقتصادية الأولى لنتيجة الاستفتاء كانت إيجابية على صعيد سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار، لكن العلاقات التركية الأوروبية يجب أن يتم تعميقها على أساس من المصالح المشتركة بعيدًا عن فرص انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي».

ويقول الخبير الاقتصادي: «على تركيا أن تستهدف تحسين أوضاع الحريات داخلها؛ لأن هذا عنصر هام في اندماج تركيا الجديدة في النظام العالمي والمحيط الأوروبي على وجه الخصوص، ويحتاج ذلك إلى أن تكون رسائل الطمأنة الرئاسية على خلفية نتيجة الاستفتاء، يجب أن تخلو من أية اعتقالات وإقالات جديدة، خاصة في دوائر المؤسسة العسكرية»، ويعتقد نافع – أخيرًا – أن مشروعًا تركيًا لمكافحة الإرهاب، وبالإضافة إلى حماية دول الاتحاد الأوروبي من فيضان اللاجئين يمكن أن يكسب أردوغان مناعة ضد المؤامرات الخارجية.

تعليقات الفيسبوك