نظرًا لاختلاف وجهات النظر حول التطورات الأخيرة لما يحدث في المنطقة، بدأت الخلافات بين الدولتين الجارتين إيران وتركيا تظهر على السطح فمن بغداد إلى دمشق إلى صنعاء تتباين رؤى الدولتين ومواقفهما.

وجاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إيران وهي الزيارة الأولى له كرئيس للجمهورية التركية والزيارة الأولى بعد توقيع الاتفاق الإطاري النووي، ولكن الأهم أنها الزيارة الأولى بعد تفجر حالة من العداء بين الجارتين على أثر تصريحات أردوغان دعمًا لعملية عاصفة الحزم.

الرئيس الإيراني حسن روحاني يستقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان **1

لم يكن الحال هكذا عندما كان أردوغان رئيسًا للوزراء فقد دعا إيران “بيته الثاني”. ولكن الوضع تغير كثيرًا بعد وصوله إلى منصب رئيس الجمهورية حيث طالت انتقاداته آية الله العظمى السيد علي خامنئي شخصيًّا.

لم يسكت نواب البرلمان الإيراني على سيل الاتهامات التي أطلقها أردوغان على إيران، فمن الوقوف بجانب الأسد في سوريا إلى دعم الحوثيين في اليمن ومحاولتها التوسع في المنطقة، وطالبوا بإلغاء الزيارة أو تأجيلها.

فقد وصف منصور حقيقت بور نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية الرئيس التركي بالمتوهم، وبتأكيده على أن حديث الرئيس التركي موجه إلى الشعب الإيراني وليس لنواب المجلس فقد طالب وزارة الخارجية بإلغاء الزيارة.

وقال إسماعيل كوثري عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية إنه ينبغي إلغاء زيارة أردوغان إلى طهران نظرًا لتصريحاته الأخيرة التي أطلقها, ليدرك جيدًا بأنه سيتم التصدي لأي كلام غير منطقي لو صدر عنه.

أما حسين شريعتمداري نائب المرشد في مؤسسة كيهان دعا تصريحات أردوغان بخصوص التدخل الإيراني في اليمن بالوقحة، وقال إن زيارته إلى طهران هي إهانة للشعب وخيانة للمقاومة وللدماء الطاهرة لشهداء اليمن المظلومين.

وهدد عدد من طلاب الجامعات بالتظاهر في حالة إتمام الزيارة.

لكن تانزو بيلكيج المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية قال في مؤتمر صحفي إن برنامج رحلة أردوغان إلى طهران لم يتغير.

وقال الرئيس التركي نفسه أيضًا إن برنامج رحلته إلى إيران لن يتغير بسبب اعتراض بعض نواب المجلس لأنهم ليسوا طرفًا في مخاطبته.

ورغم عاصفة الاعتراضات على الزيارة وصل أردوغان يوم الثلاثاء 7/4/2015م إلى إيران واستقبله الرئيس الإيراني حسن روحاني في قصر سعد آباد.

لكن كان الاستقبال الرسمي يحمل صبغة جديدة وشهد بروتوكولًا يُنفَّذ لأول مرة.

رايات أبي عبد الله الحسين في استقبال أردوغان **2

 

حيث رافق سيارة التشريفات التي تقل الرئيس التركي فور وصولها إلى منطقة الاستقبال حرس الشرف على الخيول حاملين علمي إيران وتركيا ورايات حمراء مكتوبًا عليها يا أبا عبد الله الحسين.

لقاء مع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية:

منذ أربعة أشهر وقف أردوغان في جامعة مرمرة بإسطنبول ووجه انتقادات للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية ردًّا على تصريحه بأن الأسد هو الوحيد الصامد بوجه إسرائيل فقال: “أقول له لقد قتل في سوريا 250 ألف شخص وأسأله لماذا لا توضح رد فعلك تجاه هذا الحدث؟” وتساءل هل يكون هذا خلق قائد ديني؟هذا الخطاب الذي أزعج الشيعة الأتراك أنفسهم وتظاهروا اعتراضًا على إساءة أردوغان لخامنئي.

لم تغب التطورات السياسية الأخيرة في المنطقة عن الزيارة، بل كانت حاضرة في تصريحات قائد الثورة والرئيس الإيراني وخاصة أزمة اليمن، وتم التركيز على نقاط الالتقاء ووجهات النظر المشتركة بين إيران وتركيا.

فنرى في لقاء أردوغان بخامنئي مطالبة خامنئي بتوقف الحرب والتدخل الخارجي في اليمن، وإدانته الشديدة للغارات الجوية على اليمن، كما أنه بين أن طريق حل الأزمة في اليمن التي دعاها بأنها نموذج جديد للمشكلات في العالم الإسلامي يكون عن طريق توقف الغارات والتدخل الخارجي، وأن على اليمنيين أن يقرروا مستقبلهم بأنفسهم مشددًا على أن موقف إيران من جميع الدول ومن ضمنها اليمن هو رفض التدخل الخارجي.

لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله العظمى علي خامنئي **3

 

وبخصوص الوضع في العراق فقد قال إن إيران تساعد العراق من أجل التخلص من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش، وأكد على أن إيران ليس لديها حضور عسكري في العراق، وأشار إلى العلاقات التاريخية الراسخة بين إيران والعراق. واتهم أمريكا وإسرائيل بأنهما راضيتان عن ما يحدث بين الدول الإسلامية، وأن الدول الغربية راضية بسيطرة داعش في العراق وسوريا وليس لديها نية لإنهاء مسألة داعش.

أما الرئيس الإيراني حسن روحاني فنراه في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس التركي يؤكد على وجود نقاط مشتركة بين البلدين فيما يخص الأزمة اليمنية، تلك النقاط تتلخص في توقف الحرب والهجمات الدولية على اليمن، وبعد إيقاف إطلاق النار فيمكن للدول المختلفة إرسال مساعدات إنسانية إلى اليمن متمنيًا في النهاية حلول السلام والاستقرار على اليمن.

في الجهة الأخرى ركز أردوغان عقب لقائه مع المرشد – هذا اللقاء الذي حضره روحاني أيضًا- على ضرورة حل قضايا ومشكلات العالم الإسلامي داخليًّا وبدون تدخل غربي، ولم يختلف كلامه في المؤتمر الصحفي المشترك بينه وبين الرئيس الإيراني روحاني كثيرًا حول العراق عن ما قاله الإيرانيون؛ فقد تأسف لوقوع ضحايا في الاشتباكات الداخلية وكذلك لتعرض التاريخ والثقافة لمذبحة هناك.

المؤتمر الصحفي المشترك بين الرئيسين الإيراني والتركي **4

 

 

الأمر الذي تفرد به حديث أردوغان هو الحديث عن سوريا وضحايا الحرب هناك، لكن في النهاية أكد على وجوب الاتحاد والتحاور لوقف إراقة الدماء.

وهكذا نرى وصول الطرفين إلى نقاط مشتركة بالفعل تتلخص في رفض التدخلات الخارجية وضرورة الحوار وجمع المتخالفين ووجوب الاتحاد وعدم ترك فرصة لتدخل الدول الغربية.

رسالة السعودية إلى إيران:

لكن دائمًا لا تظهر كل الأمور في العلن بل يبقى شيء في الخفاء، وهذا ما تحدث عنه مصدر مطلع اشترط عدم ذكر اسمه لموقع “عصر إيران” فقد تحدث المصدر عن رسالة من العاهل السعودي يحملها أردوغان إلى كبار المسئولين الإيرانيين، وأن موضوع هذه الرسالة هو تطورات الأحداث في اليمن.

وما ذُكِر عن فحوى تلك الرسالة هو طلب التدخل الإيراني لتضغط على حلفائها الحوثيين للجلوس على طاولة المفاوضات، ووقف العمليات العسكرية ضد حكومة هادي والاعتراف الرسمي بحكومته، والخروج من القواعد العسكرية، وكذا تسليم الأسلحة الثقيلة والنصف ثقيلة التي استولوا عليها من قواعد الجيش اليمني، والانسحاب من مدينتي صنعاء وعدن.

في المقابل، في حالة قبول الحوثيين بتنفيذ تلك الطلبات سيتم إيقاف الهجمات العسكرية على اليمن وبدء المفاوضات مع الحوثيين وسائر الأحزاب حول المستقبل السياسي لليمن، علاوة على عدم وجود خطوط حمراء لدى الرياض بشأن الاحتفاظ بعبد ربه منصور هادي في منصب رئيس الجمهورية مستقبلًا.

والجدير بالذكر أن ولي ولي العهد السعودي محمد بن نايف كان قد زار تركيا قبل يوم من زيارة أردوغان إلى إيران والتقى وتباحث معه في زيارة غير معلن عنها مسبقًا، ويقال إن ولي ولي العهد كان قد سلم أردوغان في تلك الزيارة رسالة من العاهل السعودي إلى كبار المسئولين في إيران.

ربما بالفعل تود الرياض الوصول إلى حل ديبلوماسي في ظل فشل الضربات الجوية في تحجيم الحوثيين، والحيلولة دون الوصول إلى عدن في ظل تناقص فرص التدخل البري المباشر بعد رفض البرلمان الباكستاني إعطاء الإذن لجيشه في التدخل البري باليمن، والتزام الحياد حيال اليمن.

الاقتصاد يطغى على السياسة:

الأهمية الكبرى للزيارة تتمثل في الجانب الاقتصادي منها حتى إنه من الممكن القول بأن الاقتصاد قد طغى على السياسة، يظهر ذلك بداية من الوفد المرافق لأردوغان حيث رافقه كل من: مولود جاويش أوغلو وزير الخارجية، ونهاد زيبكجي وزير الاقتصاد، ونور الدين جانكيلي وزير التجارة والجمارك، وتانر يلديز وزير الطاقة، وعمر جليك وزير الثقافة والسياحة، وجودت يلماظ وزير التنمية، وعدد من الناشطين الاقتصاديين والصحفيين.

وشارك أردوغان في الجلسة الثانية للمجلس الأعلى للتعاون بين إيران وتركيا، هذا المجلس الذي كان قد أنشئ بناءً على مذكرة تفاهم وقعها أردوغان في زيارته السابقة لإيران وأول جلساته انعقدت في إسطنبول. كما تم توقيع ثمانية اتفاقات متعلّقة بالأكاديمية الدبلوماسية، والصحة، والطب، والبيئة، والصناعة، والملكية
الفكرية، وأعمال المرأة والعائلة، وتبادل البيانات الإلكترونية بين إيران وتركيا بشأن حركة نقل البضائع الدولية عقب المؤتمر الصحفي المشترك بين الرئيسين الإيراني والتركي.

في البداية جاء الحديث عن محاولة البلدين لزيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 30 مليار دولار في 2015م.

وكان حجم التبادل التجاري بين إيران وتركيا قد وصل إلى 21 مليار و800 مليون دولار في عام 2012م، لكن هذا الرقم تناقص في عام 2013م إلى 13 مليار دولار، ثم ازداد نسبيًّا في 2014م إلى 14مليار دولار.

وأولى أردوغان أهمية شديدة لشيئين:أولهما هو الحديث عن ضرورة التعامل بالعملات المحلية لإيران وتركيا فيما بينهما، وتجنب التعامل بالعملات الأجنبية حتى لا يقعا تحت ضغط تقلبات أسعار الصرف؛ وآملًا كذلك في تحسن العملة الإيرانية عقب الاتفاق الإطاري النووي والانفتاح المنتظر على العالم.

الشيء الآخر هو حديثه عن أسعار الغاز؛ حيث طلب من إيران تخفيض أسعار الغاز فتركيا تستهلك كثيرًا من الغاز في القطاعات الصناعية وكذلك في المناطق الحضرية والريفية؛ مما يجعلها تحتاج كميات كبيرة من الغاز تأمل أن تمدها إيران بها بعد تخفيض أسعاره حتى تستطيع أن تشتري كميات أكبر وكذلك حتى تستطيع أن تبيعه لمواطنيها بسعر منخفض أيضًا.

يشار هنا إلى أن إيران التي تبيع الغاز إلى تركيا منذ عام 2001، هي ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي بعد روسيا لتركيا، إذ تمدها سنويًّا بنحو 10 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، إلا أن سعر الغاز الإيراني لتركيا لم يتم الكشف عنه رسميًّا، ووفقًا لتقارير إعلامية يبلغ نحو 490 دولار لكل ألف متر مكعب، وهو أعلى من سعر الغاز الروسي والأذربيجاني المورد إلى تركيا، وبدأت في فبراير/ شباط الماضي محكمة التحكيم الدولية بالنظر في دعوى رفعتها تركيا تطالب إيران فيها بخفض سعر الغاز المورد إليها بنسبة 0.25%.

بالرغم مما يبدو من نجاح الزيارة على الصعيد السياسي من حيث الوصول إلى نقاط مشتركة مع الجانب الإيراني، وعلى الصعيد الاقتصادي من حيث توقيع الاتفاقيات ووضع أسعار الغاز في موضع البحث, إلا أن المعارضة التركية كان لها رأي آخر.

فقد ثارت موجة من الانتقادات في الصحف التركية عقب الزيارة بسبب أن الاتفاقيات التي تم توقيعها كانت مكتوبة باللغة الفارسية فقط، وليس لها نسخة باللغة التركية أو اللغة الإنجليزية.

وتسبب خطأ من المترجم الإيراني في إذاعة خبر مغلوط عن الوصول إلى اتفاق بشأن أسعار الغاز، لكن وزير الطاقة التركي طانر يلديز سارع بنفي الخبر وقال إننا توافقنا فقط على أن نبحث الأسعار.

وكذلك أيضًا بسبب انتشار صورة من لقاء أردوغان مع خامنئي توضح عدم وجود العلم التركي بجانب العلم الإيراني؛ مما أثار موجة اعتراضات شديدة في الصحف التركية واعتبروها عدم احترام لتركيا.

وأذاعت القنوات التركية مقطعًا لتوقيع الاتفاقية بين إيران وتركيا ويظهر فيه وزير الاقتصاد التركي يمتنع عن إمضاء الاتفاقية، لكن أردوغان يشير إلى الوزير بيده ليوقع الاتفاق.

في النهاية تحاول تركيا أن تسبق إلى حجز مقعد لها في قطار الاقتصاد الإيراني المنتظر انطلاقه بعد رفع العقوبات وإتمام الاتفاق النووي، وتسعى إلى تعزيز دورها الإقليمي في المنطقة بلعبها دور الوسيط في ظل السباق المحموم بين إيران والسعودية, أما إيران فهي تحاول كسب حليف طالما تعامل ببراجماتية معها أدار ظهره للخلافات التاريخية المتجذرة بين الدولتين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد