لحظة بلحظة تابعت الأوساط الإسرائيلية الانتخابات المحلية التركية وسط تحذيرات إسرائيلية رسمية مسبقة من أن فوز حزب العدالة والتنمية سيساهم في إضفاء تشدد على مواقف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من إسرائيل.

وتسابقت المواقع الإسرائيلية والصحف المحلية، إلى جانب بعض مراكز الأبحاث في تحليل وقراءة نتائج الانتخابات التركية، حيث خلصت معظمها إلى أن فوز أردوغان يحمل في طياته مفاجآت في آلية التعامل مع إسرائيل وسيكون له تأثيرًا على طبيعة ومستوى العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، بل وستشهد العلاقات الإسرائيلية مع الدولة التركية العثمانية تشديدًا وضوابط صارمة في التعامل والعلاقات الدولية.

موقع صحيفة “جيروزاليم بوست” أعاد للأذهان وصف الدبلوماسي الإسرائيلي غابي ليفي لأردوغان – الذي التقاه عدة مرات- بأنه “أصولي متطرف، عقيدته الدينية تدفعه لكراهيتنا وهذه الكراهية تزداد مع مرور الوقت”، ما يعني أن العلاقات الإسرائيلية التركية خلال المرحلة المقبلة لن تكون كما كانت في السابق!

واعتبرت الصحيفة أن أردوغان استغل أحداث أسطول الحرية – التي قتل خلالها الجيش الإسرائيلي في نهاية مايو/ آيار 2010 تسعة من النشطاء الأتراك كانوا متوجهين في رحلة لكسر الحصار على قطاع غزة من أجل تبرير مواقفه العدائية من إسرائيل، فمن وجهة نظر الإسرائيليين أن ذلك الموقف خلق رصيدًا كبيرًا لفوز أردوغان في الانتخابات.

ضاعفت مكانتها

أردوغان بعد إعلان نتائج الإنتخابات

 

أما المستشرق الإسرائيلي ألكسندر بلاو فيرى أن أزمة القرم ضاعفت من أهمية ومكانة تركيا الإستراتيجية بالنسبة للغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص على اعتبار أن تركيا تتحكم بالدخول للبحر الأسود والخروج منه، متوقعًا في الوقت نفسه أن يسهم تفجر أزمة القرم في إضفاء تطرف على مواقف أردوغان من إسرائيل.

وقال بلاو – الذي يترأس قسم الدراسات الشرقية في جامعة أرئيل – خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة “إسرائيل اليوم” نهاية الأسبوع الماضي: “إن إدراك الأتراك لتعاظم مكانتهم الإستراتيجية بالنسبة لحلف الناتو يضفي تشددًا على مواقفهم من المصالحة مع إسرائيل”، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية لم يعد بإمكانها إجبار أردوغان على تغيير سلوكه تجاه إسرائيل.

وفي الموضوع نفسه، شدد حاييم أسيروفتيس – المختص في الشئون التركية – على أن تحقيق حزب العدالة والتنمية نجاحات كبيرة في الانتخابات المحلية، ولا سيما في المدن الكبرى، سيجعل أردوغان يتباهى بأن الشعب التركي منحه تفويضًا لمواصلة حكم تركيا.

وفي مقال نشره موقع “ذي بوست” عقب فوز أردوغان، أوضح أسيروفتيس أن فوز أردوغان سيجعله يقدم دليلاً على أن الحملة التي تعرض لها مؤخرًا على يد أنصار “فتح الله غولن” كانت مجرد محاولة للمس بفرصه بالفوز في الانتخابات.

معارضة ضعيفة!

أردوغان خلال وجوده في أحد مراكز الاقتراع

رؤية أسيروفيتس لم تختلف كثيرًا عن المعلق في صحيفة “يسرائيل هيوم” “بوعاز بسموت”, والذي قال: “إن أردوغان يحظى بدعم قطاع واسع من الشعب وأهم مصادر قوته تكمن في حقيقة أن المعارضة العلمانية ضعيفة ولا تملك برنامجًا”.

واعتبر بوعاز بسموت أن الانتخابات البلدية التركية ما هي إلا استفتاء شعبي على حكم رجب طيب أردوغان، مشيرًا إلى أن حزب أردوغان لم يخسر أية انتخابات منذ العام 2002.

وحذر بسموت إسرائيل من الرهان على سقوط أردوغان في الانتخابات، قائلاً: “على الرغم من نتائج الصراع بينه وبين جماعة غولن، فإن الأتراك يذكرون لأردوغان حقيقة أنه المسئول عن النمو الاقتصادي الكبير الذي حققته تركيا بين العامين 2002 و2012؛ حيث فاقت معدلات النمو التركية معدلات النمو لأية دولة من دول منظمة التعاون والتنمية “OECD””.

وأوضح بسموت أن أردوغان يحظى بدعم قطاع واسع من الشعب التركي، ولا سيما في أوساط الطبقات الضعيفة التي ترفض فصل الدين عن السياسة، معتبرًا أن أهم مصادر قوة أردوغان تكمن في حقيقة أن المعارضة العلمانية ضعيفة ولا تملك برنامجًا يضاهي البرنامج الذي يطرحه حزب العدالة والتنمية.

حسابات إقليمية

سفينة مرمرة التركية في مايو 2010

ورأى مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، وهو من أهم محافل التقدير الإستراتيجي الإسرائيلي في دراسة حديثة أجراها أن حزب العدالة يحمل مواقف مضطربة تجاه إسرائيل منذ عام 2006م حين سمح بأول زيارة لرئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشغل إلى تركيا، وتصريحات أردوغان المهاجمة لإسرائيل عام 2009م بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة، والقرار التركي  بتخفيض مستوى العلاقات مع إسرائيل في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على سفينة كسر الحصار مرمرة في مايو عام 2010م، وتمسك الأتراك بشروطهم من أجل إجراء مصالحة مع إسرائيل.

وفي منتصف الشهر الماضي، دعا المركز الحكومة الإسرائيلية إلى المساعدة في عدم تحسين فرص حزب العدالة والتنمية التركي بالفوز في الاستحقاقات الانتخابية.

وحذر المركز – ضمن ورقة له نشرت على صفحته – من الاستعجال في إجراء مفاوضات مع تركيا لإنجاز اتفاق مصالحة معها، مشددًا على أن بعض المصالح الإستراتيجية لإسرائيل يمكن أن تتضرر في حال تم إنجاز هذا الاتفاق.

وطالبها أيضا بالتريث وعدم المسارعة لإنجاز اتفاق قبل انتهاء الاستحقاقات الانتخابية في تركيا، محذرًا من أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يمكن أن يستغل رغبة إسرائيل في إنجاز المصالحة في مهاجمتها من أجل تسجيل نقاط أمام الرأي العام التركي، مما يعزز فرصه بالفوز.

ونوهت الورقة – التي أعدها كل من كبير الباحثين في المركز عوديد عيران، الذي شغل في الماضي منصب سفير إسرائيل في الأردن والباحثة جاليا ليندشتراوس – إلى أن إسرائيل لديها مصلحة واضحة في إضعاف حزب العدالة والتنمية وتقليص فرص أردوغان بالفوز، مشددة على ضرورة أن يتم ربط أي سلوك إسرائيلي تجاه تركيا بهذا الهدف.

ولفتت الورقة إلى أن اتفاقًا مع تركيا قد يهدد التعاون الإستراتيجي الذي تبديه كردستان العراق، والذي بات مهمًّا جدًّا لـ”إسرائيل، مضيفة:” إن إسرائيل معنية بتعزيز علاقاتها مع أكراد سوريا، سيما في حال تفككت الدولة السورية إلى دويلات ونشأت دولة كردية، وهذا يتناقض مع المصالح التركية”.

واستبعدت في الوقت نفسه، أن يصمد أي اتفاق مستقبلي مع تركيا بسبب التناقض الكبير في المصالح بين تل أبيب وأنقرة، مشيرة إلى أن إسرائيل وتركيا ستتصادمان حول مناطق النفوذ في سوريا في حال سقط نظام بشار الأسد.

وأوضحت الورقة أنه على الرغم من إصلاح العلاقات مع تركيا قد يقلص العزلة المفروضة على إسرائيل حاليًا في الساحة الدولية، إلا أن أردوغان قد يسارع إلى نسف هذا الإنجاز في حال فشلت المفاوضات مع السلطة الفلسطينية بتحميله تل أبيب المسئولية عن حالة الفشل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد