مشفوعًا بـ12 عاما من الإنجازات، أظهرت النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية التركية التي تم إجراؤها في 10 أغسطس الحالي، عن حسم رئيس الوزراء – الذي يتجه للتخلي عن منصبه – رجب طيب أردوغان لمقعد الرئاسة بنسبة فاقت 52%، وعقب ظهور مؤشرات النتائج صرح أردوغان أنه سيكون رئيسًا لـ77 مليون تركي ممن انتخبوه ومن لم ينتخبوه، وأكد أردوغان أن قصر الرئاسة سيندمج مع الشارع التركي ولن يكون بينهما أي فارق وأن الدولة ستحتضن الناس ولن تفرض وصايتها على أي شخص.

1- رئيس لكل الأتراك

رغم تأكيد أردوغان أن سيكون رئيسًا لكل الأتراك ممن انتخبوه أو لم ينتخبوه إلا أن مهمته لن تكون سهلة بسبب شخصية أردوغان القوية وخطاباته القوية وهجومه الحاد على معارضيه، تظهر خريطة توزيع الناخبين على المرشحين الثلاثة سيطرة واضحة لأردوغان على مناطق شمال ووسط تركيا، وتواجدًا نافذًا في الشرق الذي قسم أصواته بين أردوغان وبين مرشح حزب السلام القومي الكردي صلاح الدين ديمرطاش، في حين أن المناطق الغربية الأكثر ليبرالية المطلة على بحر إيجه ومناطق سواحلالبحر المتوسط، هيمن عليها مرشح المعارضة الرئيسي أكمل الدين إحسان أوغلو، فيما ركز الركن الجنوبي الشرقي للبلاد أصواته لصالح مرشح الأكراد صلاح الدين دميرطاش.

2- المسألة الكردية

تبدو المسألة الكردية معضلة أخرى بدورها على طريق مشروع أردوغان لتوحيد الأكراد، حيث يمثل الأكراد حوالي 25% من إجمالي سكان تركيا ويتوزعون في المنطقة الشرقية ويتركزون بشكل كبير في الجنوب الشرقي، ويسعى أردوغان بشكل كبير إلى إدماج الأكراد في المجتمع التركي مع منحهم قدر كبير من الاعتراف بهويتهم التاريخية والثقافية الخاصة وعلى رأسها اللغة الكردية، ولم يكتفِ أردوغان بذلك ولكنه قطع شوطًا كبيرًا على طريق استيعاب بعض الفئات الكردية المتبنية للفكر الانفصالي، من خلال المفاوضات الطويلة التي شرع في إجرائها مع حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله أوجلان برغم معارضة القوميين الأتراك، والتي انتهت إلى انسحاب معظم المسلحين الأكراد من تركيا.

هذا وعلى الرغم من أنه قد يبدو نظريًا أن مرشح الأكراد قد خصم من كتلة أردوغان التصويتية وحرمه من تحقيق نسبة تاريخية قد لا تتكرر بسبب النجاح الكبير الذي حققته حكومة أردوغان في التفاوض مع الأكراد وهوما يجعله مرشحًا مفضلا لأغلب الأكراد مقارنة بأكمل الدين الذي يعتبره الأكراد مرشحًا للحركة القومية الكردية المناهضة لحقوقهم، ورغم تبني المشرح الكردي صلاح الدين ديمرطاش خطابًا ذا هوية كردية خلال حملته الدعائية، إلا أن كثيرًا من المحللين يذهبون إلى أن وجود مرشح رئاسي للأكراد في حد ذاته يعد نزوعًا واضحًا للأكراد للاندماج في المجتمع التركي والتراجع بشكل كبير عن دعاوى الانفصال وهو ما يعتبره الكثيرون إنجازًا لأردوغان يفوق الكتلة التصويتية التي خسرها والتي – مهما بلغت – لم تؤثر على حظوظه في حسم الانتخابات من الجولة الأولى.

يبقى التحالف السياسي المنتظر بين حزب العدالة والتنمية وبين حزب الشعب الديمقراطي الكردي أحد أبرز معالم السياسة التركية خلال الفترة القادمة بعد إقرار كلا الطرفين بأهمية تبني حل سياسي للمشكلة الكردية.

3- من سيخلف أردوغان في رئاسة الحزب والحكومة؟

بعد فترة من الصمت اكتنفت هذا الملف الحساس بسبب انشغال حزب العدالة والتنمية والشارع التركي بالانتخابات الرئاسية فإن ملف خلافة أردوغان سيعود لصدارة المشهد التركي، ووفقًا للائحة الداخلية للحزب –التي أصر أردوغان على الالتزام بها – فإنه لن يكون بمقدور نائبي رئيس الوزراء بولنت أرينتش وعلي بابجان الترشح لمنصب رئاسة الحزب والحكومة.

ويعد وزير الخارجية الحالي أحمد داوود أوغلو أبرز المرشحين لرئاسة الحزب والحكومة، لكاريزمته الشخصية من جهة ولتوافقه مع أردوغان من جهة أخرى، وهي الميزة التي لايتمتع بها الرئيس السابق عبدالله جول الذي يختلف مع أردوغان حول عدد من الرؤى في إدارة الحزب والدولة وهو الأمر الذي جعله يصرح مرارًا برفضه تبادل المواقع بينه وبين أردوغان على طريقة “بوتين – مديديف”.

يبقى الفصل بين رئاسة الحزب والحكومة أحد السيناريوهات المطروحة حتى الآن، مما يضمن توزيع المهام بين أكثر من شخصية وفي هذه الحالة قد يكون جول أحد الشخصيات المرشحة لرئاسة الحزب في حين تسند رئاسة الحكومة إلى شخص آخر كأوغلو أو غيره.

يبقى التحدي الأكبر لدى أردوغان في الحفاظ على تماسك الحزب بعد تركه لموقع رئاسته، فتاريخ تركيا يعرف أكثر من تجربة لتفكك الأحزاب عند مغادرة الأحزاب التاريخية كمثل كحزب الطرق القويم الذي قاده سليمان ديميريل وحزب الوطن الأم الذي قاده تورغوت أوزال.

4- رئيس بصلاحيات كاملة

رغم كون الدستور التركي في تعديلاته الأخيرة قد أضاف بعد الصلاحيات لرئيس الجمهورية كتسمية رئيس الحكومة وتعيين أعضاء المحكمة الدستورية وترأس اجتماعات مجلس الوزراء أحيانًا وهي الصلاحية التي لم تسخدم بشكل كبير، إلا أن هذه المساحة من الصلاحيات قد لاترضي طموح أردوغان الذي صرح في أكثر من مناسبة أنه لايقبل إلا أن يكون رئيسًا بصلاحيات كاملة خاصة مع انتخابه باقتراع مباشر لأول مرة في تاريخ تركيا وهو ما يعتبره أردوغان تفويضًا شعبيًا لإجراء التعديلات المناسبة.

أول السيناريوهات – وربما أقلها احتمالًا – أن يكتفي أردوغان بممارسة سلطات الرئاسة الحالية، بما في ذلك ترؤس مجلس الوزراء أحيانًا، وهو الحق الذي تعارف رؤساء الجمهورية السابقون على عدم ممارسته، والاعتماد على العلاقة الوثيقة بينه وبين رئيس الوزراء المقبل، من جهة، وثقله السياسي، من جهة أخرى، في التعاون مع الحكومة لتمرير القرارات والتعديلات التي يرغب في إجرائها.

يبقى السيناريو الثاني والأقرب هو إجراء تعديل دستوري محدود يتم بموجبه إعادة توزيع السلطات بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة يعطي صلاحيات أوسع للرئيس ويتم تمريره عبر استفتاء شعبي وهو ربما ما مهد له أردوغان أكثر من مرة بتصريحه أن سيكون رئيسًا بصلاحيات كاملة.

أما السيناريو الأصعب فيبقى مشروع الدستور الجديد الذي يطمح إليه أردوغان لتستقبل به تركيا مئويتها “قل عام 2023” ربما للتحول إلى النظام الرئاسي من ناحية والإجهاز على الدور السياسي للجيش بشكل نهائي، وهو ما يتطلب تأمين ثلثي مقاعد البرلمان على الأقل – ربما عبر تغيير نظام الانتخاب – أو الذهاب لاستفتاء شعبي ربما لن تكون نتائجه مضمونة بشكل كبير.

5- تقويض النفوذ العسكري

ربما تكون تركيا أحد أكثر دول العالم اكتواءً بنار الانقلابات العسكرية، حيث شكلت 4 انقلابات عسكرية شكل تاريخ تركيا الحديث.

اقرأ المزيد عن الانقلابات العسكرية في تركيا  و من هنا 

لذا فقد جاء أردوغان إلى السلطة واضعًا نصب عينيه تقويض النفوذ السياسي للعسكريين، وبرغم الخطوات التي اتخذها أردوغان لتقويض النفوذ السياسي للجيش – تعرف عليها من هنا – يبقى دستور 1982 يعطي للجيش حق التدخل السياسي وحراسة مبادئ الدولة.

يبقى تطلع أردوغان الأكبر نحو تأسيس دستور جديد لتركيا وهو المشروع الذي تأخر طرحه مرارًا لأسباب متعددة، بسبب الاختلاف حول مواد تتعلق بالهوية وطبيعة النظام السياسي، وينتظر أن تكون أبرز التعديلات التي يتضمنها الدستور الجديد بشأن صلاحيات الجيش السياسية ما يلي:

تقليص نفوذ المجلس العسكري الأعلى

يتكون المجلس العسكري الأعلى حاليًا من 14 عضوًا، هم: رئيس الوزراء (مدني)، ووزير الدفاع (مدني)، واثنا عشر جنرالًا برتبة “فريق” ويتخذ القرار فيه بأغلبية الأصوات، تتلخص مهام المجلس العسكري الأعلى في مناقشة الموضوعات المتعلقة بالشأن العسكري، والتصديق على قرارات ترقية العسكريين، واتخاذ القرار بشأن المزمع طردهم من الجيش لتُهم أخلاقية أو لانتماءات فكرية.

ويتعلق التعديل المنتظر زيادة عدد المدنيين من وزراء وخبراء واستشاريين، إلى حد تتحقق فيه المساواة بين المدنيين والعسكريين داخل المجلس، بالإضافة إلى تحويل تبعية المجلس من رئاسة الوزراء إلى وزارة الدفاع، وتحويل قيادات أفرع القوات المسلحة إلى وحدات داخل وزارة الدفاع وربما تحويل المجلس إلى هيئة استشارية والنظر في نظام الأقدمية كأساس للترقية.

إلغاء المادة 35 من قانون الخدمة العسكرية

حيث تتعدل صياغتها من “وظيفـة القوات المسـلحة هي حماية الوطن ومبادئ الجمهورية التركية”، لتصبح مهمة القوات المسلحة فقط هي حماية الوطن وحدوده. وجدير بالذكر أن المادة (35) هي المادة القانونية التي يعتمد عليها دائمًا قادة الجيش التركي في إضفاء المشروعية على انقلاباتهم العسكرية.

تمدين مؤسسة الأمن العام

بما يعني نقل قيادة الأمن العام من رئاسة الأركان حاليًا إلى وزارة الداخلية؛ لتتحول تدريجيًا إلى مؤسسة مدنية لا علاقة لها بالجيش تقوم بحفظ الأمن والنظام العام تحت مظلة وزارة الداخلية، جدير بالذكر أن الأمن العام يسيطر على نسبة كبيرة من الأراضي التركية التي لا تقع تحت سيطرة البلديات والمحافظات.

إلغاء المحاكم العسكرية الإدارية العليا

واقتصار مهام القضاء العسكري على النظر في قضايا الإخلال بالنظام العسكري فقط، وإغلاق المدارس الثانوية العسكرية تمامًا. وإخضاع ميزانية القوات المسلحة وكافة نفقاتها خضوعًا تامًّا لإشراف الجهاز المركزي للمحاسبات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد