أصبحت الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2022 بمثابة استفتاء على المسلمين ووجودهم في المجتمع الفرنسي القلق، فوفق نتيجة استفتاء رأي نشرته صحيفة «الجارديان» ستلعب قضايا الأمن ومحاربة الإرهاب دورًا أكبر في خيارات الناخبين الفرنسيين في الانتخابات المقبلة بنسبة 86%، بارتفاع بمقدار 26% عن مايو (أيار) 2020، رغم أزمة اقتصادية تلوح في الأفق.

هكذا، إذا أردت أن تصبح طفل الفرنسيين المدلل بين ليلة وضحاها، أشعل الحديث عن المسلمين وابتكر طرقًا لقمعهم، بالضبط كما يفعل إريك زمور، أشهر منظِّر يميني متطرف في فرنسا، بخطاب يحض على العنف ضد المسلمين والعرب، والمرشح المحتمل للانتخابات الرئاسية الفرنسية 2022، في بلد لا يزال يعزز ترسانته القانونية في إطار «مكافحة الإرهاب»، بعد موجة من العنف بدأت نوفمبر (تشرين الثاني) 2015.

يعتقد إريك زمور أنه مكلف بمهمة إلهية، وهي إنقاذ فرنسا من الانحطاط بشكل عام، ومن العرب والمسلمين بشكل خاص، وهو من قال إنه سيمنع المسلمين من إطلاق اسم «محمد» على مواليدهم، وعدَّ النازية أشد تسامحًا إذا ما قورنت بالدين الإسلامي، وجعل المتطرفين يبدون ملائكة بجوار المسلمين!

«نبي الكراهية خصيم المسلمين».. من هو إريك زمور؟

كان كل شيء عن إريك زمور مسليًا، يضع نفسه على الساحة كل ليلة في حالة تلبس، ثم يجادل للهروب من المشكلات المؤسفة التي سقط فيها، مع رغبة غامضة في حدوث كارثة دليلًا على صحة حديثه.

Embed from Getty Images

انقطعت التسلية منذ ظهوره التلفزيوني الأخير في نهاية الأسبوع الماضي، عندما قال زمور إنه يفكر في الترشح للرئاسة، «لأنني أعتقد أن فرنسا في حالة يرثى لها تمامًا، وأن فرنسا التي أحبها تختفي، ولم يعد بإمكاني الاكتفاء بمتابعة الوضع، وعليَّ التصرف لإنقاذ البلد»، وبات لا يمر أسبوع دون أن يشعل جدلًا حول الهجرة، أو التمييز الجنسي، أو الإسلام، أو قضايا النوع الاجتماعي.

استفاد زمور البالغ من العمر 63 عامًا من كافة التحولات في المجتمع الفرنسي؛ فهو مواطن من الضواحي الباريسية، ينحدر من سلالة اليهود الأمازيغ، الذين انتقلوا من الجزائر إلى فرنسا خلال الحرب الفرنسية الجزائرية في الخمسينيات. كان والده مسعفًا، وكانت والدته تعمل في المنزل. تخرج في معهد الدراسات السياسية بباريس، وحصل على وظيفته الأولى في إحدى الصحف في عام 1986، وعمل صحافيًّا سياسيًّا في صحيفة «لوفيجارو» منذ 1996، ثم حل ضيفًا على القنوات الإخبارية، حتى قدم أول برنامج حواري أسبوعي له في 2011. 

منذ ذلك الحين يستخدم زمور منصاته الإعلامية لإلقاء القنابل الحارقة على المجتمع الفرنسي، بموضوعات مثل عدم توافق الإسلام مع القيم الفرنسية العلمانية، والهجرة، وأزمة الذكورة الفرنسية. تصدرت كتبه باستمرار قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، ويحذر فيها من أن فرنسا «ستختفي» أو تصبح «جمهورية إسلامية» في غضون قرن، إذا لم تقمع الهجرة.

لإريك زمور جمهور ضخم ينتظره على شاشات التلفزيون، يقدر بما يقرب من مليون مشاهدة كل يوم، في برنامجه الحواري على «سي نيوز (CNews)»، ولكن على عكس ممثلي جبهة اليمين الذين يفتقدون مهارة المناظرة، فإن زمور محترف تلفزيوني محنك يتمتع بالذكاء وموهبة الثرثرة والسفسطة بلا انقطاع.
كان برنامجه «مواجهة الأخبار» يعد نقطة جذب كبيرة للقناة، حتى صارت القناة الإخبارية الأولى في فرنسا في العديد من أيام الأسبوع، بعد قيادتها الحديث عن قضايا اليمين، وهي الهجرة والعنف والمخدرات والإسلام، لتتصدر تلك القضايا نشرات الأخبار ثم الإستديو التحليلي لمناقشتها، متتبعة أخبار الجريمة في المجتمع العربي والإسلامي والأفريقي.

هكذا يرى إريك زمور المسلمين وهكذا يدعمه القضاء الفرنسي!

أدين زمور عدة مرات بتهمة التحريض على العنف والكراهية والعنصرية ضد المسلمين، وينظر إليه الكثيرون على أنه مسؤول عن خطاب متحيز جنسيًّا وعنصريًّا، بات يتسرب ليسود المجتمع الفرنسي؛ يحيي زمور الصورة النمطية القديمة التي تربط الهجرة بالجريمة، ويروج لنظرية «الاستبدال العظيم»، وهي نظرية مؤامرة تتوقع أن يسيطر المهاجرون المسلمون على فرنسا بدلًا من سكانها الأوروبيين تدريجيًّا، وتحظى بشعبية في دوائر الرجل الأبيض الأوروبي.

Embed from Getty Images

تشمل إدانات زمور حكمًا صدر عام 2010 بالتحريض على الكراهية العنصرية بعد أن ظهر في برنامج حواري مدافعًا عن الاستخدام المفرط للشرطة الفرنسية للعنف والإيقاف والتفتيش ضد الأقليات، قال: «ولكن لماذا أوقفوا 17 مرة؟ لماذا؟ لأن معظم المجرمين من السود والعرب. هذه حقيقة»، وأضاف أن أصحاب العمل لهم الحق في رفض توظيف العرب أو السود.

نشرت صحيفة «كوريري ديلا سيرا» الإيطالية حوارًا مع إريك زمور، بعد نشر كتابه الأكثر مبيعًا «الانتحار الفرنسي» عام 2014، وجاء فيه أن للمسلمين قانونهم المدني وهو القرآن، والمسلمون يعيشون منغلقين على أنفسهم في ضواحي فرنسا التي أرغموا أهلها على مغادرتها، وأعلن رغبته في ترحيل 5 ملايين مسلم فرنسي؛ لأن حالة الشعب داخل الشعب، أي المسلمين وسط المجتمع الفرنسي، ستجر فرنسا إلى حرب أهلية.

لم تكن فكرة منع إطلاق اسم «محمد» على المواليد بجديدة، فقد انتقد زمور وزيرة العدل السابقة رشيدة داتي، عام 2016، لإطلاقها اسمًا عربيًّا على ابنتها، وقال إن تسميتها بزهرة يجعلها «أقل فرنسية» ويعرضها للازدراء بسبب أصولها العربية، في إشارة لقانون الاسم الأول الفرنسي المسيحي، وهو مستمد من قانون وضعه نابليون بونابرت، وأُلغي عام 1993.

وجَّه إريك زمور خطبة عنيفة في سبتمبر (أيلول) 2019 ضد الإسلام والهجرة، خلال «المؤتمر اليميني»، انتقد فيها المهاجرين ووصفهم بالمستعمرين ووصف صلاتهم بمحاولة «أسلمة الشارع»، كما وصف الحجاب بزي «جيوش الاحتلال». وكانت تلك المرة الثانية له بعدما قارن النازية الألمانية بالإسلام، وقال: «كان النازيون قساة بعض الشيء، وعنصريين بعض الشيء، لكنهم ليسوا كذلك إذا قارنت النازية بالإسلام».

دولي

منذ 7 شهور
«الجارديان»: اليمين المتطرف ينتعش.. هل تفوز مارين لوبان برئاسة فرنسا في 2022؟

هاجم إريك زمور أيضًا مغني راب فرنسيًّا لأنه وصف مذابح المسلمين الجزائريين في عهد شارل ديجول بالمجزرة. وكان مبرر إريك زمور في ذلك هو أنه «حتى ولو ذُبح المسلمون بيد فرنسية فواجب الفرنسي أن يظل بجانب قائده وإلى جانب فرنسا مهما فعلت».

سقطت الدعاوى القضائية ضد زمور بالتحريض على العنف والكراهية، وبررت المحكمة ذلك بأن زمور لا يستهدف بأقواله جميع الأفارقة أو المهاجرين أو المسلمين، بل يستهدف فقط بعضهم، ما أذهل الجمعيات المناهضة للعنصرية والأحزاب المدنية! خاصة أنه بعدما سقطت الدعوى القضائية ضد إريك زمور مباشرة، وصف المهاجرين القاصرين غير المصحوبين بذويهم من أفريقيا والشرق الأوسط جميعهم بـ«اللصوص والقتلة والمغتصبين»، وأن «الجهاديين هم المسلمون الصالحون في نظر جميع المسلمين، حتى وإن أنكروا ذلك».

أكسب إريك زمور أفكاره صفة رسمية عندما استضاف وزير الداخلية الفرنسي في برنامجه، في فبراير (شباط) 2021، وأعرب في تلك الحلقة عن سعادته الخاصة لرؤية أفكاره – على حد قوله – وقد تبنتها الحكومة، بقانون يعزز المبادئ الجمهورية، في إشارة لقانون «مناهضة الانفصالية»، وأكد أنه طالما بدا له دين الإسلام والحركة الإسلامية شيئًا واحدًا، وأن الإسلام لا يتوافق مع الجمهورية الفرنسية، وعلى فرنسا إعادة السوريين إلى بلادهم، وإن بدا ذلك صعبًا.

«الانتحار الفرنسي»: كيف نجح «إله التشاؤم» في نشر سمه؟

«لم تعد فرنسا مفترسًا بل فريسة»

 يتهم الكثيرون زمور بتزويد اليمين المتطرف المعادي للمسلمين بسند فكري وفلسفي؛ إذ كانت كتبه الأكثر مبيعًا في الأعوام الماضية، تحمل عناوين: «الجنس الأول»، و«القدر الفرنسي»، «الحزن الفرنسي»، و«الانتحار الفرنسي»، وكتابه الأخير «فرنسا لم تقل كلمتها الأخيرة»، الذي شبه فيه نفسه بدونالد ترامب، وأنه شخصية تليفزيونية تلتحق بالعمل السياسي.

باع كتابه «الانتحار الفرنسي: الأربعون عامًا التي هزمت فرنسا» عام 2014، أكثر من 500 ألف نسخة، وذكرت صحيفة «اللوموند» الفرنسية أن عدد المبيعات اليومية للكتاب ارتفع من 5 آلاف في اليوم الأول إلى 12 ألف بعد أسبوع، ليصل إلى 20 ألفًا في نهاية الأسبوع الثاني، بخلاف زيادة قدرها 20% في الكتب الرقمية، ليتقدم على إصدارات الفائز بجائزة نوبل الجديد وقتئذ باتريك موديانو، ورواية جديدة لإميلي نوثومب. 

Embed from Getty Images

وصفت مجلة «النيويوركر» الأمريكية نجاح كتاب زمور بـ«الكارثة»، ووصفته صحيفة «اللوموند» الفرنسية بأنه ليس مجرد ظاهرة تحريرية، بل ظاهرة مجتمعية، والدليل ما كشفت عنه استطلاعات الرأي بأن 37% من الفرنسيين (20% من اليسار و53% من اليمين) يتفقون مع زمور، ويرون أنفسهم فيما يقوله، وقرؤوا في كتبه ما لم يجرؤوا على قوله.

يجادل إريك زمور، الذي يصف نفسه بأنه ديجولي وبونابارتي، في كتاب «الانتحار الفرنسي» أنه منذ سقوط نابليون، «لم تعد فرنسا مفترسًا بل فريسة»؛ فكتب: «تحتضر فرنسا بعد أن فرضت أفكارها ورؤيتها على العالم، وصارت مضطرة لابتلاع القيم والعادات المخالفة لما بنته على مر القرون. نخبنا السياسية والاقتصادية والإدارية والإعلامية والفكرية والفنية يرحبون بهذا (…) بصقوا على قبر نابليون وحرقوا جثته بدخانهم. لقد حرمنا المهاجرون من ذاكرتنا الوطنية. يفككون شعبنا ويكتبون الصفحات الأخيرة من تاريخ فرنسا، هؤلاء المخربون».

صار إريك زمور جديرًا بألقابه مثل «أبو المغالطات المنطقية»، و«نبي التشاؤم»، و«بائع في يوم القيامة»؛ فيعرض في كتابه «فرنسا تحتضر» نظريته بوجود مؤامرة من النخب ضد الشعب الفرنسي، يجري فيها بيع فرنسا، ويعزي الاضطرابات الاجتماعية إلى حد كبير إلى وجود المهاجرين البربر ورغبتهم الوحيدة في «أكل الفرنسيين أحياءً». وقال في كتابه «القدر الفرنسي»: «لا يوجد أصل لفرنسا، لأن فرنسا غير موجودة، التاريخ الآن يتم اختطافه وحجبه وتجاهله ومبادلته. تاريخ فرنسا ضائع منذ فتحت أبواب الهجرة».

سرعان ما تحول هذا المتشائم لبطل مناضل مع قرب الانتخابات الرئاسية 2022، ودعا في كتابه الجديد «فرنسا لم تقل كلمتها الأخيرة» إلى «النهضة» و«استرداد فرنسا»، وكتب: «انتظرت لمدة 30 عامًا ولا أحد يدافع عن فرنسا، نحن بحاجة إلى مرشح وطني، ويبدو وفقًا لاستطلاعات الرأي أنني الشخص الوحيد الذي ما زال يدافع عنها، لذا قد أرشح نفسي».

بالفعل ارتفعت مبيعات كتاب إريك زمور الجديد على «أمازون فرانس»، حتى قبل صدوره في 16 سبتمبر (أيلول) الجاري، وقبل إتاحته في المكتبات. قدم زمور كتابه على أنه سيرة ذاتية سياسية، وروج له في جولة شبيهة للحملات الانتخابية، على مستوى الدولة. تأكد الظن بعد انسحاب ناشر كتب إريك زمور المعتاد، والذي يتهم زمور برغبته في جعل كتابه «عنصرًا أساسيًّا في ترشيحه» في عام 2022.

هل نرى إريك زمور في الإليزيه قريبًا؟

لم يمر يوم في الأسابيع الأخيرة دون أن يكون إريك زمور موضوع نقاش ساخن في القنوات الإخبارية، ليبقى محور الانتباه والتساؤل حول ما إذا كان سيرشح نفسه لرئاسة فرنسا 2022، لكنه -حتى الآن- يتقدم بهدوء في لعبته، ويراوغ بشأن نواياه، ربما لتبقى كل منصاته المفتوحة، بوصفه كاتبًا ومذيع منصات لبرنامجه الرئاسي، ما أربك قناة «سي نيوز»، حتى إنها علقت برنامجه بأمر من التليفزيون الفرنسي، لضمان تمثيل جميع التيارات السياسية على قدم المساواة.

Embed from Getty Images

يستعد المعجبون بزمور وراء الكواليس منذ يونيو (حزيران) الماضي، وانتشرت ملصقات بعنوان «الرئيس زمور»، وصارت مهمة المؤيدين له على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الشوارع تجميل زمور، وتقديمه للمجتمع الفرنسي بوصفه رئيسًا يتماشى مع توقعاته، لرفع نسبته في استطلاعات الرأي القادمة.

كذلك أشارت جمعية «محبي زمور» التي تدافع عن ترشحه لرئاسة قصر الإليزيه، إلى أن مرشحها جمع 100 توقيع من مسؤولين، من أصل 500 مطلوبين للترشح لرئاسة الجمهورية، ونقل موقع «يوروب 1» معلومة أن زمور سيضاعف اللقاءات مع كبار رجال الأعمال والصناعيين من أجل تمويل حملته الرئاسية، مثلما فعل قبله إيمانويل ماكرون في عام 2017.

بات سبب اهتمام زمور بالإسلام واضحًا؛ بوصف تلك القضية «كعب أخيل» إيمانويل ماكرون في الفترة التي تسبق الانتخابات الفرنسية 2022، ومع بدء محاكمات المتورطين في أعمال نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 بعد ست سنوات من تنفيذ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هجمات منسقة على قاعة حفلات، تضم ملعبًا ومطاعم، وحانات، مخلفة أكثر من 130 قتيلًا؛ يسعى المرشحون لخلافته إلى السخرية من تراخيه، وانتقاد فشله في تضييق الخناق على المسلمين، وتصوير أنفسهم على أنهم ألد خصوم الإسلاميين الراديكاليين، ويولون اهتمامًا لملف الهجرة واستعادة فرنسا العلمانية. 

قصة إنسان

منذ 4 شهور
إيمي سيزير.. الشاعر الثَّائر الذي حطَّم أسطورة المستعمر الفرنسي البريء

يتنافس زمور أمام اليمينيين مارين لوبان، وفاليري بيكريس، وكزافييه برتران، لاختيار أحدهم مرشحًا لليمين، وهم الذين وصفتهم صحيفة «الجارديان» البريطانية و«التايم» الأمريكية بملائكة رحمة بجانب زمور، لكن لا يزن قدر إريك زمور في استطلاعات الرأي للرئيس الأمثل لانتخابات الرئاسة 2022 سوى ما بين 6 و8% من الفرنسيين، ونقل استطلاع رأي أن 13% من الفرنسيين سيكونون مستعدين للتصويت لصالح زمور، لكن 4% فقط سيصوتون له بالتأكيد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد