default-avatar
زهراء مجدى

10

default-avatarزهراء مجدى

10

2,478

من حسن الطالع أننا لا نحاولَ قتل الشمس والقمر والنجوم . حسبُنا أن نعيشَ على الماءِ وقتل إخوَتنا الصادقين في الود. من رواية العجوز والبحر

ومن حسن حظ المرء أنه لا يعيش حياته سوى نفسه؛ فالبشر لا يملكون نفس أعيننا لتكون أحكامهم عادلة على حيواتنا؛ وحتى إن كان تعليق ماريو بارغاس يوسا على انتحار همنجواي: انتحر لأنه لم يجد القوة لكي يواصل اختراع نفسه أو اختراع الحكايات.

لماذا انتحر همنجواي؟ ببساطة هو لم يقل.

عندما أطلق إرنست همنجواي على نفسه تلك الرصاصة الشهيرة من بندقية صيده في عام 1961 وضع حدًا مفاجئًا لحياة أحد أعمدة الأدب الأمريكي وصاحب الأسلوب البرقي – نسبة إلى البرقية – وحائز جائزة نوبل للآداب عام 1954، والصياد، والمصارع، والمحارب، والرياضي وكأنه أبى إلا أن يجد من يحكي عنه ثراءً للصدق والكذب حول حياته وألا يكون أهم ما في سيرته انتحاره.

ولد إرنست كلارنس ميلر همنجواي يوم 21 يوليو (تموز) 1899 في سيسرو إحدى ضواحي شيكاغو بولاية إلينوي الأمريكية، لأبٍ طبيب وأمٍ صارمة في تربية أبنائها على الأعراف البورجوازية والتعاليم البروتستانتية. كان وسيمًا، طويل القامة، قوي البنية، كان نموذجًا للنموذج الذي لا يكون عليه كاتب أبدًا. شارك همنجواي في الحرب العالمية الأولى وجُرح في إيطاليا، ثم عاد إلى وطنه أمريكا حيث كان زواجه الأول ليعود ثانية إلى إيطاليا، وأوروبا بشكلٍ عام، عودة طويلة أشبه باستقرارٍ قصير؛ ليؤلف كتاباه الأوليان، بعد صداقته مع غرترود شتاين وإزرا باوند. لكنَّ كتابه – الحقيقي – الأوّل كان «ولا تزال الشمس تشرق» عام 1926 ثم  «وداعاً للسلاح» عام 1929؛ واللذان يعدان دومًا أفضل ما كتبه همنجواي.

وداعًا للحب وداعًا للسلاح

لم أعد أحتمل.. إنها تلاحقني ليل نهار، في عينيها الجميلتين نظرة عتابٍ مروّعة. لم تكن خائفةً مني، كم كنت نذلاً.. لكنني لم أكن أقصد يا (آجي)! أنتِ تعرفين أنني لم أكن أقصد. * من رواية وداعًا للسلاح

كان همنجواي يحلُم بالانضمام إلى الجيش في شبابه ولكن عيبًا في عينه ورثه عن أمه منعه من ذلك، فتطوع  للصليب الأحمر الإيطالي أواخر الحرب العالمية الأولى، وهناك أصيب برصاصةٍ في قدمه وشظايا متفرقة في جسده بينما كان يحاول إنقاذ جنديٍّ مصاب ما أقعده فترة في المستشفى، وخضع لعمليات جراحية كثيرة، وقد تحصَّل إثر جروحه على رتبة ملازم ووِسام شجاعة، وبينما هو يتعافى وقع في الحب للمرة الأولى بحياته حيث عشق ممرضة الصليب الأحمر أغنيس فون كوروسكي، وبعد نهاية خدمته في 1919 خطَّط أغنيس وهمنجواي للزواج في أمريكا لكنَّه فوجئ بخطبتها لضابطٍ إيطالي، وفي رواية أخرى أنها تزوجت من رجل أعمال ورواية ثالثة بأن همنجواي قتلها بعد زواجها، الرواية التي تتناقض مع أخرى بأنه ظل يراسلها رغم زواج كلًا منهما بآخر.

سكب همنجواي تجربة حبه الأول وتطوعه في الصليب الأحمر بعددٍ من أعماله أوضحها فيهم كانت روايته «وداعًا للسلاح”. وتحكي الرواية قصة الحرب التي عبر عنها عن قرب، إذ نقل لنا تجاربه عن واقعٍ عنيف وما يمثله للإنسان. كانت مهنة بعض الشخصيات الرئيسية في الرواية هي تقديم خدمات الإسعاف للمشاركين في الحرب، وعمدت الرواية إلى تناول هذا الواقع للحرب عبر الشخصيات الرئيسية التي جسَّدت الحرب بأثريها المادي والنفسي على الإنسان.

تمثّل ذلك في شخصية هنري الذي كان يعمل في وحدة الإسعاف التابعة للجيش الإيطالي، واتضحت بسالته، التي تعني البسالة في أرض المعركة، وتتأتى من فهم المجتمع للبطل باعتباره صاحب قيمة اجتماعية، لكن تغيرت شخصية هنري بسبب وقوعه في حب كاثرين؛ مما أحدث تغيرًا على مسار الرواية؛ فبعد أن كان مشغولًا بأداء واجبه في الحرب صار يفكر في علاقته بحبيبته، وتطورات هذا الحدث الذي غير حياته، وجعله يخرج عن الاهتمام بمصلحة الجماعة إلى مصلحته الفردية، فكان حبه سببًا في التخلي عن الحرب وإعلانه السلم لنفسه بخروجه من الحرب، وخروج همنجواي نفسه أيضًا.

أنا صحافي

أقول لنفسي: لا تقلق، لقد كتبت قبل ذلك وستكتب الآن، كل ما عليك فعله هو كتابة جملة واحدة حقيقية، اكتب أصدق جملة تعرفها، في النهاية سأكتب جملة حقيقية واحدة وأمضي قدمًا في الكتابة، سيكون الأمر سهلًا بعد ذلك، لأنه دائمًا ما تكون هناك جملة حقيقية أعرفها أو رأيتها أو سمعت أحدًا يقولها. من رواية وليمة متنقلة

بدأ همنغواي مبكرًا مساره المهني صحافيًّا عام 1918 في جريدة «كنساس ستار»، وفي عام 1921 عمل مراسلًا لصحيفة «تورنتو ستار» في شيكاغو، ثم هاجر إلى باريس عام 1922 حيث أجرى مقابلاتٍ مع كبار الشخصيات والأدباء مثل كليمنصو وموسوليني الذي وصفه بأنه: متمسكن وهو أكبر متبجِّح أوروبي في نفس الوقت. تعرّف همنجواي على أدباء فرنسا حين كانت الحركة الثقافية الفرنسية في عشرينيات القرن العشرين تعيش عصرها الذهبي، وعقد صداقاتٍ مثمرة ساعدته كثيرًا مع بيكاسو، و فيديل كاسترو، و جوان ميرو، وخوان جريس، وإزرا باوند، و جيرترود شتاين، وجيمس جويس الذي ساعده في نشر كتاباته. ولم يهدأ المحارب داخله؛ فخلال تغطيته للحرب الأهلية في أسبانيا خاض حربًا مع الفاشيين والنازيين وعبَّر عن عدائه لهم، وفي عام ١٩٤٤ عمل همنجواي مراسلًا حربيًا لمجلة «كولييرز»، وقام بإحدى مهماته الصحافية وهو على متن إحدى طائرات سلاح الجو البريطاني.

إذا مزجنا بين روح مغامر وقلم صحافي بالتبعية سيولد نهجٌ جديد عند كتابة الرواية وهو ما حدث مع همنجواي. فقد أثر أسلوبه الصحافي في كتاباته، حيث تميزت ببساطة الجمل وقصرها، لا مزيد من التشبيهات، لا مزيد من الاستعارات، اجعل المشهد يحكي عن نفسه، فكان بكل مشهد يسجل حتى درجات الحرارة بين كلماته ويجعل شخصياته تتحدث في حوارات نسمعها، لا ينقل عنهم، ما ساعده على أن يكون جديدًا ومميزًا لفترة حتى حاكاه الكثيرون.

عن اليأس والهزيمة.. ماذا أكتب؟

يعدّ همنجواي واحدًا من أدباء ما يُسمى «الجيل الضائع»، وهو اصطلاح استخدمته أول مرة جيرترود ستاين، ربما لأنه جيل الحربين العالميتين. ولقد تمكنت خبرة همنجواي في الحرب من تشكيل صورة خاصة بالأبطال تتبدى في أنهم أشخاصٌ قساة، وهذه صورة واقعية، إذ تظهر الحياة للبطل على أنها حقيقة تافهة كلما رأى أرواحًا تزهق هنا وهناك على نحوٍ عشوائي بذنبٍ أو بدون. وكانت الشجاعة من بين الموضوعات المرتبطة بالبطولة التي عالجتها أعمال همنجواي أيضًا في بعض قصصه مثل «النهر ذو القلبين الكبيرين»، فيقول ألفريد كازين: هذه القصة التي تلخص شجاعة ويأس بطل هيمنجواي، وحاجته القصوى، وخوفه العميق، وأقصى حاجة له، وأعمق خوف أيضًا.

كانت رواية «الشمس تشرق أيضًا» سبب شهرة همنجواي، وهي قصة مجموعة من الأمريكيين والبريطانيين الذين يعيشون بين فرنسا وإسبانيا بلا هدف، ويمثلون أفراد «الجيل الضائع». وإذا كان همنجواي قد بدأ الكتابة باستكشاف موضوعي اليأس والهزيمة، إلا أنه راح يعبر في أواخر الثلاثينيات عن وعي اجتماعي وسياسي حقيقي ضد الديكتاتوريات؛ ففي روايته «أن تملك وأن لا تملك» وفي مسرحيته «العمود الخامس» يحتفي بقوة بما أظهره الشعب الإسباني في الحرب الأهلية التي غطاها كصحافي، كما في روايته «لمن تقرع الأجراس»التي كتبها عام 1940 كجرس يقرعه للعالم كله تهديدًا بضياع الحرية.

انقسم البشر في أعمال همنجواي إلى نوعين تفرّقا على نصفي حياته، أولهما في أعماله الأولى وهم من جرّدتهم الحرب العالمية الأولى من الإيمان بالقيم الأخلاقية التي كانوا يهتدون بها، فباتوا يعيشون حياةً حيوانية لا تبالي بأيّ شيءٍ سوى حاجاتهم الانفعالية؛ أمّا النوع الثاني فيتكوّن من أصحاب الطبع البسيط والانفعالات البدائية، مثل صيادي الأسماك والطيور ومصارعي الثيران والملاكمين المحترفين، والأبطال الوحيدين مثل بطل روايته الأخيرة «العجوز والبحر» التي نال عنها جائزة نوبل في الأدب 1954.

بطلٌ وحيد دمّرته الحياة ولم تهزمه

الحياة قاسية كعادتها؛ فقد أجبرت الظروف سانتياغو الصبي الذي كان يرافق الصياد العجوز في رحلاته على تركه والانتقال إلى عملٍ آخر. في رواية «العجوز والبحر» آخر وأشهر أعمال همنجواي، عاش العجوز حكمة همنجواي عن كيف تدمرك الحياة ولا تهزمك، عاش الوحدة التي تمكّنه من جمع قواه في مواجهة الطبيعة معتمدًا على ذاته وحدها في تحقيق الانتصار، وفي صميم ضرورة العزلة هذه يكون الاعتماد على البطل الوحيد، النهج الذي جعل همنجواي الوريث المعاصر والكبير لأعراف الرومانتيكية.

في رواية «العجوز والبحر» تفرّد البطل، وتعرّى الوجود إلى صراع بين الفرد وعالم الطبيعة من خلال السياق الذي يرتقي منه إلى مرتبات ذاته العليا، ما وجد صداه عند العجوز. فلعلّ العزلة بما فيها من اعتمادٍ على الذات واجتنابٍ للآخر، وإن كانت جبرًا – كما في حال العجوز – تُعدُّ أساسًا للبطولة المرتكزة على الفرد التي تقوم على استحضار قواه وتعزيزها؛ لتكون بذلك صانعة للشخصية ومشكلة لتعاملاته مع محيطه جاعلة منه بطلًا. وهذا البطل الذي نراه في العجوز والبحر هو همنجواي الذي أحبّ الصيد فعمل صيادًا للثيران والأسماك، وعمل بحّارًا كما هو الحال عند العجوز، وواجه الوحدة، وتحدّى الطبيعة لتحقيق الذات، ولكن هل حققها؟ هل تركته الحياة أم قاومته مثلما قاومت سمك القرش العجوز وأكلت صيده الثمين وتركتهُ يعود لأهل قريته بهيكلٍ عظميٍّ للسمكة التي اصطادها؟ هل كان حكي الواقعة كافيًا؟ وهل أي شخص يستحق سماعها؟

الركض من موت الفجأة في اتجاه الموت الموقوت

هل تتخيل أنّ حياة همنجواي كانت كحياة النجوم حتى أن الصحافة أكثرت من شائعات وفاته؟! لغرابة ألعاب القدر لها معه نصيب في ذلك؛ ففي عام 1954 تعرّض همنجواي لحادثتين، فقد تحطمت طائرة كانت تقلُّه وزوجته الرابعة في رحلة لمشاهدة معالم الكونغو، وفي طريقهم لتصوير مورشيسون فولز من الجو، ضربت الطائرة عمودًا كهربائيًا، و تحطَّمت  أثناء هبوطها، وأصيب همنغواي بجرحٍ في رأسه، بينما كسر ضلعا ماري، وفي اليوم التالي، وفي محاولة للوصول إلى الرعاية الطبية في مجاورةٍ أخرى، استقلوا الطائرة الثانية التي انفجرت عند الإقلاع، وعانى همنجواي من حروقٍ وارتجاجٍ آخر، وتسبب ذلك في تسرب السائل المخي النخاعي برأسه.

إذا كان همنجواي قد نجا من وابل الرصاص الذي سقط عليه وهو ينقذ صديقهُ الجنديّ في ساحة المعركة بالحرب العالمية الأولى ومن حادثتي طائرتين مفجعتين فإنَّه عانى في حياته من سرطان الجلد، والملاريا، والجمرة الخبيثة، وتعايش مع هشاشة العظام، وكان يعاني متاعب الشيخوخة التي داهمته باكرًا؛ فقد كشف الناقد آرون إدوارد هوتشنر، أشهر من كتب سيرة همنجواي وأحد أقرب أصدقائه خلال العشرية الأخيرة من حياته، أنّ الأعراض الجانبية للسكري أصابته بضعف البصر؛ لكن ذلك لا يفسر لوحده، فقد كان همنجواي مدمنًا على الكحول؛ ورغم كل ذلك انتصر الانتحار على كل هذه الكوارث.

ما هو ميراثك في الحياة؟ الانتحار

شعرت بالتردد بين رغبتين كالعادة، ما بين المسارعة لإجراء لقاء صحفي أو قطع الطريق لتقديم واجب التحية والتعبير عن إعجابي الكبير بأدبه.. وحتى لا أهدر تلك اللحظة النادرة، وضعت يدي على فمي وصحت بكل صوتي “مايسترو”، كنت أبدو كطرزان وهو يصيح في الغابات. أدرك أرنست همنغواي بأنه هو المقصود وسط هذا الحشد الكبير من الشباب، لوح لي بيده وصاح بالاسبانية: وداعًا يا صديقي.» جابريل جارسيا ماركيز عن همنجواي

يقول وليام والتون وهو طبيب نفسي أنّ همنجواي كان مهووسًا، ومكتئبًا، ويستمتع بإيذاء نفسه، ويعاني من حالة نفسية تسمى اضطراب ثنائي القطب؛ تلك حالته التي لم تكتب العمر لصداقاته أو زيجاته ومحبوباته؛ فهمنجواي  المعروف كزير للنساء، ومتعدد العلاقات لم تنجح له علاقة عاطفية واحدة؛ مما كان سببًا لحزنه وشعوره الدفين بالوحدة، بالإضافة إلى ما قاله آرون إدوارد هوتشنر بخصوص أن الـ «إف ـ بي ـ آي» لم يكتفِ بالتجسس على همنجواي طيلة ربع قرن للشكّ في علاقته بالنظام الكوبي، بل استغلّ ظروف مرضه لملاحقته والتحرش به حتى داخل «مصحّة مايو» التي كان يعالج فيها من الاكتئاب، قبل وفاته.

هل كان همنجواي ينتظر تحرشًا كي ينتحر؟ لا يبدو ذلك.

انتحر والد همنجواي، وانتحر عمه، وانتحرت أختاه غير الشقيقتين وانتحرت من بعده حفيدته. على ما يبدو كان الانتحار أسلوبًا متوارثًا في العائلة لوضع حد للحياة، حتى أن همنجواي كان يكره والده ويعتبره جبانًا طيلة حياته وأنه لن يتمكن من الانتحار، فخالف والده ظنه وانتحر. ومنذ أن أتم همنجواي نفس عمر والده حين انتحر، ظلّ الموت ظله حتى انتحر دون سابق إنذار في غرفة قصية من قصره ببندقية صيد الدببة التي أهداها إليه والده وهو صغير ورافقته طيلة حياته، ناسفًا إيمان العجوز في روايته «العجوز والبحر» وقناعته بإرادته وهو يصارع سمكته العملاقة: سأصطادك، ولن أستسلم أيتها السمكة المتجبرة، لأنك قد تقتليني، ولكن من المستحيل أن تهزميني.