8,058

في القبيلة الغافية، كان المساء متسمًا بطابع الوحدة، وفي الظهيرة الهائجة، تجمعت أصوات من الماضي لتصرخ بصوت عالٍ، الرمال والتراب يتصاعد مثل حمم البركان المشتعل، تترك الوكر لتحلق في صحراء الظلمة للظمأ اللاهف، وفكر الإنسان يحاول أن يستيقظ على صراخهم؛ باحثًا عن شاطئ النور، مثل سائر ساعات الزوال المتوهجة. في هذا الوقت جاء موعد الرحيل.

كانت «قبيلة القايي» إحدى قبائل التركمان، والتي نشأ فيها «أرطغرل بن سليمان شاه» والد عثمان، مؤسس الإمبراطورية العثمانية، والتي ظلت تحكم رقعة كبيرة من العالم حتى سقوطها عام 1924. فعندما قرر «أرطغرل» الاتجاه غربًا بجزء من قبيلته – تحت قيادته- عند حدود بيزنطة، كان ذلك بداية قيام رحلة طويلة، كُللت في النهاية بإنشاء الدولة العثمانية.

انتقل «إنجين ألتان» – بطل مسلسل قيامة أرطغرل- في 2001 إلى إسطنبول للعمل في مسرح «كنتر» ومسرح «دوت»، وذلك بعد التحاقه بقسم المسرح الجامعي «دوكوز إيلول» عام 1996، ليظهر ألتان في عدة برامج ومسلسلات تليفزيونية ناجحة بعد انتقاله إلى إسطنبول، في الوقت الذي كان يحاول «محمد بوزداغ» – كاتب مسلسل قيامة أرطغرل- في 2014 إقناع فريق العمل بالقدرة على تنفيذ المشروع.

استدعى بوزداغ رسامًا من منغوليا خصيصًا لرسم ما كان عالقًا بخياله؛ لكي يستطيع تطبيق ما يريد مع فريق العمل، مما ساعده على اختيار المخرج ومصمم الأزياء، وقبل أن يختار فريق الممثلين وبحركة غريبة اشترى الأحصنة التي ظل يدربها، والتي مثلت عنصرًا أساسيًّا في المسلسل، إذ بحث فريق العمل عن الخيول الملائمة لطبيعة المسلسل، والحقبة الزمنية التي يتناولها.

وعند اختيار الممثلين، التقى ألتان بدور أرطغرل وكانت الانطلاقة؛ والتي ستحدث تأثيرًا كبيرًا في الأوساط التركية والعربية كذلك؛ إذ حظي «قيامة أرطغرل» باهتمام حزب «العدالة والتنمية»، وباهتمام الرئيس التركي أردوغان بشكل خاص، وبهذا الصدد انتشرت شائعات غير مؤكدة أن المسلسل تلقى دعمًا ماديًّا من الحزب، في حين تقدم الرئيس بتكريم طاقم عمل المسلسل.

حصد المسلسل أيضًا عدة جوائز في مهرجان «الفراشة الذهبية» – أحد أهم وأقدم المهرجانات في تركيا- ولكن بعد أن أُثير جدل حول المسلسل لم يتلق طاقم العمل الجوائز. من جانبه تقدم الرئيس التركي باعتذار لمنتج وفريق عمل المسلسل خلال كلمة ألقاها في مؤتمر الترويج لقناة TRT World: «ليس مهمًا طريقة إعطائكم الجائزة، إنما المهم أنكم كسبتم قلوب الناس، وهذه هي الجائزة الحقيقية». ثم قام بالتصفيق لفريق العمل قائلًا: «لأجل ذلك نصفق لكم».

عربيًّا؛ لاقى المسلسل انتشارًا كبيرًا؛ إذ رصد «ساسة بوست» إحدى أكبر مجموعات فيسبوك العربية «عشاق مسلسل قيامة أرطغرل» والخاصة بمحبي المسلسل، والتي ضمت أكثر من 115 ألف عضو.

بالعودة إلى ألتان؛ فقد كانت أول أدواره على شاشة التلفزيون ظهوره في مسلسل «مدربي العظيم» عام 2002، وهو الدور الذي لفت الأنظار إليه، وبانضمام ألتان إلى «قيامة أرطغرل» مؤديًا دور البطولة انتقل إلى نادي الممثلين الأثرياء الأعلى أجرًا في تركيا كـخالد آرغنش – القائم بدور السلطان سليمان في مسلسل حريم السلطان- وكيفانش تاتليتوغ – القائم بدور مهند في مسلسل نور- ونجاتي شاشماز – القائم بدور مراد علمدار في مسلسل وادي الذئاب- وبسبب جذب أنظار الكثيرين للمسلسل، نجح ألتان نجاحًا باهرًا، إذ تربع المسلسل في المركز الأول لنسب المشاهدة طوال مدة عرضه.

وعندما انتقل أرطغرل إلى حدود بيزنطة – في الموسم الثالث- انتقل المسلسل إلى الأعلى مشاهدةً بإعلان شركة «تيكدين» المنتجة للمسلسل في بيان لها أن الحلقة 65 قد حطمت الأرقام القياسية في أعداد المتابعين؛ إذ جاء في قائمة المواضيع الأكثر تداولًا في تركيا على تويتر، وحل ثانيًا على مستوى العالم، هذا وقد انتقل معهم ألتان وأصبح نجمًا صاحب أدوار مهمة، كالدور الذي لعبه في القمة العالمية للطاقة لعام 2016 أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وفي حضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبهذا أصبح مسلسل «قيامة أرطغرل» سببًا في قيامة شخصية أرطغرل التاريخية، وشخصية بطله إنجين ألتان أيضًا؛ لكن أيهما حاز على الاهتمام الأكبر، في الأوساط العربية خاصة، هذا ما يجيب عنه هذا التقرير.

أرطغرل أم ألتان أم الاثنان معًا؟

اكتسب أرطغرل لقب «غازي» نظرًا لغزواته المستمرة ضد البيزنطيين، وأرطغرل هو ابن كندز ألب بن قايا ألب، والمشهور بأرطغرل بن سليمان شاه وهذه رواية ضعيفة – وفقًا للمؤرخ التركي يلماز أوزتونا- والأرجح «أن سليمان شاه هو ذكرى باقية من اسم فاتح الأناضول» وارتبط اسم أرطغرل به تمجيدًا للدولة السلجوقية التي سبقت الدولة العثمانية في حكم هذه المناطق.

استطاع أرطغرل خلال نصف قرن – منذ 1231 إلى 1281- كقائد لقبيلة قايي ثم والي مقاطعة حدودية، توسيع أراضيه من مساحة تقدر بـ2000 كم مربع إلى 4800 كم مربع، إذ وافته المنية بعدها وعمره يناهز 90 عامًا، ويجسد الجزء الثالث – الذي يُعرض حاليًا- أحداث انتقال أرطغرل لقيادة قبيلة القايي وبداية وضعه بذور الدولة التي ستحكم جزءًا كبيرًا من العالم فيما بعد.

يقص الجزء الأول والثاني رحلة البحث عن قطعة أرض لكي تستقر القبيلة فيها، والصراع مع فرسان المعبد، ثم المغول، واصطدامهم بالخونة الذين يظهرون في طريقهم بشكل دائم؛ مما أثقل من خبرة وذكاء أرطغرل ومقاتليه.

وبالرغم أن أحداث المسلسل اعتمدت على بعض الروايات الشعبية الضعيفة – لندرة المصادر عن هذه الحقبة- إلا أن المسلسل سمح لطرح شخصية تاريخية مهمة مثل أرطغرل لدوائر الاهتمام والنقاش والبحث، كما لم يحدث من قبل.

كانت قبيلة القايي إحدى أكثر الإمارات الحدودية تواضعًا على عكس ما عكست أحداث المسلسل، لكن المؤكد تاريخيًّا أن معجزةً حدثت لتلك المقاطعة/ القبيلة لتبرز وتلمع كالشمس «بينما لم يبق لسلالات الإمارات الحدودية العديدة الأخرى اسم ولا جسم» كما أسلف يلماز أوزتونا في مجلده «تاريخ الدولة العثمانية- الجزء الأول»؛ وذلك لسببين رئيسيين:

  1. جغرافي سياسي: إذ كان أرطغرل أقرب أمير من البيزنطيين، ولم يكن سواه من الأمراء الحدوديين في مثل هذا الوضع الخطير، مما أوجب عليه اتخاذ الحذر دائمًا، والاستعداد للجهاد والغزو في كل لحظة، بسبب تخوفه من اكتساح البيزنطيين له؛ لسهولة ذلك عن باقي الإمارات.
  1. الخصائص النفسية والإدارية والعسكرية لأرطغرل ونسله، فعلى عكس المقاطعات التركمانية التي لم يزد حكامها عن كونهم قائمين بواجباتهم على الوجه التقليدي، أنجبت سلالة أرطغرل دهاة متعاقبين، تفوق فيها كل حاكم على من كان قبله بإمكاناته وخصائصه في القدرة على التخطيط للتحركات العسكرية المحسوبة التي استهدفت دومًا أهداف معينة، استطاعوا من خلالها توسيع رقعتهم، وتنظيم أنفسهم في تشكيلات جيدة، وهذا ما استطاع المسلسل تجسيده بجدارة.

أحرز المسلسل منذ الأسابيع الأولى لانطلاقه المركز التاسع في قائمة موقع «Thewi» التي ترصد أكثر الأعمال الفنية تفاعلًا على موقع «تويتر» في جميع أنحاء العالم، وللإجابة عن سؤال من حظي بالاهتمام الأكبر – أرطغرل أم ألتان- في الأوساط العربية، أجرى «ساسة بوست» دراسة على مجموعة «عشاق مسلسل قيامة أرطغرل» لرصد نوعية المنشورات من الأوساط العربية المهتمة بمتابعة المسلسل ومشاركة المنشورات حوله.

قام «ساسة بوست» بدراسة نتائج 90 منشورًا عينة عشوائية، راعى أن تكون قد نُشرت في أوقات مختلفة في المجموعة الأوسع انتشارًا بين المشاهدين العرب، والأكثر تفاعلًا على مدار اليوم، والتي أظهرت النتائج الآتية:

  • عكست توجهات أفراد المجموعة مدى اهتمامهم بإسقاط أحداث المسلسل على الأحداث الواقعية التي يعيشها العالم عامة، والوطن العربي وتركيا خاصة، إذ جاءت 42% من المنشورات لمناقشة الأحداث اليومية والقصص الخبرية، منها 26% منشورات مؤيدة للحكومة التركية ورئيس تركيا، كما تأتي بقية المنشورات عن أخبار المسلمين المضطهدين حول العالم، ورصد الأحداث السياسية في الدول العربية.
  • تلا تلك النسبة الكبيرة، مؤشران متساويان من حيث عدد المنشورات؛ ألا وهما: المعلومات التاريخية المهتمة بحقبة أرطغرل التاريخية، والقصص التاريخية الإسلامية غير المعروفة، كذلك الاهتمام بأبطال المسلسل بنشر صور من حياتهم الخاصة. حصل كل منهم على نسبة 20% من إجمالي عدد المنشورات، لكن تتفوق الصور المنشورة لأبطال المسلسل إذ تأتي في المرتبة الأولى من حيث عدد الإعجابات لكل منشور، إذ حصدت كل المنشورات المرصودة أكثر من 100 إعجاب لكل منشور.
  • تأتي في النهاية المنشورات التي تناقش أحداث المسلسل بنسبة 18% تقريبًا، والتي تحصد عدد إعجابات ليس قليلًا كذلك، إذ جاءت 37.5% منها بعدد إعجابات تفوق الـ 100 إعجاب.

في محاولة للإجابة عن سؤال إن كان المسلسل هو قيامة لأرطغرل أم للممثل ألتان وفريق التمثيل ومن الأكثر استفادة؛ تظهر الدراسة الاهتمام المتساوي بين نجاح فريق التمثيل الذي نجح – في وجهة أعضاء المجموعة- في توصيل معاني كانت غائبة عن الساحة العامة خاصة في صناعة السينما؛ مما أدى للاهتمام بشخصية أرطغرل التاريخية الحقيقية وبأبطال آخرين ـ اعتبروهم- لا يقلون عظمة عن أرطغرل.

لكن يتبين من خلال الدراسة أن هناك اهتمامًا كبيرًا بتطبيق القيم التي يحاول المسلسل إيصالها على ما نعيشه من أحداث في وقتنا الحالي؛ إذ جاءت 42% من المنشورات مهتمة بذلك، كذلك تعدد منشورات القصص التاريخي. في حين يأتي الاهتمام بأبطال المسلسل في إطار عدد الإعجابات الكبير الذي تحصل عليه كل المنشورات تقريبًا؛ مما يدلل على أن المسلسل قد أحدث فارقًا في التعريف بشخصية أرطغرل التاريخية، والحقبة التي عاش فيها، وكذلك نجح في إبراز أبطال المسلسل على الساحة العامة.