في المناطق الشمالية من البلدان المحيطة بالقطب الشمالي، تعيش قبائل الإسكيمو، أو كما يُطلقون على أنفسهم «الإنويت»، ويتوزعون في جرينلاند، وكندا، وألاسكا، ومنطقة بحر بيرنج شرق سيبيريا. ورغم أن الإنويت يغطون مساحة تصل إلى 6 ملايين كيلومتر مربع من أقصى مناطق سيبيريا في روسيا، إلى جرينلاند وكندا وألاسكا، فإن أعدادهم منخفضة نسبيًّا. فلنتعرف في السطور التالية إلى شعوب القطب الشمالي، وكيفية تأقلمهم مع الحياة في هذا المناخ القارس.

1-اسم «الإسكيمو» الأكثر شيوعًا.. ولكنهم لا يحبونه

تختلف التسميات الذاتية للشعوب الأصلية في ألاسكا ومناطق القطب الشمالي الأخرى مثل سيبيريا وكندا وجرينلاند، ويعد لفظ الإسكيمو الأكثر شيوعًا بينها، ولكن لا يفضلها أغلب المقيمين في القطب الشمالي؛ لأنه اسم استعماري أطلقه الأوروبيون وغيرهم على شعوب القطب الشمالي الأصليين منذ القرن السادس عشر.

تعتبر الشعوب في المناطق القطبية أن لفظ الإسكيمو مهين، فقد اعتقدوا أنه يعني آكلي اللحم النيئ، فيشير بذلك إلى العنف والوحشية، ولكن جاء رأي اللغويين وعلماء الأنثروبولوجيا مخالفًا لذلك، فقد اقترحوا في منتصف القرن الماضي أن كلمة الإسكيمو مأخوذة من الكلمة اللاتينية «excommunicati»، والتي تعني الأشخاص المحرومين من الكنيسة، لأن السكان الأصليين في القطب الشمالي لم يكونوا مسيحيين.

لفظ الإسكيمو لا يفضله السكان الأصليون

ووفقًا لمركز ألاسكا للغات الأصلية بجامعة ألاسكا فيربانكس، يعتقد اللغويون أن كلمة إسكيمو مشتقة من كلمة «أياسوكيميو ayas̆kimew» وتعني حذاء الثلج الشبكي، فقد صنعت الشعوب الأصلية أحذيتها الشتوية بالحياكة وتشبيك جلود الحيوانات في أطر خشبية.

ولأن هذا التصحيح للمعنى جاء متأخرًا، لا يزال السكان الأصليون يفضلون كلمات أخرى. يفضل سكان ألاسكا الأصليون وسكان سيبيريا أن يُعرفوا بالأسماء التي يستخدمونها في لغاتهم مثل اليوبيك والإنوبيات، وهما مختلفتان عن لفظ الإنويت الذي يعد الاسم المفضل لجميع الشعوب الأصلية في كندا وجرينلاند، كما يفضل مجلس الإنويت القطبي استخدام اللفظ ذاته، بينما تستخدم بعض المنظمات الأخرى لفظ الإسكيمو.

2- جينات الإنويت تكيفت مع درجات الحرارة القارسة

في دراسة نُشرت في عام 2016، أشار فريق من العلماء إلى أن شعب الإنويت في القطب الشمالي قد تكيف مع البرد القارس، ونظام المأكولات البحرية. تابع الفريق دراسة الانتقاء الطبيعي الأولي لدى شعب الإنويت لتتبع أصول هذه التكيفات.

الإنويت

بعد استخدام البيانات الجينومية لحوالي 200 فرد من الإنويت في جرينلاند، ومقارنتها بالحمض النووي البشري القديم من إنسان نياندرتال ودينيسوفان، لفحص المنطقة في الجينوم التي تحتوي على جينين «TBX15» و«WARS2»، لاحظ العلماء وجود تطابق تسلسل الحمض النووي للإنويت، في هذه المنطقة بشكل ما مع جينوم دينيسوفان، وهو مختلف تمامًا عن التسلسلات البشرية الأخرى الحالية.

وجين «TBX15» معروف بتأثيره في استجابة جسم الإنسان للبرد، ويرتبط بعدد من السمات المتعلقة بتوزيع الدهون في الجسم، وقد ساعدت التغيرات في هذا الجين في التأقلم على الحياة في القطب الشمالي.

3- منازل الثلج تحميهم من البرد

يقضي معظم سكان القطب الشمالي فصل الشتاء إما في منازل من كتل ثلجية تسمى الأكواخ الثلجية، وإما منازل شبه جوفية مبنية من الحجر أو الطين فوق أطر خشبية أو من عظام الحيتان. ويستخدمون الثلج لبناء منازل لتحميهم من البرد القارس، ويطلقون على هذه المنازل اسم «Igloos» أي أبنية قبانية.

تكون المنازل القبانية على هيئة قباب من الكتل الثلجية الكبيرة المقطوعة بأحجام مختلفة، تستقر على الأرض وترص بعضها فوق بعض في شكل حلزوني، وتقاوم هبوب الرياح الشديدة، كما يحتوي الثلج على جيوب هوائية تعمل بمثابة عازل للجو الخارجي. تختلف أبعاد الأكواخ الثلجية، لكنها عمومًا تستوعب عائلة واحدة فقط. يستطيع الإنويت ذوو الخبرة أن يبنوا كوخًا ثلجيًّا بين ساعة وساعتين.

فندق مبني من الثلوج

فندق مبني من الثلوج

في فصل الصيف، يعيش الإنويت في منازل مصنوعة من جلد الحيوانات مثل الفقمة، أو في خيام من القماش. تُنصب الخيام حيث يوجد الطعام، وتتميز الخيام بأنها مدعومة بإطار من الخشب الطافي، ومغطاة بالجلد الخارجي المثبت بالأرض باستخدام الحجارة الكبيرة.

كان كوخ العشب أكثر أنواع المساكن شيوعًا، فقد كان متينًا ومعزولًا جيدًا لدرجة أنه يمكن العيش فيه بشكل أو بآخر بشكلٍ دائمٍ، ولكن أصبح وجوده مقتصرًا على بعض البلدات في جرينلاند. كان الكوخ العشبي النموذجي منخفضًا ومربعًا وكانت جدرانه مبنية من الحجارة الكبيرة والعشب، وكان السقف مدعومًا بعوارض خشبية مصنوعة من الأخشاب الطافية. كانت المساكن دائمًا قريبة من البحر حتى يتمكن الصيادون من الوصول بسهولة إلى زوارقهم عند البحث عن حيوانات الفقمة.

4- يستخدمون جلد الفقمة لصنع ملابس مقاومة للماء

كانت ملابس الإنويت متشابهة بشكل ملحوظ عبر ما يقرب من 6 آلاف كيلومتر من المنطقة المحيطة بالقطب. تتألف الملابس من معطف وسروال وقفازات وحذاء. واستخدمت لصناعة الملابس جلود الرنة والفقمة والكائنات البحرية، لأنها خفيفة الوزن. بسبب المناخ كانت الملابس تُخيَّط وتُفصَّل بما يتناسب مع الجسم لمنع دخول الهواء.

سكان من الإنويت

سكان من الإنويت

تاريخيًّا كانت الخيوط المستخدمة لحياكة الملابس مصنوعة من أوتار الحيوانات، وكانت الإبر من العظام أو العاج. كان جلد الفقمة مثاليًّا للأحذية، وأحشاؤها لصنع ملابس خارجية مقاومة للماء، أما ريش الطيور وأسنان الحيوانات فاستخدموها لتزيين الملابس. كما وضعوا الأعشاب المجففة والطحالب داخل جواربهم لامتصاص العرق.

في الشتاء، كانت الملابس من طبقتين، الطبقة الداخلية يكون الفراء فيها ناحية الجسم، أما الطبقة الخارجية فيكون فراؤها للخارج، مما يساعد على تنظيم درجة حرارة الجسم ورطوبته، بينما في فصل الصيف، تكون الملابس من طبقة واحدة.

5-الصيد وسيلة السكان لتوفير الغذاء

مثلما تكيفت جيناتهم مع البرد القارس، تكيفت حياتهم التقليدية تمامًا مع الغذاء الذي فُرض عليهم، من لحوم الحيوانات والكائنات البحرية في ظل انعدام الأطعمة النباتية تقريبًا وندرة الأشجار. قضى السكان الشتاء على الجليد الساحلي بحثًا عن الفقمات، واستخدموا الحراب لقتلها، إما على الجليد عبر الفتحات الصغيرة التي تتنفس عبرها، وإما من زوارق الكاياك المغطاة بالجلد. في الصيف، كانت معظم العائلات تصطاد الرنة والحيوانات البرية الأخرى والأسماك.

زورق الكاياك

زورق الكاياك

اعتمد السكان على عظام الحيوانات وجلودهم كذلك في صنع الزلاجات التي تجرها الكلاب للنقل، وشيئًا فشيئًا بسبب زيادة الاتصال مع المجتمعات في الجنوب تغيرت طرق الصيد التي اعتمد عليها السكان، وحلت عربات الثلوج بشكل عام محل الكلاب في النقل البري، وحلت البنادق محل الحراب لأغراض الصيد.

6- «قبلة الإسكيمو».. لديهم قبلة هي الأشهر على مستوى العالم

يحيي أفراد قبائل الإسكيمو بعضهم بعضًا عن طريق فرك أنوفهم معًا، فيما يسمى قبلة الإسكيمو أو «كونيك». أحاطت الشائعات بأسباب اللجوء إلى هذه القبلة، حتى شاع أنها البديل الآمن لتقبيل الشفاه، فأفراد الإسكيمو لا يمكنهم المشاركة في قبلة تقليدية لأن شفاههم قد تتجمد معًا، إلا أن هذا غير صحيح.

الإنويت يحيون بعضهم بعضًا بفرك الأنوف عبر الضغط على الأنف والشفة العليا، كما يتضمن استنشاق رائحة الآخر، ولكنهم يعرفون أيضًا تقبيل الشفاه، ويفعلونه بصورة طبيعية، ولا يعد تقبيل الأنوف عادة رومانسية، فمن الممكن أن يكون بين الأم وأطفالها. كما أن فرك الأنوف ليس حكرًا على شعوب الإنويت، ولكنه شائع في كمبوديا، ولاوس، وتايلاند، وفيتنام، وسكان هاواي الأصليين.

إحدى النظريات التي تفسر سبب ترحيب شعب الإنويت لبعضهم بعضًا بلمس أنوفهم ترتبط بالمناخ القاسي الذي يعيشون فيه. يلجأ السكان إلى تغطية أجسامهم من الرأس إلى أخمص القدمين للبقاء دافئين في درجة حرارة التجمد، بينما يظل الأنف والعينان فقط دون غطاء؛ لذا فإنهم يرحبون ببعضهم عن طريق لمس الجزء المكشوف شكلًا من أشكال التحية غير الرسمية.

مجتمع

منذ سنتين
تعيش بلا تصوير ولا كهرباء.. «الآمش» طائفة مسيحية ما تزال تعيش حياة القرن 18

المصادر

تحميل المزيد