كثيرة هي الشخصيات والحركات التي تريد تغيير العالم والتي لا نعلم عنها شيئًا. فكثيرون يحاولون تحقيق ذلك بطريقتهم حسب ما يهتمون ويجيدون. وفي عالم مليء بالصراعات والنزاعات تأتي العنصرية، أحد أبرز مشكلات عالمنا المعاصر الذي ما نزال نعيش في جنباته، والذي جعل من جورج فلويد قتيلًا على «مذبح العنصرية».

وفي صحبة العنصرية، تأتي الاستعمارية الثقافية بوصفها أحد أبرز روافد العنصرية، التي تتعدد وجوهها مثل رابطة «الكومنولث» – وهو اتحاد بين 52 دولة كانت تابعة للإمبراطورية البريطانية – إلى شبكة «فرانس أفريك» – التي تسيطر فرنسا من خلالها على عدة دول أفريقية – ما جعل حركات كثيرة تقوم ضد هذا الاستعمار الحديث، محاوِلة إزالة هذا الأثر الثقافي الاستعماري، وفي القلب منهم اللغة.

سياسة

منذ 3 سنوات
«الاسبرانتو» لغة مُصطنعة لجمع الناس وتحقيق السلام.. وتعلُّمُها في 3 أشهر فقط!

تقول أميرة أحمد، إحدى محبات اللغات ومتحدثة الإسبرانتو، والتي تسعى لتكوين مجموعة لنشر الإسبرانتو في مصر، والتي أجرينا معها حوارًا: «إن انتشار لغة الإسبرانتو وفلسفتها والمشروعات المشابهة لها، تعمل بكل تأكيد على تقليل هيمنة اللغة الإنجليزية على حياتنا وعلى العالم، فالعالم متعدد ثقافيًّا ولغويًّا، وهذا ما تبدع فيه الإسبرانتو من تسهيل عملية التواصل وعدم الشعور بالدونية من طرف مقابل الآخر، فالكل متساوون في الأفهام». 

اختُرِعَت لغة الإسبرانتو بداية الأمر في عام 1887، بوصفها مشروعًا لغويًّا يحاول التجميع بين الأطراف المتصارعة، وحلحلة الصراع في ذلك الوقت في شرق أوروبا، لكن سرعان ما تخطت اللغة هذه الحدود؛ إذ أصبحت أحد أهم اللغات التي تحاول الانتشار لتكون اللغة الأولى حول العالم، وتحل محل اللغة الإنجليزية.

يقول إنطوان غانم ممثل مشروع إسبرانتو في الشرق الأوسط: «الإسبرانتو لغة عالمية وغير مرتبطة بشعب معين، فهي تسمح لمن يتحدث بها أن يتعرف إلى عالم بلا حدود، حيث يشعر وهو في بلده بأنه في كل البلدان. فمن خلالها يكتشف المرء كل الحضارات وكل الثقافات».

ثقافات متعددة.. لغة واحدة 

ترى أميرة أحمد – خلال حديثها معنا – أن حلم الإسبرانتو قابل للتحقيق، ولكن عبر تكثيف الأنشطة التي تُعرِّف بالإسبرانتو، وبتكوين علاقات مع مجتمع الأعمال والرموز المجتمعية التي يجب أن تؤيد الفكرة وتدعمها لانتشار الإسبرانتو وانتشار فلسفتها، وبطبيعة حركة الإسبرانتو كونها عالمية، سيعزز ذلك من تقليل هيمنة اللغة الإنجليزية، وبالتالي التبعية للغرب والاستعمار الثقافي الذي نعيشه. 

بهذا الصدد؛ أطلعتنا أميرة على حوار أجرته مع ريناتو كورستي – رئيس حركة الإسبرانتو في أوروبا ورئيس منظمة الإسبرانتو العالمية السابق – الذي أدرك قيمة اللغة الاجتماعية والسياسية لتحقيق العدالة في المجال اللغوي والثقافي. 

بدأت قصة ريناتو مع الإسبرانتو عندما أحب اللغات وهو ابن عشرين سنة، وبعد بضع سنوات من تعلم اللغات تعرف إلى الإسبرانتو في الوقت الذي اجتاحت أوروبا انتفاضات الشباب والنضال ضد الإمبريالية، ولأنه رأى في الحركة جانبًا مثاليًّا عن الباقي، بقي «إسبرانتويًّا» طوال حياته؛ إذ غيرت اللغة حياته، فتزوج من «إسبرانتوية»، وبدأ تعليم أطفاله اللغة، ما قاده لتدريس اللغة في جامعة روما. 

يؤمن ريناتو بأن اللغة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتطورات العالم؛ إذ يعتقد البعض أن الإسبرانتو تنتمي للماضي الاشتراكي، لكن عندما نرى أن الناس غير متساويين وما زال القوي يأكل الضعيف، ندرك أن القصة لم تنته بعد، ومن يستطيع أن يعرف كيف سيكون العالم خلال الخمسين سنة القادمة، سيدرك أهمية اللغة وقيمتها، على حد تعبيره.  مضيفًا أنه إن أصبح العالم أكثر عدلًا فسوف تتاح للإسبرانتو الفرص، لأن أفكار الرأسمالية قد نجحت في تدمير ذلك.

ويُعرِّف ريناتو دوره الحالي – لدعم حركة الإسبرانتو العالمية – الذي يدور حول الضغط في أن تصبح الإسبرانتو ظاهرة عالمية وليست مجرد ظاهرة أوروبية؛ فهو يرى أن هناك ثقافات عظيمة في هذا العالم، مثل الثقافة الإسلامية والصينية، وأن هناك ثقافات لا حصر لها في الهند وأفريقيا، وأن من حق كل شخص إثراء الإسبرانتو بثقافته الغنية بالقيم. ويقول: «الأوروبيون والأمريكيون الشماليون يخشون المستقبل، لذا يُترَك الأمريكيون الجنوبيون والأفارقة في أيدي الحكام الذين يتبعون توجيهات أعداء تلك الشعوب، ولم يقدم الصينيون للعالم بعد فكرة الخلاص المشترك». 

يأمل ريناتو أن يكون العالم قادرًا على تخطي حالة عدم اليقين التي يعيشها حاليًا، خاصة مع عودة موجة الفاشية، ويتمنى أن ينجو كما نجا من أكثر القرون دموية في الماضي القريب. 

أصوات عالمية.. تندد بالديكتاتورية 

«نريد أن نبني الجسور التي تجتاز حواجز اللغة والثقافة التي تفصل البشر في سبيل أن نفهم بعضنا بعضًا بصورة شاملة، نريد أن نعمل معًا بفعالية أكبر، ونتصرف في هذا السبيل بقوة» *البيان التأسيسي لمنصة الأصوات العالمية

تأسست منصة «الأصوات العالمية» لتكون منبرًا لأهم الأحداث والموضوعات عن الثقافات والمجتمعات المهمشة وغير المسموع عنها، كذلك تناصر المنصة حرية الإنترنت وسهولة الوصول إليه والخصوصية. تتوفر المنصة بـ52 لغة في 167 دولة، وتضم أكثر من 1400 كاتب ومحلل ومترجم وخبير في الإعلام الإلكتروني حول العالم، معظمهم من المتطوعين. 

تواصلنا مع هيرمان دكيونينك رئيس قسم الإسبرانتو في منصة الأصوات العالمية، وهو بدوره أوصلنا بجيرمان بيرلوت الإسباني البلجيكي مخترع اسم «اليورو» لعملة في الاتحاد الأوروبي، والذي عمل مدرسًا للتاريخ واللغة الفرنسية. 

تعلم جيرمان، الإسبرانتو عام 1970 لأنه كان نشيطًا في الحركة الفيدرالية الأوروبية، فبسبب مشكلات اللغة اعتقد أن اللغة المحايدة ستكون أكثر ديمقراطية، وفكر في اللاتينية التي استخدمت لعدة قرون في أوروبا. وفي يوم من الأيام قرأ شيئًا بالصدفة عن الإسبرانتو فأعجب بها وعرف المزيد عنها، ثم بدأ في تعلمها. 

ساعدته الإسبرانتو في العديد من التغييرات، خاصة علاقاته ليس الأوروبية فقط بل العالمية أيضًا، مع شخصيات من لغات مختلفة بروح مختلفة تمامًا، فهو يرى أن الإسبرانتو توَلِد روحًا معينة، إذ تمنع الإحراج وسوء الفهم، وتشجع على التبادل الودي والحر للأفكار، مثلما يصافح شخصان بعضهما بعضًا، يمد كلاهما يدهما في منتصف المسافة في منطقة محايدة، كبادرة صداقة متبادلة وهذا هو الحال مع الإسبرانتو، لغة المصافحة. 

عاش جيرمان أجواء الاضطهاد في سبعينيات القرن الماضي زمن فرانكو، لذا كان يتعاون مع النشطاء عبر نادي الإسبرانتو المحلي، كما كان يقود دوائر محادثة بين أفراد النادي. لكن جيرمان يعتقد أن حركة الإسبرانتو الحالية غير واقعية إلى حد ما، فالكثيرون يعتقدون أن الإسبرانتو يمكن أن تقضي على المشكلات بين الناس، وأن تقضي على الحروب، وتخلق عالمًا هادئًا. إلا أنه يرى أن الإسبرانتو يجب أن يستخدم، ليس فقط بصفته حركة عالمية، بل لمجموعة متنوعة من الأغراض مثل: التجارة، في الأعمال المهنية، وغيرها، لتصل إلى ما تريد. 

يختتم جيرمان حديثه معنا ويقول: «إن عالم اليوم مليء بالتغيرات، وآمل أن تكون التغيرات أسرع وأكثر عددًا، خاصة بين الشباب الذين لم يعودوا يفكرون مثلما كان الناس يفكرون وقت إنشاء الإسبرانتو في 1887».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد