كانت وما زالت مقاهي «البلاي ستيشن» أحد أكثر الأماكن التي يرتادها الشباب والأطفال، حيث يتجمع الأصدقاء ليتبادلوا المنافسات حول أحد الألعاب الإلكترونية ولتقضية وقت مسلي. إلا أن هذه الألعاب باتت تستقطب نوعًا آخر من الشباب، وهم «الرياضيين الإلكترونيين» الذين يتنافسون في بطولات محلية وإقليمية وعالمية؛ لحصد الجوائز والمكافآت التي تُقدر بملايين الدولارات.

الحقيقة، أن الألعاب الإلكترونية في عالم اليوم أصبحت تمثل «مهنة» لكثير من اللاعبين، فلم تعد الألعاب مجرد وقت تسلية يقضيه الشباب والأطفال لتمضية أوقاتهم وفقط، بل أصبحت أيضًا مصدر دخل مربح لهم، حتى إنها أصبحت مثل الرياضات العالمية التقليدية، تحتاج إلى مدربين ومعسكرات تدريب تعمل على رفع كفاءة الفريق الذي سينافس في تلك البطولات، ويجعلها مؤهلة للفوز على خصومهم. 

الألعاب الإلكترونية.. من الهواية إلى الاحتراف    

تتكون بطولات الرياضات الإلكترونية عادة من هواة أو محترفين يتنافسون بعضهم ضد بعض للحصول على جائزة نقدية، فعلى سبيل المثال، صُممت لعبة «League of Legends» لتضع خمسة لاعبين في مواجهة خمسة لاعبين آخرين في ساحة معركة افتراضية لتدمير قاعدة بعضهم البعض. بينما ألعاب كرة القدم مثل لعبة «FIFA – فيفا» الشهيرة، فإن التنافس فيها يكون واحدًا لواحد. 

وبغض النظر إن كان المشترك فريقًا أم فردًا، فإن المحترفين في الرياضات الإلكترونية عادة ما يكون لهم مدربون ومحللون ومديرون يساعدون في تحقيق أقصى استفادة من اللاعبين، كما يعملون على ابتكار التكتيكات والإستراتيجيات التي تحقق الفوز للفريق.  

Embed from Getty Images

وفي حين يسعى الهواة لكسب البطولات لجني الأموال منها؛ يحظى اللاعبون المحترفون بمرتب ثابت وفقًا لعقد مع الجهة التي يلعبون لصالحها، والذي يختلف مقداره – أي المرتب – طبقًا لمستوى اللاعب واللعبة التي يلعبها. ويحقق كبار اللاعبين المحترفين مئات الآلاف من الدولارات سنويًّا من عملهم رياضيين إلكترونيين، ويحظى البعض منهم بصفقات الرعاية من الشركات الكبرى، كما يسعى البعض لجمع التبرعات أيضًا التي تصبح موردًا للدخل لهم. 

«لول»: أقوى بطولات العالم

مثالًا على ذلك، أُنشئت منظمة «DWG KIA» في كوريا الجنوبية عام 2017، لتصير في 2020 بطل العالم في لعبة «LOL – League of Legends»، بجانب وصولها للقب بطل كوريا عدة مرات.

تأسست «دي دابليو جي» بصفتها منظمة تعمل على تكوين الفرق وتدريبها في العديد من الألعاب؛ إذ كونت المنظمة إلى الآن أربعة فرق لأربع ألعاب مختلفة، تضم هذه الفرق 42 لاعبًا، فيما يتكون فريق «LOL» من ستة لاعبين وثلاثة مدربين. 

كانت «دي دابليو جي» معروفة قبل عام 2021 بـ«DAMWON Gaming»، إلا أنها عقدت شراكة مع شركة السيارات الكورية (كيا) ليصبح اسمها بداية من 2021 (DWG KIA)، وهو ما أعلنه المتحدث باسم المنظمة في ديسمبر (كانون الأول) 2020، لتصبح «كيا» أكبر رعاة المنظمة. ومن الجدير بالذكر أن مجموعة من الشركات العالمية الأخرى أعلنت رعايتها للمنظمة من بينها شركة «أديداس».    

وبصدد الحديث عن الشراكة بينها وبين «دي دابليو جي»، قال هيوجو كوون رئيس قسم الأعمال في «كيا»: «سنساهم في تنشيط الرياضة الإلكترونية على مستوى العالم، نحن نهدف إلى الترويج لعلامة «كيا» التجارية الشابة والديناميكية لعشاق الرياضة الإلكترونية في جميع أنحاء العالم من خلال هذه الشراكة الجديدة».   

أما عن كيفية اللعب في لعبة «LOL»، ففيها يتنافس فريقان من خمسة لاعبين كما ذكرنا، ويحتل كل فريق نصف الخريطة ويدافع عنها. خلال المباراة يصبح الأبطال أكثر قوة من خلال جمع نقاط الخبرة وكسب الذهب لهزيمة الفريق المنافس عن طريق الاندفاع إلى قاعدة العدو وتدمير «Nexus»، وهو هيكل كبير يقع بداخل قاعدة العدو. 

وغالبًا ما يُشار إلى اللعبة على أنها أكبر رياضة إلكترونية في العالم تشهد تنافسًا دوليًّا وعددًا كبيرًا من المشاهدات؛ إذ بلغت عدد مشاهدات بطولة العالم عام 2019 أكثر من 100 مليون مشاهدة، والتي بُثت بأكثر من 16 لغة حول العالم، فيما سجلت اللعبة دخول أكثر من 8 ملايين شخص للعب يوميًّا. كما تضم اللعبة ما يقرب من 800 لاعب محترف يلعبون لأكثر من 100 فريق مختلف حول العالم.

«محمد حرقوص» وبطولة كأس العالم «الإلكترونية»

في 2019 وفي ساحة أخرى من ساحات الرياضات الإلكترونية، توَّجت الفيفا اللاعب الألماني من أصل لبناني محمد حرقوص، بطلًا للعالم في «كرة القدم الإلكترونية»، حيث عُقدت بطولة العالم لكرة القدم الإلكترونية – التي تُقيمها الفيفا – عام 2019 في لندن. 

لم يكن ذلك إنجاز حرقوص الوحيد في هذا العام، فقد فاز ببطولة أخرى في ألمانيا في العام نفسه، والتي كانت قد جذبت 350 ألف زائر، تهافتوا لالتقاط الصور والحديث مع حرقوص.  

حرقوص هو لاعب إلكتروني محترف في نادي «فيردر بريمن» الألماني – سابقًا وفي «فوكس كلان» حاليًا – في قسم الرياضة الإلكترونية؛ إذ تُؤسس العديد من نوادي كرة القدم «أقسام كرة القدم الإلكترونية»، ويكون لها أكاديميات لجعل هذه الرياضة ومرتاديها محترفين كما كرة القدم العادية.  

Embed from Getty Images

ويتلقى اللاعبون الإلكترونيون أجورًا عالية من النوادي التي تعقد معهم عقودًا كما اللاعبين التقليديين، إلا أن اللاعبين يتلقون جوائز من البطولات التي يشاركون فيها أيضًا. على سبيل المثال تلقى حرقوص 250 ألف دولار مقابل تتويجه بكأس بطولة العالم الإلكترونية من بين 32 لاعب كرة قدم إلكترونية، يُعدُّون الأفضل حول العالم.  

وفيما كان حرقوص بطل 2019، جاء السعودي مسعد الدوسري بطلًا للعالم في عام 2018 بعدما تغلب على البلجيكي ستيفانو بينا، في حين خسر الدوسري أمام حرقوص في نهائي عام 2019 ليحصد المركز الثاني. وتجدر الإشارة إلى أن البطولة لم تُعقد هذا العام إلى الآن.

وتأتي الإحصائيات لتؤكد مدى الاهتمام العالمي المتزايد بمتابعة مثل هذه البطولات، ففي الوقت الذي كان محمد حرقوص يلعب مباراته النهائية مع الدوسري في بطولة كأس العالم 2019؛ كان 47 مليون مشاهد عبر الإنترنت يتابعون أحداث المباراة، فيما تابع البطولة ككل 140 مليون شخص حول العالم، حسب ما أعلنته الفيفا.

تخصصات جامعية وفرق عربية!

في تقريرها السنوي حول ألعاب الفيديو، قالت شركة «نيوزو» – المهتمة بأبحاث السوق فيما يخص الرياضات الإلكترونية – إنه من المتوقع أن يحقق سوق الألعاب في 2023 أكثر من 200 مليار دولار. ويتوقع التقرير أن إيرادات هذا العام (2021) ستبلغ 175.8 مليارات دولار، ويُقدر عدد اللاعبين حول العالم بـ2.9 مليارات لاعب. 

من أجل ذلك، وبسبب نمو سوق الألعاب وازدهاره حول العالم؛ بدأت العديد من الجامعات في استحداث تخصصات جديدة مرتبطة بالرياضات الإلكترونية، وأحد أهم هذه التخصصات هو إدارة الرياضة الإلكترونية؛ إذ يتعلم طلاب هذه الجامعات كيفية إقامة البطولات الكبرى التي تتنافس فيها الفرق لحصد الجوائز، وكذلك يتعلمون فيها كيفية تأسيس فريق وتدريبه من أجل الدخول به في البطولات العالمية.

وطبقًا لهذا التخصص، يدرس الطلاب العديد من المقررات المختلفة في علوم مختلفة مثل التسويق والعلاقات العامة والإدارة، والتدريب، وبعض الأمور القانونية والأخلاقية التي تخص الرياضات الإلكترونية.  

وبالانتقال إلى عالمنا العربي، وخصيصًا في الأردن، يحكي المستثمر الهندي لاليت فاز لوكالة «بي بي سي»، كيف أسس فريق «نصر إي سبورتس» عام 2016 والذي أصبح من أفضل فرق العالم العربي في لعبة «League of Legends»؛ إذ إنه نافس على بطولات قيمتها 3 ملايين دولار في عام 2020. 

يتكون الفريق من خمسة لاعبين من بلاد عربية مختلفة ويشرف على الفريق مدربان من كوريا. في حين أنفق لاليت فاز 600 ألف دولار على مدار سنتين ونصف لإقامة هذا المشروع، وبحسبه فإن هذا المجال واعد ومربح إذا استطاعوا التأهل للبطولات العالمية، والتي يعتقد أنها مسألة وقت لتحقيقها عبر فريقه «نصر إي سبورتس». 

فيما يذكر موقع الفريق أن أكثر من 40 لاعبًا محترفًا من 15 دولة عربية قد انضموا إلى الفريق، وقد حازوا جوائز في أكثر من 300 بطولة حول العالم.  

لمشاهدة الفيلم كاملًا: 

بعد تصنيفها إدمانًا ومرضًا! «الصحة العالمية» تشجع الألعاب الإلكترونية!

يثير هذا الملف قضية آثار هذه الألعاب على الأطفال والشباب، والذين قد يعانون من الكثير من الأمراض بسبب المكوث طويلًا أمام هذه الألعاب الإلكترونية. في هذا السياق صنَّفت منظمة الصحة العالمية في عام 2019 «إدمان الألعاب الإلكترونية» بأنه اضطراب عقلي، وحذرت الناس منه.

لكن في 2020 وبعد انتشار وباء كورونا الذي فرض العزلة على الملايين حول العالم، تزايد الطلب على الألعاب الإلكترونية، وهو ما شجعته المنظمة؛ إذ ناشدت الناس بالبقاء في المنزل وممارسة الألعاب الإلكترونية بدلًا من الخروج لتمضية الوقت في الخارج، وهو ما أثار جدلًا واسعًا. 

الأكثر من ذلك، أن شركات الألعاب الإلكترونية تعاونت مع منظمة الصحة العالمية وأطلقت مبادرة بعنوان (#PlayApartTogether) تحث فيها المستخدمين على التباعد الاجتماعي، وارتداء الكمامة، واتباع كل الخطوات الوقائية التي تعلنها منظمة الصحة العالمية.

ومن جانبه، شكر سفير منظمة الصحة العالمية للإستراتيجيات العالمية، ريموند تشامبرز، شركات صناعة الألعاب الإلكترونية على دورها، وحثها بالاستمرار في دفع الناس للعادات الصحية الوقائية. 

ويعكس هذا الأمر كيف تبدلت الألعاب الإلكترونية من إدمان واضطراب عقلي، طبقًا لمنظمة الصحة العالمية، إلى شيء جيد يجب أن نمارسه! إلا أن الكثير من البيوت العربية تمنعها، حيث الآباء والأمهات يخشون على أولادهم مخاطر ممارسة تلك الألعاب لفترات طويلة، وكونها عملًا لا يقوم على رسالة ولا يعد فنًّا مفيدًا للبشرية، حتى وإن جنى صاحبه مبالغ طائلة منه.  

ويبقى الجدال، إلا أن الحقيقة التي تفرض نفسها على أرض الواقع، هي أن الرياضة والألعاب الإلكترونية، باتت أحد أكبر الأسواق العالمية التي تنمو أكثر فأكثر، وتجعل من نفسها موردًا أساسيًّا وثقافة عالمية لكل البشر ومن بينهم نحن العرب.

يقول كارلوس رودريجيز، مؤسس منظمة «G2 Esports» المهتمة بالرياضات الإلكترونية: «الجميع يعرف كرة القدم، البعض يلعبها، والبعض لا يلعبها، والبعض الآخر لا يشاهدها أصلًا. لكن بالتأكيد، الجميع يعرف أنها موجودة. سنصل إلى هذه النقطة مع الرياضات الإلكترونية في وقت ما».

علوم

منذ سنتين
الحرب على «الجيمرز».. لماذا تنظر بعض المجتمعات سلبيًّا للألعاب الإلكترونية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد