قضية تسريب عقارات القدس

كان بيتًا بحلة جميلة يطل على قبة الصخرة والمسجد الأقصى في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، حين يمر عليه قاصدو الحرم القدسي يغبطون مالكه؛ فهو جار الأقصى، لكن هذا البيت الذي يملكه آل جودة (الحسيني) المقدسيون، دخل حلبة صراع كبير بين المقدسيين وإسرائيل التي تعمل منذ أكثر من 50 عامًا على تسريب عقارات القدس لمستوطنيها.

فمنذ أكتوبر (تشرين الأول) 2018 أصبح العقار الذي يعرف باسم «عقار السعدية» واحدًا من أخطر قضايا تسريب العقارات المقدسية للإسرائيليين؛ إذ تورطت فيها أسماء عدة، منها المشتري الأول فادي السلامين، (وهو ذراع إماراتي يتبع القيادي المفصول من «حركة فتح» محمد دحلان)، والمشتري الثاني خالد العطاري، والبائع أديب جودة؛ ليتضح في النهاية أن عقار آل جودة الموجود في حارة السعدية بالبلدة القديمة قد استولى عليه المستوطنون، وبأيديهم أوراق ملكية صحيحة.

القدس القديمة الحبيبة اليتيمةالان من حارة السعدية عقبة درويش رقم ١٥ موقع البيت الذي تم تسريبه الله يفضح عرض كل واحد الو يد بتسريبالعقار وما خفيه كان اعظمحسبنا الله ونعم الوكيل على كل سمسار وخربان وجاسوس وسحيج ومسؤول فاسد كلب ابن كلب

Geplaatst door ‎القدس بوابة السماء‎ op Woensdag 3 oktober 2018

عصام عقل.. سمسار تسريب عقارات القدس للمستوطنين!

بعد بضعة أيام، وعلى بعد 30 مترًا فقط من عقار آل جودة آنف الذكر، نُكب المقدسيون بخبر جديد يفيد ببيع عقار آخر يطل على المسجد الأقصى؛ إذ بيع هذا العقار المملوك في الأصل للمقدسية مروة العلمي وابنها كمال، والذي يقدر ثمنه بنحو 9 مليون دولار، إلى فلسطيني يدعى أمجد وليد جابر، لكن هذا الأخير تنازل عنه بسرعة للمستوطنين.

Embed from Getty Images

فتية من القدس يضعون علم إسرائيل أمام منزل استولي عليه المستوطنون يعود لعائلة شماسنة

وسرعان ما أخرجت غضبة المقدسيين من تسريب أملاكهم للمستوطنين اسم سمسار عمل حلقة وصل بين البائع والمشترى، كان الاسم يعود إلى فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية والهوية الإسرائيلية الزرقاء، وبسرعة البرق ردد سكان القدس اسم عصام جلال عقل باعتباره شخصًا يجب الانتقام منه لردع عمليات تسريب العقارات.

فقد اشتري عقل حصص العقار الذي يقع في عقبة درويش في البلدة القديمة من القدس، من كل من عائلتي الحلبي التي تمتلك 40% من العقار، وعائلة العلمي التي تملك 60% من العقار، ثم باع العقار كاملًا إلى جمعية «عطيرت كوهنيم» الاستيطانية، بمبلغ يقدر بنصف مليون دولار، بالرغم من أن القانون الفلسطيني يعتبر محاولة بيع، أو بيع، أرض لليهود الإسرائيليين جريمة، يتراوح عقابها من الأشغال الشاقة إلى الإعدام، شريطة أن يوافق رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على أي حكم بالإعدام.

وقد أثار إذن الشراء الذي أعطي لعقل القاطن في حي بيت حنينا بالقدس، والمذيل بتوقيع الوزير عدنان الحسيني بصفته محافظًا سابقًا للقدس الكثير من الضجة، إلا أن وزارة شؤون القدس سرعان ما أكدت على أنها منحت عقل إذن شراء لحصص إرثية «مشروطًا بألا يتم التصرف بالعقار مستقبلًا، سواء بالبيع، أو الشراء، أو الرهن إلا بعد العودة إلى محافظة القدس، ووقع تعهدًا خطيًا بيده ملتزمًا بوقف العقار»، وذلك حسب بيان الوزارة الذي اعتبر أن «إذن الشراء الذي أعطي للمدعو عصام عقل، والمذيل لتوقيع الوزير عدنان الحسيني، بصفته محافظا سابقًا للقدس، يعتبر لاغيًا بسبب الإخلال بشروط إذن الشراء».

عصام عقل، وكالة وطن للأنباء

وبعد شيوع الخبر تحركت السلطة الفلسطينية نحو الحجز على أملاك وحسابات بنكية في بنوك فلسطينية تعود لعقل وعائلة العلمي المشتبه بتورطها مع عقل بعملية البيع، إلا أن تواصل الاحتجاجات الشعبية أحرج السلطة ودفعها إلى اعتقال عقل في اليوم العاشر من أكتوبر 2018. وسرعان ما أقيمت محاكمة عاجلة لعقل، الذي اعترف ببيع ممتلكات في البلدة القديمة لمجموعة من المستوطنين.

وفي 31 ديسمبر (كانون الأول) 2018، حكمت محكمة الجنايات الكبرى في رام الله بالأشغال الشاقة المؤبدة على عقل لثبوت إدانته بجريمة تسريب العقار. مستندة على أحكام (المادة 274/2) من قانون الإجراءات الجزائية النافذ، بتهمة: «محاولة اقتطاع جزء من الأراضي الفلسطينية وضمها لدولة أجنبية من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960، وأنه «عطفًا على قرار الإدانة وعملًا بأحكام المادة رقم 2 من القرار بقانون رقم 20 لسنة 2014 أصدرت المحكمة الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة».

أطفال في القدس يغنّون بالعِبري.. هل نجحت حرب إسرائيل على التعليم الفلسطيني؟

إسرائيل تحاول انقاذ «سمسار العقارات» الأمريكي!

على أرض الواقع تعمل إسرائيل على منع السلطة الفلسطينية من التصدى لعمليات بيع الممتلكات في القدس لليهود، ولذلك لم تتردد في خوض معركة حامية الوطيس لإنقاذ عقل من العقاب الفلسطيني الرسمي، تارة تحت ذريعة أنها ترفض إجراءات قضائية من قبل السلطة، ضد سكان القدس الذين يحملون بطاقات هوية إسرائيلية، وأخرى لمنع تردد الكثيرين عن بيع عقاراتهم وممتلكاتهم لليهود.

ولذلك قامت إسرائيل بسلسلة اعتقالات واسعة شملت اعتقال أكثر 32 من عنصر من أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في القدس، بيد أن الخطوات الأكثر وضوحًا في الانتقام الإسرائيلي لاعتقال عقل، بدأت حين اقتحمت قوات كبيرة من حرس الحدود وشرطة الاحتلال في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، منزل محافظ القدس عدنان غيث، الكائن في حي سلوان في القدس، واعتقلت غيث على اعتبار أنه واحد من مجموع فلسطينيين يقفون وراء اعتقال عقل، فوفقًا لمذكرة الاعتقال الإسرائيلية، فإن غيث «متورط في احتجاز المواطنين الإسرائيليين من قبل السلطة الفلسطينية؛ الأمر الذي يعرض إسرائيل وأمن مواطنيها للخطر».

ولم تكتفِ إسرائيل بمنع وزير شؤون القدس السابق في السلطة الفلسطينية عدنان الحسيني من السفر والتنقل على اعتبار أنه «شارك في اضطهاد العرب لبيع الأراضي لليهود في القدس الشرقية»، بل حظرت على حاكم القدس الإسرائيلي، إجراء اتصالات مباشرة أو غير مباشرة مع العديد من مسؤولي السلطة الفلسطينية، بما في ذلك رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية ماجد فرج، أبرز رؤساء التنسيق الأمني ​​الفلسطيني مع إسرائيل. وسحبت أيضًا بطاقة الشخصيات الهامة (في أي بي) من النائب العام الفلسطيني أحمد البراك، لتوقيعه أمر اعتقال عقل، وهي بطاقة يمنحها جيش الاحتلال لتسهيل تنقل المسؤولين رفيعي المستوى في السلطة.

ومضت إسرائيل ولسان حالها القول «إما أن تسلمونا إياه أو نخرب الأمور في رام الله»، نحو اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لضمان إطلاق عقل، مثل التهديد باقتحام مقر احتجازه واخلاء سبيله بالقوة، حيث يُحتجز في مقر المخابرات الفلسطينية في رام الله وليس في سجون الشرطة الفلسطينية التي يتم احتجاز المدانين بالجرائم فيها. كما تم مناقشة قضية اعتقاله في لجنة الشؤون الداخلية بالكنيست، لدرجة قيام أعضاء الكنيست المثار حفيظتهم نحو ما أسموه «اختطاف مواطن إسرائيلي»، بالسؤال عما إذا كانت إسرائيل ستظهر نفس ضبط النفس إذا اختُطف يهودي من تل أبيب، بدلًا عن عربي من القدس الشرقية؟

Embed from Getty Images

مقدسي يظهر صورة في منزله المعرض لتهديد بالإجلاء من قبل السلطات الإسرائيلية والمستوطنين في القدس

الغريب في الأمر الاستماتة الإسرائيلية في الدفاع عن عقل، وصلت إلى حد تدخل الحاخامات اليهود الذين لا يرون في الفلسطينيين إلا عدو يجب التخلص منهم، فقد أفتى حاخام القدس، أريه ستيرن بوجوب العمل على تحرير عقل، معتبرًا أن «تحريره يوازي العمل على تحرير اليهودي الذي يقع في أسر غير اليهود». وأضاف ستيرن الذي وافق قبل بعض شهور على نحو غير مسبوق بدفن أحد مسربي العقارات بمقبرة يهودية بعد أن رفض الفلسطينيين دفنه في المقابر الإسلامية، أنه «يجب بذل جهود كثيرة من أجل تحرير الذي تم خطفه لكونه مشتبهًا به ببيع عقارات لليهود، والعمل على الإفراج عنه، لتشجيع آخرين على أن لا يخضعوا للردع، وبأن لا يمتنعوا عن بيع الأراضي لليهود».

فيما أدى أعضاء كنيست متطرفون دورهم في شن تحريضًا ضد السلطة الفلسطينية، بذريعة أن نشاطها في القدس قد أدى لتآكل «السيادة الإسرائيلية» على المدينة، والتي تجعل الكثيرين يترددون عن بيع عقاراتهم وممتلكاتهم بسبب الحملات الأمنية التي تقوم بها أجهزتهم، فحسب منظمة «لك القدس» اليهودية فإن: «أنشطة السلطة الفلسطينية في القدس يجب أن تتوقف، ويجب على إسرائيل خوض حرب ضد نشاط السلطة بشكل عام ونشاط عدنان غيث بشكل خاص، خاصة وأنه المسؤول الرئيس عن اعتقال عصام عقل».

عقل.. التسليم للأمريكان ثم الإسرائيليين

بالتزامن مع الجهود الإسرائيلية، نشطت جهودًا أخرى للولايات المتحدة، بهدف الضغط بشدة على السلطة الفلسطينية لإخلاء سبيل عقل. ففي نوفمبر 2018، طالب السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، رام الله، بإطلاق سراح عقل، فقال: «السلطة الفلسطينية تحتجز المواطن الأمريكي عصام عقل في السجن منذ شهرين. ما هي التهمة التي يشتبه في أنه ارتكبها؟ إنها بيع أرض ليهودي».

ولم يتوقف الأمر عند هذه التغريدة، إذ زار عدد من ممثلي الولايات المتحدة عقل في سجنه برام الله، وواصل هؤلاء لقاءهم مع مسؤولين أمنيين في السلطة من أجل الوصول إلى اتفاق يتم بموجبه تسليم عقل للولايات المتحدة، بيد أن السلطة الفلسطينية التي أخفت تحت وطأة الضغط الشعبي الفلسطيني تحمسها لإخراج عقل من يديها وانهاء قصته التي أصبحت عبأ عليها، انصاعت للرغبات الإسرائيلية والأمريكية، وسلمت عقل في يناير  2019 لواشنطن.

وقبل أن يفيق الفلسطينيين من صدمة تسليم عقل للولايات المتحدة، نزل خبر عودة عقل في 27 فبراير (شباط) 2019 إلى مكان سري في إسرائيل كالصاعقة، ليتحقق ما قيل عن «التسليم للأمريكان ثم الإسرائيليين».

ويذهب حكم المؤبد الصادر ضد عقل من المحاكم الفلسطينية أدراج الرياح ويبقى مجرد حبر على ورق، دون أي اعتبار لفتاوي فلسطينية صدرت وتحرم بيع الممتلكات الفلسطينية في القدس لليهود. ومنها ما أصدره مفتي القدس والديار الفلسطينية عكرمة صبري في 1996، والقاضية بـ«تحريم بيع الأراضي والعقارات للأعداء أو السماسرة»، وما سبقها من فتوى أصدرها علماء فلسطين عام 1935 تمنع تسريب الأراضي أو العقارات وخطورة التعامل مع السماسرة، واعتبرت أن «الذي يبيع أو يسمسر يعتبر خارجًا عن جماعة المسلمين ومارقًا عن الدين، فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإن صام وصلى وادّعى أنه مسلم، وإن دمه يكون هدرًا».

يذكر أن عدد البيوت التي تم تسريبها منذ عام 1967 حتى الآن هو 70 بيتًا فقط، لكن غالبية هذه المنازل سربت في السنوات الأخيرة؛ بسبب ضعف السيطرة الفلسطينية على القدس الشرقية بعد وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وزيادة وتيرة التحركات الإسرائيلية لشراء هذه العقارات.

ما لا تعرفه عن كراهية إسرائيل للمسيحية!

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد