تابع الإعلام المصري، ومواقع التواصل الاجتماعي عن كثب، خلال الأسبوع الماضي، ما أعلن عنه عالم الفضاء المصري «عصام حجي»، والمستشار العلمي السابق برئاسة الجمهورية، حول أن مجموعة قوى تنتمي لثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، ولحركة التغيير الشبابية، انبثقت من تلك الثورة، تجتمع حاليًا لتعد مشروعًا للترشح كفريق رئاسي في عام 2018؛ من أجل تحقيق أحلام التغيير، كاستكمال لطريق ثورة 2011 في محاولة تحقيق أهدفها.

ومنذ أن أعلن مبادرته، واجه عصام حجي ملايين التعليقات المصرية، بعضها وصفه بالعميل الذي ينفذ مصالح غربية تضر بمصر، وبعضها سخر من الدعوة باعتبارها تستبطن أن انتخابات الرئاسة في عام 2018 ستكون نزيهة، ويمكن للمدنيين أن ينافسوا فيها العسكريين بضمانات الشفافية والنزاهة، وبعضها رفض السخرية من الدعوة، وأكد أنها دعوة وطنية جادة، وخطوة جيدة على الطريق الصحيح، لا يسخر منها سوى من يفضلون اليأس على العمل الجاد من أجل تغيير الأوضاع، على حد قولهم، مستدلين على ذلك بانخفاض شعبية الرئيس «عبد الفتاح السيسي» في الفترة الأخيرة، وبالتالي فهذا هو الوقت المناسب من وجهة نظرهم؛ لبدء العمل والكفاح من جديد؛ لتحقيق أهداف ثورة 25 يناير (كانون الثاني).

 

عصام حجي أحد الفارين من سفينة نظام يوليو (تموز) 2013

عصام حجي هو عالم فضائي مصري، يعمل بوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، ويحظى بين عدد من أبناء النخبة المصرية بتقدير، باعتباره واحدًا من كبار العلماء المصريين في الخارج، شأنه بالنسبة لهم كشأن «أحمد زويل» و«مجدي يعقوب».

لذلك حرص نظام ما بعد الثالث من يوليو (تموز) 2013 في مصر، على أن يكون عصام حجي واحدًا من وجوهه، ليعطيه مصداقية، ويؤكد للغرب وللنخب المحلية، على أن النظام الجديد يرعى العلم والمعرفة ويقدرهما، ويقدر أيضًا العلماء المصريين، ويحاول الاستفادة منهم.

وفي أعقاب عزل الرئيس الأسبق «محمد مُرسي»، قَبِلَ حجي مُتحمسًا أن ينضم لسفينة نظام ما بعد الثالث من يوليو (تموز)، حيث تم تعيينه مستشارًا علميًا للرئيس المؤقت «عدلي منصور».

لكن كان حجي واحدًا من أسرع الفارين من سفينة النظام الجديد، إذ وجد ما جعله يشعر بأن النظام الجديد لا يقدر العلم كما كان يصور له. جاء ذلك في أعقاب إعلان الدولة عن اختراع جهاز يستطيع علاج «فيروس سي»، بحضور رئيس الجمهورية مصر العربية آنذاك، ووزير دفاعها، وقد عُرف هذا الجهاز فيما بعد باسم »جهاز الكفتة«، على المستويين الإعلامي والشعبي، وهو الجهاز الذي ثبت ـ بعد ذلك ـ صحة آراء المكذبين له، ولما نسجته الدولة عنه من مزاعم.

اللواء عبد العاطي، صاحب اختراع “جهاز الكفتة” (مصدر الصورة: صحيفة المصريون)

 

هاجم حجي آنذاك »جهاز الكفتة« بشدة؛ إذ رأى في النظام الجديد نظامًا لا يمانع في استخدام الأوهام لتثبيت دعائم سلطته، واستقال من منصب مستشار رئيس الجمهورية بعد مرور ثلاثة أشهر فقط على تعيينه، ومنذ ذلك الحين ابتعد حجي عن المشهد السياسي؛ ليظهر أخيرًا معلنًا عن مبادرته هذه، التي أثارت كل هذا الجدل.

 

من الذي يدعم حجي في ظهوره الجديد؟

بالنسبة لعضو البرلمان السابق والناشط السياسي، «مصطفى النجار»، فقد أثنى في الجملة على مبادرة حجي، وقال
»لعل أهم ما قاله حجي هو السعي لبناء الرؤية والتصورات التي تقدم حلولًا لإنقاذ مصر، وهذا جهد مطلوب بشدة يجب شكر من يتصدى للقيام به ومساعدته، أما الحديث عن مسار انتخابي، ولو بعد حين فيحتاج لكثير من التمهل، حتى لا نكرر أخطاء الماضي، وندور في الحلقة المفرغة«.

وبدوره عقّب أستاذ العلوم السياسية المصري، «حسن نافعة» على المبادرة قائلًا
»إعداد البلاد لتحول ديمقراطي، لابد منه، من خلال تجمع مدني قوي حريص على مستقبل مصر، ويتلاقى في عدة أمور. الأمر يستوجب عدم الالتفاف حول شخص، لكن حول فكرة، وأن يتجاوز أطراف العمل، الطموح الشخصي، وينتقلوا لعملية نقد ذاتي كل طرف يراجع مواقفه، ويحاول تفسير أسباب ما وصلنا له الآن من خسائر، وأن يتحمل الجميع المسؤولية«.

وأضاف نافعة» لا توجد قوة تستطيع أن تقف أمام الشعب بشرط إقناعه بالبديل، فالقضية ليست في المباردة، ولكن في كيفية إقناع الناس بهذا الطرح، وذلك يمكن أن يتحقق بشرط إنكار الناس لذواتهم والعمل في فريق«.

على الجانب الآخر فإن قوة مهمة من قوى ما يسمى بحركة التغيير الشبابية في مصر، التي تنتمي لثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهي «حركة 6 أبريل» (الجبهة الديمقراطية)، قال المتحدث الرسمي باسمها، «شريف الروبي»، إنه يرفض موجة السخرية التي تعرضت لها مبادرة حجي، مُؤكدًا أنه »في حال خروج حجي بمبادرة متكاملة قوية لها القدرة على التنافس ببرامج سياسية واجتماعية واقتصادية، ستقف خلفه كل القوى السياسية والحزبية لدعمه«.

وبعيدًا عن هؤلاء الذين رفضوا الهجوم على مبادرة حجي بشكل مسبق، واستبطن حديثهم تأييدًا مبدئيًا لفكرة تحريك المياه الراكدة، وبعيدًا أيضًا عن هؤلاء الذين رأوا في مبادرة حجي أنها لا تخدم في الأخير سوى النظام المصري القائم؛ لأنها تُظهر المجال السياسي في مصر بوصفه مجالًا تنافسيًا، وهو ما قد يستخدمه النظام لتحسين صورته في الخارج. يوجد ما هو أهم، فالواقع يعطي احتمالات بوجود محاور قوية داعمة لظهور حجي بعد كل هذا الغياب، ربما يعتمد عليها الرجل في الفترة القادمة، وربما هي أيضًا تعتمد عليه، وترى فيه ورقة رابحة في الفترة القادمة.

 

المحاور الداعمة المحتملة لحجي في الفترة القادمة

حين ظهر عصام حجي بعد غيبته الطويلة معلنًا مبادرته، التي أكد أنها حتى الآن لم تستقر على أسماء المرشحين، وأنه يركز في هذا الوقت على كتابة الأفكار والحلول الجذرية لخمس قضايا رئيسة تشكل أساس المشكلة المصرية من وجهة نظره، وهي: التعليم، والصحة، والاقتصاد، والمساواة، والمرأة. وأنه بعد تلك المرحلة ستأتي مرحلة تحديد أسماء الفريق الرئاسي، كان هذا الظهور بعد الغيبة على قناة «التليفزيون العربي».

علمًا بأن هذه القناة يشرف عليها المفكر والسياسي الفلسطيني الشهير «عزمي بشارة»، المقرب من الديوان الأميري القطري، بل إن التعديد من التقارير، تُؤكد أن بشارة هو المسؤول الأول عن ملف القوة الناعمة في قطر.

على جانب آخر، فإن صحافيين مصريين ينتمون لوسائل إعلامية تابعة لشركة »فضاءات ميديا«، التابعة للمفكر الفلسطيني، قد أبدوا تعاملًا جادًا وإيجابيًا مع مبادرة حجي، علمًا بأن هؤلاء الصحافيين ذوو أصوات مسموعة بين حركات التغيير الشبابية المنتمية لثورة 2011 في مصر.

ربما يوحي ذلك، بأن حجي ومبادرته يمكن ألا يكونا فقاعة ستمر بسهولة كما يرى البعض، وإنما من الممكن أن يمثل حجي واجهة لدعائم عميقة، قد تجعل منه وجهًا مألوفًا في الحياة السياسة المصرية في الفترة القادمة، وربما يصبح حجي فرس الرهان لدى عديد القوى المحلية والإقليمية في السنوات القادمة، لو صحت الرابطة بينه وبين مؤسسات إعلامية كبيرة تدعمه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد