بلغ الإحباط داخل إسرائيل حدًّا غير مسبوق فيما يتعلق بملف الطاقة. بينما تلوح في الأفق نُذُر حروب كبرى حول الغاز وما ستجلبه معها من خراب.

كيف صار الغاز الطبيعي في قطاع غزة محور الصراع العالمي حول الطاقة؟

صدق أو لا تصدق! هناك خيط واحد يربط جميع الحروب والثورات والنزاعات الدائرة في الشرق الأوسط، هذا الخيط يمثّل مصدر تهديد كذلك: فمن ناحية تشكّل هذه النزاعات جزءًا من السباق المحموم للبحث عن الوقود الأحفوري واستخراجه وتسويقه، وأيضًا بات من المؤكد أن يؤدي استهلاكه إلى نشوب العديد من الأزمات البيئية الكارثية في المستقبل.

من بين النزاعات الكثيرة التي نشبت في المنطقة بسبب الوقود الأحفوري، هناك نزاع واحد تحديدًا يموج بالعديد من المخاطر، الصغرى منها والكبرى، تجاهله الجميع بينما تُعد إسرائيل أحد محاوره. وترجع جذور هذا النزاع إلى بداية حقبة التسعينيات عندما بدأ القادة الفلسطينيون والإسرائيليون في التشاحن حول شائعات وجود حقول غاز طبيعي قرب سواحل غزة في البحر المتوسط. ثم اشتد النزاع في السنوات اللاحقة وانفتحت له العديد من الجبهات، وانضمت إليه جيوش عدّة وثلاث قطع بحرية. وتسبب النزاع على مدار السنين في مأساة لا تُحتمل لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، كما صار يهدد في الوقت ذاته بزيادة معاناة المواطنين في سوريا ولبنان وقبرص. بل وقد يُلقي بالإسرائيليين أيضًا في دائرة المعاناة كذلك في النهاية.

إن نشوب حروب على الموارد الطبيعية ليس بالأمر الجديد بالطبع. فالجهود التي بُذلت للبحث عن الموارد الطبيعية اللازمة لبناء الإمبراطورية الاستعمارية الاقتصادية والحفاظ عليها ثم تسويق هذه الموارد كانت هي المحرك الرئيسي وراء التاريخ الاستعماري الغربي بالكامل، وكذلك سياسة العولمة التي تلت الحرب العالمية الثانية. ويندرج تحت ذلك أيضًا التوسّع الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية والاستيلاء عليها. ولكن لم يظهر الوقود الأحفوري على مسرح النزاع الفلسطيني الإسرائيلي إلا في حقبة التسعينيات، وقد تسبب ذلك في رسم خطوط جديدة للصراع امتدت لتشمل سوريا ولبنان وقبرص وتركيا وروسيا بعد عام 2010.

التاريخ المسموم للغاز الطبيعي في قطاع غزة

أبرمت السلطة الفلسطينية وإسرائيل اتفاقًا في عام 1993، كان من المفترض أن يُفضي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة والضفة الغربية، وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، ولم يفكر أحد حينها في ساحل غزة. لذا وافقت إسرائيل على أن تكون للسلطة الفلسطينية حديثة التأسيس حينها السيطرة الكاملة على مياهها الإقليمية، على الرغم من أن القوات البحرية الإسرائيلية كانت ما تزال تقوم بدوريات في المنطقة. فلا عجب أن استغرقت السلطة الفلسطينية بعض الوقت حتى أوكلت مهمة التنقيب لشركة الغاز البريطانية بي جي (BG) – إحدى اللاعبين الرئيسيين في مجال التنقيب عن الغاز الطبيعي في العالم– لتكتشف بعد ذلك الغاز الموجود هناك. حيث لم يوقع الطرفان عقدًا لتطوير الحقول المؤكد اكتشافها إلا في عام 2000.

وعدت شركة بي جي بتمويل عمليات التطوير وإدارتها، وتحمّل جميع التكاليف، وتشغيل المنشآت المُزمع إقامتها جراء تنفيذ المشروع مقابل 90% من الإيرادات، اتفاقية استغلالية بالطبع لكنها من اتفاقيات “مشاركة الأرباح” المعتادة في هذا المجال. كما وافقت مصر على أن تكون المحور البري ومحطة النقل للغاز، استنادًا إلى صناعة الغاز الطبيعي الناجحة لديها. وكان من المنتظر أن يحصل الفلسطينيون على 10% من العائدات (تُقدر بحوالي مليار دولار إجمالًا) بالإضافة إلى الحصول على كمية من الغاز تكفي احتياجاتهم.

ربما كان هذا العقد سيُوضع محل تنفيذ على النحو الذي صِيغ به لو قُدّر للأمور أن تمضي بوتيرة أسرع. ولكن، نتيجة لاقتصادها المتنامي بسرعة، ومواردها الشحيحة من الوقود الأحفوري، وعلاقاتها السيئة بدول الجوار الغنية بالنفط، وجدت إسرائيل نفسها تعاني من نقص مُزمن في الطاقة في عام 2000. وبدلًا من يحاول رئيس الوزراء – في ذلك الحين- إيهود باراك حل المشكلة ببذل جهود نشيطة ومدروسة لتنمية موارد بلاده من الطاقة المتجددة، بدأ الرجل عهد النزاعات على الوقود الأحفوري في البحر المتوسط. حيث بسط سيطرة القوات البحرية الإسرائيلية على مياه ساحل بحر غزة، ليعيق بذلك تنفيذ الاتفاق الذي أبرمه الفلسطينيون مع شركة بي جي. ثم طالب أن يمر الغاز الفلسطيني عبر إسرائيل، وليس مصر، كما طلب أن تتحكم إسرائيل في جميع العائدات المخصصة للفلسطينيين، بحجة منع استخدامها في “تمويل الإرهاب”.

بذلك يكون قد حُكم على اتفاقية أوسلو رسميًّا بالفشل. فبرفض الحكومة الإسرائيلية سيطرة الفلسطينيين على عائدات الغاز، تُعلن بذلك عن معارضتها حتى لأبسط أشكال الاستقلال الفلسطيني في تشكيل الموازنة، ناهيك عن الاستقلال الذاتي الكامل. ومع عدم إمكانية قبول أي حكومة أو منظمة فلسطينية لهذا الوضع، يكون المستقبل المليء بالنزاعات المسلحة قد صار محتومًا.

أدى الفيتو الإسرائيلي إلى تدخل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والذي سعى للتوسط بين السلطة الفلسطينية، والحكومة الإسرائيلية لإبرام اتفاقية ترضي الطرفين. وتمخّض عن ذلك مقترح عام 2007، والذي اقتضى بموجبه إرسال الغاز إلى إسرائيل، وليس مصر، بسعر أقل من سعر السوق، على أن تُقتطع من العائدات نفس نسبة 10% لتذهب في النهاية إلى السلطة الفلسطينية. ومع ذلك، كان يجب تسليم هذه الأموال إلى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لحين توزيعها مستقبلًا، هذا الإجراء الذي كان يستهدف ضمان عدم استخدامها في تنفيذ هجمات ضد إسرائيل.

لم تكن هذه الترتيبات مُرضية للإسرائيليين الذين اعتبروا أن انتصار حركة حماس في انتخابات غزة أمرٌ ناقضٌ للاتفاق. فعلى الرغم من أن حماس وافقت على السماح للبنك الاحتياطي الفيدرالي بالإشراف على أوجه إنفاق الأموال، إلا أن الحكومة الإسرائيلية، التي كان يترأسها في ذلك الحين إيهود أولمرت، أصرت على “عدم دفع أي مبالغ مالية للفلسطينيين”. وبدلًا من ذلك، اقترح الإسرائيليون دفع هذه الأموال “في صورة سلع وخدمات”.

رفضت السلطة الفلسطينية هذا العرض. وبعدها بقليل، فرض أولمرت حصارًا قاسيًا على قطاع غزة، اعتبره وزير الدفاع الإسرائيلي في هذا الوقت أحد أشكال “الحرب الاقتصادية التي من شأنها أن تخلق أزمة سياسية، تؤدي في النهاية إلى اندلاع انتفاضة شعبية ضد حماس”. ثم سيطرت إسرائيل بعد ذلك، بمساعدة مصر، على جميع أشكال التجارة من وإلى غزة، لتخفض من واردات الغذاء إليها بصورة كبيرة وتقضي على ثروتها السمكية. وقد لخّص دوف ويزجلاس مستشار أولمرت هذه الإجراءات قائلًا أن الحكومة الإسرائيلية فرضت على الفلسطينيين “نظامًا غذائيًّا” (وصفته منظمة الصليب الأحمر بأنه يتسبب في “سوء تغذية مزمن” بسرعة، وخاصة بين أطفال غزة).

بينما ظل الفلسطينيون على رفضهم للشروط الإسرائيلية، قررت حكومة أولمرت أن تستخرج الغاز بصورة أحادية الجانب، مُعتقدة أن هكذا إجراء يمكن تنفيذه بمجرد طرد حماس أو نزع سلاحها. حيث صرح رئيس أركان جيش الدفاع الأسبق ووزير الخارجية في ذلك الحين موشي يعلون قائلًا: “أثبتت حماس قدرتها على قصف منشآت الغاز والكهرباء الإسرائيلية الهامة… ومن الواضح أنه بدون شنّ عملية عسكرية شاملة لاستئصال حماس من غزة، لن يكون بالإمكان تنفيذ أي أعمال حفر دون موافقة الحركة الإسلامية المتطرفة”.

من هذا المنطلق شُنت عملية الرصاص المصبوب في شتاء عام 2008. وكان الهدف منها، بحسب نائب وزير الدفاع ماتان فيلناي، هو تنفيذ “هولوكوست” في غزة. في حين قال القائد العام للعمليات يواف جالانت أن العمليات كانت تستهدف “إعادة غزة إلى العصور الوسطى”. بينما أوضح عضو البرلمان الإسرائيلي تزاتشي هانيجبي الهدف العسكري المحدد للحرب بأنها “تستهدف إسقاط نظام حماس الإرهابي، والسيطرة على جميع المواقع التي تنطلق منها الصواريخ باتجاه إسرائيل”.

نجحت عملية الرصاص المصبوب في “إعادة غزة عشرات السنين إلى الوراء”. فقد أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا يفيد بأن الهجوم الذي استمر 22 يومًا قد أسفر عن استشهاد 1400 فلسطيني، “منهم ما يقرب من 300 طفل إلى جانب المئات من المدنيين الآخرين المسالمين، فضلًا عن تدمير مساحات كبيرة من قطاع غزة عن بكرة أبيها، كما خلّفت الحرب آلافًا من المشردين ودمرت الاقتصاد المتأزم بالأساس”. ومع ذلك، ظلت هناك مشكلة وحيدة: فقد فشلت عملية الرصاص المصبوب في تحقيق هدفها المتمثل في “وضع السيطرة على حقول الغاز في قبضة إسرائيل”.

المزيد من الموارد الطبيعية من الغاز يعني المزيد من الحروب

انتقل ملف أزمة حقول الغاز في غزة في عام 2009 إلى حكومة بنيامين نتنياهو المُنتخبة حديثًا، إلى جانب أزمة إسرائيلية خانقة في مجال الطاقة ازدادت شدّة بعد اندلاع الثورة في مصر، والتي أدت لتضاؤل واردات إسرائيل من الغاز بنسبة 40%. وأسهمت أسعار الطاقة المتزايدة كذلك في اندلاع أكبر احتجاجات في أوساط الشعب الإسرائيلي منذ عقود.

كما ورث نتنياهو الأزمة، ورث كذلك حلًّا محتملًا دائمًا لها. تمثّل هذا الحل في حقل هائل للغاز الطبيعي الممكن استخراجه تم اكتشافه في منطقة حوض ليفانتين، وهو مركّب مائي يقبع تحت سطح البحر شرقي المتوسط. سارع المسئولون الإسرائيليون لتأكيد أن “أغلب” احتياطيات الغاز المؤكد اكتشافها مؤخرًا تقع “داخل المياه الإقليمية الإسرائيلية”. متجاهلين بذلك تصريحات مماثلة صدرت عن لبنان وسوريا وقبرص وفلسطين.

في عالم ذي طبيعة مختلفة، ربما كان بإمكان الدول الخمسة الاستفادة من حقل الغاز الهائل معًا، وربما كانت ستوضع كذلك خطة إنتاج لتخفيف الأثر الواقع على البيئة جرّاء إطلاق 130 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي في المجال الجوي للكوكب مستقبلًا. ولكن بحسب ما أشار إليه بيير تيرزيان، المحرر بمجلة بتروستراتيجيز (Petrostrategies) المختصة في الاقتصاد النفطي، فإن “هذه المنطقة بها كل عوامل الخطر… والجنوح للعنف ليس بالأمر المستبعد هناك”.

بدأت نبوءة تيرزيان تتحقق في السنوات الثلاثة التي تلت اكتشاف الغاز. وكانت لبنان هي أولى بؤر الصراع. ففي أوائل عام 2011، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن بدء التطوير أحادي الجانب لحقلين يشكلان 10% من غاز حوض ليفانتين، ويقع الحقلان في المياه الإقليمية المتنازع عليها بالقرب من الحدود اللبنانية الإسرائيلية. وعلى الفور هدد وزير الطاقة اللبناني جبران باسل باتخاذ إجراء عسكري، مشددًا على أن بلاده “لن تسمح لإسرائيل ولا لأي شركة تعمل لصالحها بالاستيلاء على أي جزء من الغاز الواقع في منطقتنا”. ومن جانبه هدد حزب الله، أكثر الكتل السياسية اللبنانية تشددًا، بتنفيذ هجمات صاروخية في حالة استخراج “متر واحد” من الحقول المتنازع عليها.

واصل وزير الموارد المائية والطاقة الإسرائيلي التحدي، فأكد على أن “هذه المناطق تقع داخل منطقة المياه الاقتصادية الإسرائيلية… ولن نتردد في اللجوء للقوة ليس فقط لحماية سلطة القانون، بل لحماية القانون البحري الدولي كذلك”.

وجاء تحليل الصحفي بيير تيرزيان المختص في شؤون الاقتصاد النفطي عن حقائق المواجهة على النحو التالي:

“إذا تحدثنا بشكل عملي… لن تذهب أي جهة للاستثمار في لبنان داخل المياه المتنازع عليها. ولا توجد شركات لبنانية قادرة على تنفيذ عمليات الحفر، كما لا توجد قوة عسكرية قادرة على حماية هذه الشركات إن ظهرت. بينما نجد على الجانب الآخر صورة مختلفة تمامًا. فالشركات الإسرائيلية قادرة على العمل داخل البحر، كما تستطيع أن تخوض هذه المخاطرة تحت حماية الجيش الإسرائيلي”.

كما هو متوقع، واصلت إسرائيل عمليات الاستكشاف والحفر في الحقلين المتنازع عليهما، كما نشرت طائرات بدون طيار لحماية منشآت الحفر. وفي هذه الأثناء، استثمرت حكومة نتنياهو قدرًا كبيرًا من الموارد في التحضير للمواجهات العسكرية المحتمل نشوبها مستقبلًا في المنطقة. حيث لجأت في بادئ الأمر، مستعينة بتمويل سخي من الولايات المتحدة، إلى تطوير نظام الدفاع ضد الصواريخ المعروف باسم “القبة الحديدية”، والذي رُوعي في تصميمه أن يكون قادرًا على اعتراض صواريخ حماس وحزب الله التي تستهدف منشآت الطاقة الإسرائيلية. كما نشرت كذلك قوات البحرية الإسرائيلية، مع التركيز على امتلاكها القدرة على التصدي للمخاطر التي تهدد منشآت الطاقة البحرية وردعها. وأخيرًا، شنّت إسرائيل في عام 2011 عدة غارات داخل سوريا كان الهدف منها، بحسب المسئولين الأمريكيين، هو “منع إمداد حزب الله بأي صواريخ متطورة من الطراز المضاد للطائرات أو أرض أرض أو أرض بحر”.

على الرغم من ذلك، واصل حزب الله التسلّح بالصواريخ القادرة على تدمير المنشآت الإسرائيلية. ثم بادرت لبنان، في عام 2013، إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة. حيث اتجهت إلى التفاوض مع روسيا. وكان الهدف من هذه الخطوة هو استقدام شركات الغاز الروسية لتتولى مهمة تطوير الغاز في المناطق البحرية التي تدّعي لبنان أحقيتها فيها، وأيضًا الاستفادة بالدعم الذي قد تقدمه القوات البحرية الروسية المرعبة في “الصراع الإقليمي طويل الأمد مع إسرائيل”.

بحلول عام 2015، بدأت تسود المنطقة حالة من الردع المتبادل. فعلى الرغم من نجاح إسرائيل في تشغيل الحقل الأصغر من الحقلين اللذين تستهدف تطويرهما، إلا أن عمليات الحفر في الحقل الكبير قد عُلّقت لأجل غير مسمى “جراء الأوضاع الأمنية”. حيث أبدت شركة نوبل إينيرجي (Nobel Energy) الأمريكية التي تعاقد معها الإسرائيليون عدم نيتها في استثمار 6 مليار دولار في منشآت قد تكون عُرضة لهجمات حزب الله، فضلًا عن إمكانية وقوعها في مرمى نيران البحرية الروسية. أما على الجانب اللبناني، فالعمل لم يبدأ بعد على الرغم من الوجود المتزايد للقوات البحرية الروسية في المنطقة.

في هذه الأثناء أخذت الأزمة شكلًا جديدًا في سوريا التي كانت تشهد عنفًا متصاعدًا دخلت البلاد معه في مرحلة الصراع المسلح. حيث صمد نظام بشار الأسد في مواجهة الخطر الهائل الذي تشكله الجماعات الجهادية المختلفة، ويرجع جزء من الفضل في ذلك لتفاوض النظام من أجل الحصول على دعم عسكري هائل من روسيا مقابل عقد تطوير مدته 25 عامًا في المناطق التي تدعي سوريا ملكيتها من حقل غاز ليفانتين. وتضمنت الصفقة كذلك بندًا لإجراء توسّع كبير في القاعدة البحرية الروسية الموجودة في ميناء مدينة طرطوس، وهو البند الذي يضمن وجود بحري روسي أكبر في منطقة حوض ليفانتين.

بينما شكّل وجود الروسيين رادعًا فيما يبدو للإسرائيليين عن محاولة تطوير احتياطيات الغاز في المناطق التي تدعي سوريا أحقيتها بها، إلا أن الوجود الروسي في الداخل السوري لم يكن مناسبًا. مما حدا بالإسرائيليين إلى التعاقد مع شركة جيني إينيرجي كوربوريشان (Genie Energy Corporation) الواقع مقرها في الولايات المتحدة من أجل تنفيذ مهمة التنقيب والتطوير بحقول الغاز في مرتفعات الجولان، تلك المقاطعة السورية التي يحتلها الإسرائيليون منذ عام 1967. ودافعت حكومة نتنياهو عن نفسها في مواجهة اتهامها بهذا الخرق المحتمل للقانون الدولي، مستشهدة بقرار المحكمة الإسرائيلية الذي يقضي بأن استغلال الموارد الطبيعية في الأراضي المحتلة أمر قانوني، معتبرة إياه الدافع الرئيسي وراء تصرفاتها. كما شرعت في دعم الوجود العسكري الإسرائيلي في مرتفعات الجولان استعدادًا للمعركة المحتومة التي ستخوضها ضد أي جبهة أو جبهات تخرج منتصرة من الحرب الأهلية السورية.

ثم جاء الدور على اليونان، الدولة الوحيدة التي تطالب بحقوقها في حوض ليفانتين، ولكنها ليست في حالة حرب مع إسرائيل. ومن المعروف أن القبارصة اليونانيين في صراع ممتد وقديم مع القبارصة الأتراك، لذا لم يكن من المستغرب أن المفاوضات التي بدأت بينهما على الجزيرة في أعقاب اكتشاف الغاز الطبيعي في حوض ليفانتين بهدف الاتفاق على الخطوات التالية، قد انتهت إلى طريق مسدود. ثم وقّع القبارصة اليونانيون في عام 2014 عقدًا مع شركة نوبل إينيرجي، كبرى الشركات الإسرائيلية. فرد القبارصة الأتراك على هذه الحركة بتوقيع عقدٍ مع تركيا من أجل التنقيب في جميع المناطق التي يدعي القبارصة أحقيتهم فيها “حتى المياه المصرية”. ونهجت الحكومة التركية نهج نظيرتيها الإسرائيلية والروسية، فأرسلت ثلاث قطع بحرية إلى المنطقة لقطع الطريق على أي تدخل قد تفرضه الدول الأخرى المُطالبة بحقوقها.

نتيجة لكل هذه التحركات، فإن أربعة أعوام من المناورات حول الاحتياطات المُكتشفة حديثًا في حوض ليفانتين قد أثمرت عن إنتاج ضئيل من الطاقة، بينما جذبت أطرافًا جديدة وقوية إلى صفوف الدول المطالبة بحقوقها، كما أشعلت في الوقت ذاته سباق تسلّح خطير في المنطقة، ورفعت مستويات التوتر على نحو يتعذر إدراكه.

غزة مرة أخرى

هل تذكرون نظام القبة الحديدية؟ ذلك النظام الذي طوّره الإسرائيليون لاعتراض صواريخ حزب الله التي تستهدف حقول الغاز الشمالية في إسرائيل؟ بمرور الوقت، نُشر هذا النظام بالقرب من الحدود مع غزة للتصدي لصواريخ حماس، واختُبرت قدراته خلال عملية الصدى الراجع، رابع محاولة عسكرية إسرائيلية لإخضاع حماس والقضاء على “قدرة الفلسطينيين على قصف منشآت الغاز والكهرباء الاستراتيجية في إسرائيل”.

كانت العملية العسكرية التي شُنّت في مارس 2012 نسخة مصغرة من عملية الرصاص المصبوب المدمِّرة، وحققت القبة الحديدية نسبة نجاح بلغت 90% هذه المرة أمام صواريخ حماس. وعلى الرغم من هذه الإضافة القوية إلى النظام الوقائي الشامل المصمم لحماية المدنيين الإسرائيليين، إلا أنها لم تكن كافية لضمان سلامة منشآت النفط المكشوفة. فإصابة مباشرة واحدة بصاروخ في هذه المنطقة قد تخرّب هذه المباني الهشّة القابلة للاحتراق وتدمرها تمامًا.

أدى فشل عملية الصدى الراجع في تحقيق أي شيء إلى بدء جولة جديدة من المفاوضات، تعثرت كسابقاتها نتيجة لرفض الفلسطينيين طلب إسرائيل بالتحكم في كل النفط، وجميع العائدات المخصصة لغزة والضفة الغربية. ثم سارت حكومة الوحدة الفلسطينية الجديدة على خطى اللبنانيين والسوريين والقبارصة الأتراك، فوقّعت في أواخر عام 2013 على “امتياز تنقيب” مع جازبروم (Gazprom)، شركة الغاز الطبيعي الروسية العملاقة. وعلى الفور انتشرت البحرية الروسية كرادع محتمل أمام أي تدخل إسرائيلي، تمامًا كما حدث في حالتي لبنان وسوريا.

في هذه الأثناء من عام 2013، اجتاحت “أعمال فوضى” أرجاء إسرائيل نتيجة لمعاودة انقطاع الطاقة بشكل متكرر، مما أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار الكهرباء بلغت 47%. وكحل للأزمة، بدأت حكومة نتنياهو في دراسة مقترح لبدء استخراج النفط الحجري داخل البلاد، ولكن أدى احتمال تلويث الموارد المائية إلى ردود أفعال كبيرة أحبطت هذا المسعى. ولم يكن استغلال موارد الطاقة المتجددة من الملفات التي تحظى باهتمام كبير في بلد تشهد وفرة في شركات التقنيات المتطورة الناشئة. لذا، استدارت الحكومة مرة أخرى نحو غزة.

مع اقتراب تنفيذ الاتفاق مع شركة جازبروم للتنقيب عن احتياطات الغاز التي يدّعي الفلسطينيون أحقيتهم فيها، شنّ الإسرائيليون عمليتهم العسكرية الخامسة لإجبار الفلسطينيين على الخضوع، وأُطلق عليها اسم عملية الجرف الواقي. وكان لهذه العملية هدفين رئيسيين يتعلقان بإنتاج الغاز: إرباك خطط الفلسطينيين والروس والقضاء على أنظمة الصواريخ في غزة بشكل نهائي. وفيما يبدو أنهم قد نجحوا في تحقيق الهدف الأول بإعلان شركة جازبروم عن تأجيل تنفيذ صفقة التنقيب (ربما إلى الأبد). ولكنهم فشلوا في تحقيق الهدف الثاني، حيث لم ينجح الهجوم البري والجوي المزدوج في تدمير مخازن صواريخ حماس أو نظام تجميعها عبر الأنفاق، على الرغم من الدمار غير المسبوق الذي ألحقه الهجوم بغزة؛ كما لم تنجح القبة الحديدية في تحقيق نسبة اعتراض شبه الكاملة اللازمة لحماية منشآت الطاقة المُزمع إقامتها.

لا حلول تلوح في الأفق

بعد 25 عامًا من الصراع، وخمس عمليات عسكرية إسرائيلية فاشلة، ما يزال غاز غزة الطبيعي يقبع تحت الماء، ويمكن أن نقول نفس الشيء عن غاز حوض ليفانتين بعد مرور أربع سنوات على الأزمة. ولكن لم تعد الأمور كسابق عهدها. فقد صارت إسرائيل أكثر إحباطًا من ذي قبل فيما يتعلق بملف الطاقة، لدرجة دفعتها لبناء قدراتها العسكرية، وخصوصًا قواتها البحرية، بصورة قد تكون ذات دلالة هامة. بينما استعانت باقي الدول المطالبة بحقوقها هي الأخرى بشركاء أقوى لمساعدتها في تعزيز مواقفها الاقتصادية والعسكرية. ولا شك أن كل ذلك يعني أن أزمة الغاز الطبيعي بمنطقة شرق المتوسط التي شهدها الربع الأول من هذا القرن ليست سوى البداية. ففي الأفق تلوح نُذر حروب كبرى حول الغاز وما ستجلبه من خراب.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد