سؤال أخلاقي هام وخطير: هل من الممكن أن تقتل إنسانًا بريئًا كي تنقذ 5 أشخاص آخرين؟ ركز جيدًا قبل الإجابة، فالموضوع ليس بالسهولة التي تتخيلها، وبالنسبة لفئات معينة من البشر فإن شعبيتهم تعتمد على إجابتهم عن هذا السؤال الصعب.

سؤال أخلاقي هام وخطير: «هل من الممكن أن تقتل إنسانًا بريئًا كي تنقذ خمسة أشخاص آخرين؟». ركز جيدًا قبل الإجابة، فالأمر ليس بالسهولة التي تتخيلها، وبالنسبة إلى فئات مُعينة من البشر، فإن شعبيتهم تعتمد على إجابتهم على هذا السؤال الصعب.

أظهرت دراسة جديدة لجامعتي أكسفورد وكورنيل، أن الناس يقيسون مدى ثقتهم في الآخرين، طبقًا لأحكامهم الأخلاقية عليهم. نتائج هذه الدراسة قد تُفسر لنا الكثير عن قراراتنا وتصرفاتنا ومشاعرنا، المعتمدة غالبًا على مجموعة من القواعد الأخلاقية المُطلقة حينها، وإن كان من الممكن أن نتخذ قرارات مُغايرة، لو فكرنا لفترة أطول، وأخذنا في الاعتبار أمورًا أُخرى أكثر واقعية وعملية.

ما الذي يعنيه هذا الكلام المُعقد؟

معظم الناس ينظرون إلى من حولهم بمعايير أخلاقية مطلقة، فكثيرًا ما نلاحظ أننا نثق في هذا الشخص لمواقفه الأخلاقية الإيجابية بالنسبة إلينا، لكن بمجرد اتخاذه لقرار أخلاقي متعارض مع نظرتنا للأخلاق، فإننا ننقلب عليه 180 درجة، ونبدأ في مهاجمته واتهامه بأنه شخص «غير أخلاقي» ولا يمكن الوثوق فيه.

غالبًا لا نأخذ وقتنا للتفكير جيدًا فيما كنا سنفعل لو كنا في موقف الآخر، على سبيل المثال، لو أن مجموعة مُسلحة سيطرت على الدور الرابع في بنايةٍ أمنية مكونة من ثمانية طوابق، وأسرت خمسة من الموظفين المدنيين. هذه البناية تحتوي على قواعد بيانات خاصة بجميع العملاء المنتشرين في نطاق إقليمي ما (أوروبا على سبيل المثال)، وهناك حوالي 30 شخصًا مُحتجزين في بقية الأدوار العليا للبناية، بينهم رئيس إحدى الأجهزة الأمنية المهمة، لكن المسلحين لم يكونوا على علم بذلك.

سنفترض هنا وجود قوة تدخل سريع في الدور الثالث، بإمكانها اقتحام الدور الرابع، وقتل جميع المسلحين في أقل من خمس دقائق، مع احتمال مرتفعٍ أن يُقتل أحد المدنيين الخمسة، الذين بينهم امرأة حامل. إذا فوجئت أن عملية الاقتحام تمت بالفعل، وبأمر من رئيس الوزراء، وقُتل كافة المسلحين ومعهم المدنيين بما فيهم المرأة الحامل، ثم ظهرت صورهم في وسائل الإعلام المختلفة.

مع موقفٍ كهذا، كيف سيكون موقفك من رئيس وزراء بلادك حينها؟ هل ستؤيده في قراره؟ أن ستقول، إنه «من الأول لو كان تفاوض مع المسلحين، في مُحاولة لإيجاد وسيلة إنقاذ للمدنيين». غالبًا، فإن عددًا لا بأس به من الناس، سيحملون رئيس الوزراء مسؤولية مقتل الأبرياء. لكن هل حاول أحدٌ منهم، أن يُفكر قليلًا فيما لو كان في موقف رئيس الوزراء، كيف كان سيتصرف؟ الأخطر والأهم من ذلك: ماذا لو كنت أنت ذلك الشخص البريء الذي سيتم التضحية به لإنقاذ الآخرين؟

معضلة الاختيار

مدرستان في التفكير والاختيار

نعود مرة أخرى للدراسة، فقد اختبر الباحثون فكرة ما إذا كان الاعتماد الافتراضي على القواعد الأخلاقية، له أساسيات تتعلق بعملية التطور. توصل الباحثون إلى استنتاج عام يقول، إن الأشخاص الذين نراهم متمسكين بالأمور الأخلاقية بصورةٍ مطلقة، يعتبرهم الناس أكثر ثقًة ويقدرونهم بشكل أكبر كشركاء اجتماعيين.

وقارن الباحثون بين مدرستين مختلفتين في التفكير حول الأخلاقيات. هناك المدرسة العواقبية (Consequentialist)، وتفكر بطريقة استهداف أن تكون غاية قراراتنا تحقيق أقصى قدر من الإيجابيات لأكبر قدر من الناس، وإن عنى ذلك التسبب في بعض الأضرار لعدد أقل، مثل قتل شخصٍ واحد، لإنقاذ خمسةٍ آخرين، أو قتل خمسة آخرين، لإنقاذ عددٍ أكبر، أو أكثر أهمية من حيث مناصبهم. هذه الطريقة في التفكير، تحكم على تصرف الشخص بناءً على عواقب هذا التصرف، والتي يُمكن الإشارة إليها بالمثل السياسي الشهير «الغاية تبرر الوسيلة».

في المقابل، ثمة مدرسة تسمى الأخلاق الواجبة (Deontological ethics)، وتركز على القواعد الأخلاقية الخاصة بالحقوق والواجبات، وبالتالي فإن أمورًا معينة مثل قتل شخص بريء، يظل تصرفًا سيئًا وإن حصلنا من ورائه على أكبر قدر ممكن من النتائج الإيجابية، مثل إنقاذ خمسة آخرين. يميل الناس بشكل عام، إلى التفكير بالطريقة الثانية، بشكل تلقائي. مما يعني أن هذه النظرة داخل التكوين البشري بشكل أو بآخر.

رد فعل عاطفي

يقول جيم إيفرت، الباحث في جامعتي هارفارد وأكسفورد، إن علماء النفس تناقشوا وتجادلوا حول ما إذا كانت طريقة الأخلاق الواجبة تنشأ من ردود فعل عاطفية وغير عقلانية، لكن ثمة تفسير آخر يتلخص في كلمة واحدة، وهي «الشعبية».

إذا كان الناس الذين يتمسكون بالمطلقات الأخلاقية، يفضلهم المجتمع كشركاء اجتماعيين، فإن تعبير الشخص عن وجهة النظر هذه ستجعله يحظى بفوائد كبيرة لنفسه. بمعنى آخر، فإن فكرة الإعلان عن تمسكك بالمطلقات الأخلاقية، يقوم بها كثير من الناس، لأنهم يعلمون أنها ستسبب لهم الشهرة والنظرة المجتمعية الجيدة. ومع مرور الوقت فإن هذا الأمر سيتسبب في ميل الكفة لصالح أحد نوعي التفكير على حساب الآخر في إجمالي السكان.

هذا الأمر يبدو منطقيًا، فالواحد منا قد تصيبه قشعريرة الخوف عند التفكير في صديق أو شريك يمكن أن يقوم بتحليل ما يضع احتمالية أن يتم التضحية بك من أجل تحقيق مصالح أخرى.

الباحث الرئيسي في الدراسة، كروكيت، أوضح أنه لاختبار هذه الفكرة ، استخدموا العديد من المعضلات الأخلاقية المتباينة، والتي يجب على الشخص أن يقرر إذا كان سيضحي بالشخص البريء أم لا، من أجل إنقاذ عدد كبير من الأبرياء الآخرين. بعد هذا سأل الباحثون إذا كان هؤلاء الذين قرروا التضحية بالإنسان البريء يمكن أن يكونوا شركاء اجتماعيين جديرين بالثقة أم لا.

ومن خلال تسع تجارب أجراها الباحثون على 2400 شخص، وجدوا أن الأشخاص الذين يفضلون فكرة الأخلاقيات المطلقة (يرفضون التضحية بالشخص البريء)، كان الآخرون ينظرون إليهم على أنهم أكثر جدارة بالثقة من أولئك الذين دافعوا عن فكرة التفكير العواقبي أو البراجماتي، الذي يهدف لأكبر مصلحة ممكنة. فعندما أُعطي هؤلاء الأشخاص ذوي الأخلاقيات المطلقة الأموال، كان دافعو المال على ثقة أكبر بأن هذا الشخص سيعيده لهم مرة أخرى.

كيف تنظر للأخلاقيات؟

الظروف المحيطة

أوضحت الدراسة أنّ من يتخذون قرار التضحية ببريء لحماية المزيد من الأبرياء، ورغم صعوبة القرار واختياره، إلا أن الناس لا ينظرون إليهم بعين الثقة في الغالب. في المُقابل إذا أبدى البريء الضحية، رغبته في أن يُضحّى به، ثم اتخذ المسؤول قرار التضحية به، فإن الناس سينظرون للمسؤول نظرة ثقة، لأنه احترم رغبة الضحية!

الخلاصة، أن المتمسكين بقواعدهم الأخلاقية، ليسوا كذلك في الحقيقة، بقدر ما أنّهم متمسكين برغباتهم الشخصية، سواء الشعبية من جهة، أو الشعور بالأمان، حين يضع الشخص نفسه بشكل لا واعٍ مكان الضحية البريئة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد