بعد نحو أقل من أسبوعين على رفض السودان مقترحًا إثيوبيًّا لتوقيع اتفاق جزئي بشأن سد النهضة؛ للالتفاف على مفاوضات الاتفاق الثلاثي بين السودان ومصر وإثيوبيا؛ وجَّه الجيش السوداني اتهامًا رسميًّا لإثيوبيا مرةً ثانية خلال شهرين عبر وكالة الأنباء الرسمية، على خلفية الاشتباكات الحدودية بين البلدين في ولاية القضارف – جنوب شرق السودان – والتي أسفرت عن مقتل ضابط سوداني وإصابة ستة جنود، وفقدان آخر.

وبحسب الاتهام الرسمي، فقد اجتازت مليشيات إثيوبية مدعومة بالجيش الإثيوبي الحدود مع السودان، واشتبكت مع وحدات من الجيش السوداني، ولم يصدر حتى الآن أي تعليق من الجانب الإثيوبي حول اتهامات الجيش السوداني، رغم أنَّ البلدين وقَّعا قبل أسبوع اتفاقًا يقضي بتأمين الحدود المشتركة ضد أي أنشطةٍ غير قانونية.

التقرير التالي يشرح لك، اعتمادًا على مصادر حيادية من السودان وإثيوبيا، خلفية الأحداث الأخيرة، وارتباطاتها السياسية بالعلاقة بين البلدين الحليفين.

مواجهة بين جيشين.. أحداث 48 ساعة قبل الاشتباكات

تواصل «ساسة بوست» مع مدير القسم العربي بالتليفزيون الإثيوبي الرسمي، أنور إبراهيم، والذي نفى أن تكون الاشتباكات الأخيرة راجعة لنزاع حدودي بين البلدين موضحًا: «عادة ما تشهد الحدود بين إثيوبيا والسودان صراعات واشتباكات، خاصة في المناطق الموجود بها أراضٍ زراعية في أوقات الحصاد؛ بسبب تعديات عصابات «الشفتة» السودانية الخارجة عن سيطرة الحكومة الإثيوبية».

 (تعليق المتحدث العسكري السوداني على الاشتباكات):

لكنَّ إبراهيم الذي برر ما حدث بأنه يتكرر منذ سنوات عديدة في عهد كل الحكومات المتناوبة على الدولتين، وتجري السيطرة عليها بعد اللجوء للقنوات الرسمية؛ أشار لـ«ساسة بوست» إلى حلقة مفقودة هذه المرة، قائلًا: «في الوقت الحالي فيما يبدو أن هنالك حلقة مفقودة، خاصة في ظل التحركات السياسية بين الدولتين، والتغيير الذي طرأ على كل من إثيوبيا والسودان»، في إشارة خفية إلى اختلاف وجهات النظر في القضايا المشتركة وأهمها سد النهضة، إضافة إلى خلافات أخرى داخلية ممثلة في الاضطرابات السياسية التي تهدد الانتقال الديمقراطي في أديس أبابا، والخلاف غير المُعلن بين المجلس العسكري والمكون المدني في الخرطوم.

بالعودة للساعة صفر، اشتبكت القوات السودانية مع مليشيات إثيوبية في منطقة «الفشقة» الحدودية، التابعة لولاية القضارف السودانية، وهي منطقة نائية تبلغ مساحتها 251 كم مربعًا، وأكثر من 600 ألف فدان تضم أخصب الأراضي الزراعية في السودان. ورغم أن إثيوبيا تعترف رسميًّا بسودانية تلك الأراضي، فإنها تُتهم بدعم نشاط الجماعات المُسلحة؛ بهدف طرد المزارعين السودانيين، للاستيلاء على أراضيهم واستغلالها، واستبدال قرى إثيوبية بها، توفر لها الحكومة الإثيوبية جميع الخدمات.

وقبل 48 ساعة من الاشتباكات، انتشرت فرقة عسكرية إثيوبية تقدر بقوة سرية مشاة داخل الأراضي السودانية، بناء على اجتماعات مشتركة بين قيادات الجيشين السوداني والإثيوبي، وجرى الاتفاق على الانسحاب العسكري لكلا الطرفين من نقاط المراقبة في تلك المنطقة.

الجيش السوداني أعلن في بيان رسمي أنَّه في اليوم التالي للاتفاق، وصلت إلى الضفة الشرقية لنهر عطبرة مجموعة من المليشيات الإثيوبية، غرضهم سحب مياه من النهر، واشتبكوا مع القوات السودانية التي منعتهم من الوصول للمياه، وانسحبت المليشيات تجاه معسكر الجيش الإثيوبي على الجانب الآخر من الحدود، ثم عادت مرة أخرى بدعمٍ من فصيلة للجيش الإثيوبي، جاءت للاشتباك مع القوات السودانية.

وبحسب رواية المتحدث العسكري السوداني، فالجيش الإثيوبي دخل الحدود السودانية بقوة سرية مشاة عددها نحو 250 فردًا، وبدأت اشتباكات معظم ساعات النهار، استخدمت فيها القوات الإثيوبية الرشاشات والبنادق القناصة، ومدافع الأر بي جي، وأسفرت المواجهات عن مقتل ضابط سوداني وإصابة ستة جنود، وفقدان آخر، لم تتهم الخرطوم – حتى الآن – الجانب الإثيوبي باختطافه.

دولي

منذ 4 شهور
لماذا تتوغل إسرائيل الآن أكثر من أي وقت مضى في إثيوبيا؟

البُعد المحلي للاشتباكات سُرعان ما صُبغ باتهاماتٍ إقليمية وجَّهت أصابع الاتهام لدولٍ بعينها ربطتها بالتعثر الحاصل في ملف سدِّ النهضة، والبدء في البحث عن افتراضية وجود دور مصري خلف الكواليس؛ إذ يقول الصحافي الإثيوبي عبد المنعم عبد السلام لـ«ساسة بوست»: «هناك تهويل وتضخيم إعلامي في الصحف العربية، لا أعلم ما الغرض منه، لكن ربما لمصر دور في ذلك».

وفي الوقت الذي يبرر فيه مدير القسم العربي بالتليفزيون الإثيوبي لـ«ساسة بوست» أنَّ السودان يتحمل جزءًا من المسئولية عما حدث بسبب عدم ضبط مناطقه الحدودية، إلى جانب عدم مراجعة عمليات تأجير الأراضي للإثيوبيين التي تجري منذ زمنٍ على نطاق واسع طويل الأمد؛ فإنَّ أكاديميين إثيوبيين يردون على تلك الافتراضية باتهام نائب رئيس الوزراء الإثيوبي، ووزير خارجيته – الحاكم السابق لإقليم الأمهرا – بتبعية تلك الميليشيات مباشرةً لهما لانتهاجهما سياسية توسعية داخل الحدود السودانية الخصبة.

أبعد من توتر حدودي.. هل لإثيوبيا أطماع في السودان؟

مشكلة التعدي على الأراضي السودانية كما يقول مراقبون يتجاوز عمرها أكثر من نصف قرن، وزاد من حدتها تغاضي الأنظمة المتعاقبة لكلا البلدين بدوافع واعتبارات سياسية، لكن مع وصول المجلس العسكري السوداني لإدارة الفترة الانتقالية، برزت مشكلة الحدود مُجددًا.

واحدة من مظاهر التوتر كانت في أبريل (نيسان) الماضي، وتمثلت في زيارة رئيس المجلس السيادي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان للحدود السودانية الإثيوبية برفقة رئيس الأركان، والمدير العام لجهاز المخابرات، في ظل نشر الجيش السوداني لواءٍ كاملٍ في منطقة «الفشقة» لأول مرةٍ منذ 25 عامًا، بعد شكاوى من الأهالي عن توغل إثيوبي جديد داخل الأراضي السودانية، واختطاف لمواطنين والذهاب بهم إلى داخل الأراضي الإثيوبية.

وفي أول اعتراف من مسؤول سوداني باحتلال قوات ومليشيات إثيوبية لأراض زراعية؛ أعلن البرهان الشهر الماضي بعد جولة فاشلة من المباحثات السودانية الإثيوبية لترسيم الحدود بين البلدين، استيلاء قوات ومليشيات إثيوبية على جانب كبير من أراضي السودان الواقعة على الحدود بين البلدين.

ويبدو أن الحكومة السودانية تدرك الحلقة المفقودة في صمت الحكومة الإثيوبية على عصابات «الشفتة»، ودعم الجيش لها في توغلها داخل السودان، وبحسب تصريحات السفير السوداني السابق في أديس أبابا لصحيفة «العربي الجديد»، فالسلطات الإثيوبية تتغاضى عن ردع تلك العصابات، على الرغم من قدرتها على مواجهتها والقضاء عليها، وهو التصريح نفسه الذي اعترف بصحته مدير القسم العربي بالتليفزيون الإثيوبي خلال حديثه مع «ساسة بوست».

يعتقد الصحافي السوداني المتخصص في الشئون الأفريقية، عباس محمد صالح، أنَّ إثيوبيا أيضًا مثل السودان تواجه أزمة ممثلة في ضعف الحكومة المركزية على حدودها، إضافة إلى الانعكاسات السالبة التي أثرت في التطورات السياسية التي مر بها البلدان.

ويقول لـ«ساسة بوست»: «من التغيرات المهمة في داخل إثيوبيا، والتي تفسِّر بوضوح هذه التطورات، صعود تيار القوميين الأمهرا – أكبر القوميات الإثيوبية – والذي ينطلق من مفهوم وحدة أراضي الأمهرا، ويزعم تبعية أراضٍ تقر الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا بأنها سودانية، وتحديدًا الفشقة».

وعن سبب عدم دخول إثيوبيا في مفاوضات جادة لترسيم الحدود مع السودان يقول عباس: «إن تيار القوميين الأمهرا يشكِّل أيضًا تحديًا للحكومة الفيدرالية ورئيس الوزراء آبي أحمد، خاصة أنه يقف وراءه ظهير سياسي متمثل في «حركة الأمهرا الوطنية» (ناما)، وفي هذا الصدد، لا يمكن لآبي أحمد معالجة قضية الحدود، والإخلال بالتوازنات الداخلية الهشة في إثيوبيا، بينما البُعد الآخر من تمسك إقليم الأمهرا بالفشقة يتمثل في أن هذه الأراضي السودانية أصبحت مصدرًا للثراء والثروة، وفرص العمل بالنسبة لبعض النخب».

التوتر بين حدود السودان وإثيوبيا ألقى بظلاله على مستقبل الملفات المشتركة بين البلدين، خاصة سد النهضة، الذي يواجه هو الآخر أزمة مكتومة بين البلدين.

بعيدًا عن التحيزات.. هل هناك صلة بين الأحداث الأخيرة وسد النهضة؟

الانعكاسات السلبية الأخيرة في العلاقة بين البلدين بسبب ملف الحدود، لا تتصل بالدور الإثيوبي القديم في جمع فرقاء السودان عقب سقوط نظام البشير، ونزع موافقة من قادة المجلس العسكري الانتقالي، وقوى الحرية والتغيير حول المبادرة الإثيوبية لحل الأزمة السودانية، ونجحت إثيوبيا في لعب دور الوسيط بسبب موقفها الحيادي أثناء اندلاع التظاهرات السودانية، على خلاف دول أخرى ظلت داعمة للبشير حتى الأيام الأخيرة، مثل قطر ومصر، وهو ما أدى لإضعاف فرصهم بوصفهم وسطاء محتملين.

على جانب آخر، يرى مراقبون أنه لا صلة مباشرة بين التوترات الحدودية التي بدأت فعليًّا منذ أبريل الماضي، وقضية سد النهضة الإثيوبي، بينما من المحتمل أن تزيد التداعيات التي ستترتب على هذا التصعيد احتمالات تباعد مواقف البلدين تجاه السد، والذي بات مؤخرًا واضحًا أكثر من أي وقتٍ مضى.

ففي أبريل الماضي، استقبل السودان للمرة الثانية زيارة من مدير المخابرات المصري عباس كامل، بصحبة وزير الري، وخلال اللقاء الأخير الذي عقده مع رئيس الحكومة السودانية، أعلن حمدوك تمسك بلاده بمرجعية مسار واشنطن الخاص بقواعد الملء والتشغيل لسد النهضة، وإعلان المبادئ الموقع بين رؤساء الدول الثلاث في الخرطوم عام 2015.

البيئة

منذ شهرين
«الجارديان»: «قد يسبب حرب مياه».. كيف يرى السودانيون سد النهضة؟

التصريح الذي تزامن مع بدء التوترات مع الحدود الإثيوبية، يعد انقلابًا في الموقف الرسمي السوداني تجاه مفاوضات سد النهضة؛ خاصة أنَّ موقف السودان القديم كان مُنحازًا لإثيوبيا برفضه التوقيع في فبراير (شباط) الماضي، على المسودة التي اقترحتها وزارة الخزانة الأمريكية بوصفها الطرف الوسيط في المسودة، التي وقعتها مصر ورفضتها أديس أبابا.

وقبل تغيير موقفه الأخير، كان السودان قد وجه طعنة للقاهرة بتحفظه على مشروع قرار مقدم من مجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية لمساندة مصر ودعمها في مفاوضات سد النهضة، وكانت مبررات الخرطوم حينها أنَّ اللجوء للجامعة العربية قد يدفع إثيوبيا في المقابل للجوء إلى الاتحاد الأفريقي، وخلق اصطفاف أفريقي معها، بمواجهة الاصطفاف العربي لصالح مصر.

اللافت أنَّ هناك اتجاهًا إثيوبيًّا مُتحفظًا على المجلس العسكري السوداني لتقاربه مع القاهرة، خاصة بعد الدور الجديد الذي اضطلع به حميدتي مؤخرًا، والمتمثل في زياراته المتكررة إلى القاهرة، التي وجدت في حليفها الجديد ضامنًا لتغيير الموقف الرسمي السوداني حول سد النهضة؛ لحفظ المصالح المصرية في منع إثيوبيا من ملء السد قبل الحصول على ضماناتٍ بعدم الإضرار بحصة مصر، وفي الوقت الذي تحفظ فيه السودان على بيان القاهرة داخل جامعة الدول العربية، تعهد حميدتي عقب لقائه السيسي بأنَّ المفاوضات ستتوصل إلى اتفاق دون ضرر.

يعلِّق الصحافي الإثيوبي عبد المنعم عبد السلام لـ«ساسة بوست» بأنه: «لا علاقة بين أحداث الاشتباكات الأخيرة، وسد النهضة، لكن هناك دفعًا واضحًا للتصعيد من المجلس العسكري في السودان، عكس الحكومة التي لم تقل شيئًا حتى الآن، وربما يكون لمصر دور في ذلك».

المصادر

تحميل المزيد