على مر العصور، كان الإنسان وما يزال يبحث بشكل جدي عن الأسلحة الفتاكة التي تمكنه من قتل أعدائه، والفوز بالحروب، وإحداث أكبر قدر ممكن من الدمار والقتل دون أن يتأثر هو.

في المستقبل، قد يتعين علينا التعامل مع أسلحة بيولوجية من نوع مختلف كليًا، إذ إنها تستهدف مجموعات محددة من الناس طبقًا للحمض النووي، يطلق عليها اسم «الأسلحة البيولوجية العرقية» أو «Ethnic Bioweapon».

من المفترض أن مثل هذا السلاح قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو عاملًا بيولوجيًا مشابهًا. من حيث المبدأ، سيسمح مثل هذا السلاح لأي أمة بشن الحرب من خلال قتل جميع أعدائها دون المخاطرة بمواطنيها، أو ربما تسمح للإرهابيين ذوي الدوافع العنصرية باستهداف جماعة عرقية معينة.

وقد سبق وحذرت عدة منظمات من خطر إنتاج مثل هذا السلاح بينها لجنة فرعية تابعة للكونجرس الأمريكي، وقد نشرت هذه الفكرة في العديد من المنشورات. والأكثر إثارة للشكوك، أنه جرى الادعاء بأن بعض الفيروسات الموجودة مثل «فيروس نقص المناعة البشرية (فيروس مرض الإيدز)» جرى تطويرها لاستهداف مجموعات عرقية محددة.

«تأثير فيرتر».. ماذا تعرف عن عدوى الجريمة والانتحار؟

 

تاريخ طويل من الأبحاث

السلاح البيولوجي العرقي هو نوع من الأسلحة البيولوجية -التي لا تزال نظرية- والتي تهدف إلى إلحاق الضرر في المقام الأول بأناس من عرقيات معينة أو يحملون أنماطًا جينية بعينها. تخيل مثلًا سلاحًا يقتل ذوي البشرة السوداء، أو يقتل فقط ذوي الأعين الزرقاء، أو حتى المرضى الذين يعانون من أمراض وراثية بعينها، الأمر بالتأكيد مخيف.

أحد أبرز المناقشات الخيالية الأولى حول هذه الأسلحة العرقية، هو ما تضمنته رواية «العمود السادس» للكاتب روبرت هينلين عام 1942، والذي استخدم فيها سلاحًا إشعاعيًّا خاصًّا بالعرق ضد الغزاة الأسيويين المزعومين. قصة الرواية كانت تدور حول سقوط ما يعرف بالأمم الحرة واحدة تلو الأخرى، حتى أصبحت أمريكا أيضًا في النهاية تحت كعب الغزاة. الأمل الوحيد كان في معقل جبلي حيث يعمل ستة رجال سرًا على خطة لتدمير الغزاة.

في عام 1997، أشار وزير الدفاع الأمريكي آنذاك وليام كوهين إلى مفهوم الأسلحة البيولوجية العرقية بوصفه خطرًا محتملًا. وفي عام 1998، اعتبر بعض خبراء الأسلحة البيولوجية أن هذا «السلاح الجيني» قابل للتطبيق، ويعتقد أن الاتحاد السوفيتي السابق قد أجرى بعض الأبحاث حول تأثير المواد المختلفة على الجينات البشرية.

Embed from Getty Images

وفي ورقة بحثية سياسة نشرت عام 2000 بعنوان «إعادة بناء دفاعات أمريكا»، وصف مركز «أبحاث القرن الأمريكي الجديد (PNAC)» الأسلحة البيولوجية العرقية بأنها «أداة مفيدة سياسيًّا». وعرض إمكانية وجود «قنبلة جينية» في كتاب فنسنت ساريتش وفرانك ميلي، بعنوان «Race: The Reality of Differences»، الذي نشر في عام 2004. ويرى هؤلاء المؤلفون أن هذه الأسلحة مجدية تقنيًا، ولكن من غير المحتمل أن يتم استخدامها.

وفي نفس العام، ذكرت صحيفة «الغارديان البريطانية» أن الجمعية الطبية البريطانية (BMA) نظرت في إمكانية الأسلحة البيولوجية المصممة لاستهداف مجموعات عرقية معينة، وسلطت الضوء على أن المشاكل التي تواجه الطب والعلماء في علاج مرض «ألزهايمر» والأمراض المنهكة الأخرى، «يمكن أن تستخدم أيضًا لأغراض خبيثة».

وجاءت وجهة النظر الرسمية لـ«اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في عام 2005، لتقول إن «احتمال استهداف مجموعة عرقية معينة بعامل بيولوجي ربما ليس بعيد المنال». هذه السيناريوهات ليست نتاج خيال اللجنة الدولية، ولكنها كانت خلاصة أبحاث عدد لا يحصى من الخبراء المستقلين والحكوميين.

الأمر أقرب مما تتخيل

قبل هذا بسنوات، وتحديدًا في نهاية عام 1998، ذكرت صحيفة «صنداي تايمز» أن إسرائيل تحاول بناء «قنبلة عرقية» تحتوي على عامل بيولوجي يمكن أن يستهدف بشكل خاص السمات الوراثية الموجودة بين السكان العرب. وهي القصة التي تناولتها عدة صحف ومواقع صحفية أخرى.

في ذلك الوقت كان علماء الأحياء المجهرية وعلماء الوراثة يشككون في المعقولية العلمية لإنتاج مثل هذا العامل البيولوجي. وذكرت صحيفة «نيويورك بوست»، التي وصفت الادعاءات بأنها «تشهير دموي»، أن المصدر المحتمل لهذه القصة هو عمل خيال علمي من قبل الأكاديمي الإسرائيلي دورون ستانيتسكي، الذي كان قد أرسل أعماله الخيالية بالكامل حول مثل هذا السلاح إلى الصحف الإسرائيلية قبل عامين. المقال تناول أيضًا آراء الباحثين في مجال الوراثة والذين زعموا أن الفكرة «خيالية تمامًا»، مع ادعاء آخرين أن السلاح كان ممكنًا من الناحية النظرية.

لكن في عام 2012، كتبت صحيفة «الأتلانتيك» أن فيروسًا محددًا يستهدف الأفراد الذين لديهم تسلسل معين من الحمض النووي، من الممكن وجوده في المستقبل القريب. وطرحت المجلة سيناريو افتراضيًّا لفيروس تسبب في حدوث إنفلونزا خفيفة لعامة السكان، لكنه أظهر أعراضًا قاتلة لرئيس الولايات المتحدة بعد تحديد تسلسل حمضه النووي بالضبط. المجلة استشهدت بالتقدم في العلاج الجيني الشخصي باعتباره دليلًا.

وفي عام 2016، اقترحت مجلة «فورين بوليسي» إمكانية وجود فيروس يستخدم سلاحًا حيويًّا عرقيًّا يمكنه تعقيم «السكان الإثنيين المرتبطين بالجينات». جاء هذا الاستنتاج في سياق تقرير يتحدث عن مستقبل وأشكال الحروب في المستقبل القريب، والتي ربما لن تحتاج فيها الدول لجنود.

السوق السوداء لأسلحة الدمار الشامل.. حين تُباع الرؤوس النووية على الأرصفة

جيل جديد من الأسلحة البيولوجية

مما سبق يتضح أن هناك جيلًا جديدًا من الأسلحة الكيميائية ينبثق من المعلومات التي يجري جمعها وتفسيرها في مراكز البحوث في كل من الشرق والغرب. حتى الآن، تعتبر العوامل الكيميائية فعالة بشكل رئيسي ضد الأهداف التكتيكية في مساحة محدودة. الاقتراح النظري حول عمل هذه الأسلحة يكمن في إنشاء فيروس عن طريق الهندسة الوراثية، والذي سيكون قادرًا على التمييز وراثيًا بين الأعراق المختلفة، وبالتالي يؤثر فقط على بعض الأعراق دون غيرها.

تميل الفكرة إلى أن تكون مبنية على نظرة مبسطة وخاطئة للعرق. إذ لا يتم تحديد العرق بواسطة جين واحد، ولكنه يتضمن عددًا كبيرًا من الجينات التي يوجد الكثير منها عبر أعراق مختلفة. وبالتالي فمن غير المرجح أن يكون أي سلاح دقيقًا بنسبة 100%، لأنه من المستحيل إنتاج ارتباط دقيق بنسبة 100% بين العرق والجينات. في عام 2004، قال أحد علماء الوراثة: «لأن كل المجموعات متشابهة تمامًا، فلن تحصل أبدًا على شيء انتقائي للغاية. أفضل ما قد تفعله هو شيء يقتل 20% من مجموعة واحدة و28% من مجموعة أخرى لا أكثر».

ومع ذلك، كانت هناك محاولات لتوفير علامات محددة يمكن استخدامها. وحذرت «الجمعية الطبية البريطانية» في عام 2004 من أن فئة معينة من الطفرات الوراثية يمكن استخدامها للتمييز بين الأعراق وتوفير أساس لسلاح بيولوجي عرقي؛ ومع ذلك، فإن مثل هذه العلامات، حتى لو كانت قابلة للاستخدام، ستسمح فقط بالتمييز بين المناطق الكبيرة، وليس استهداف مجموعة عرقية مجاورة للدولة المستخدمة للسلاح.

قد يكون هناك حلول أبسط ولكن أقل دقة تستند إلى الاتجاهات في مختلف المجموعات السكانية. على سبيل المثال، أظهرت دراسة أجريت عام 2012 أن الأوروبيين كانوا أقل عرضة للتسمم بالجمرة الخبيثة من الأجناس الأخرى، وبالتالي فإن الجمرة الخبيثة لن تكون قادرة على تجنيب الأوروبيين الكارثة بالكامل، ولكنها ستقتل المزيد من الأعراق الأخرى.

وهناك احتمالات مختلفة للأسلحة البيولوجية، اعتمادًا على ما إذا كنت تريد دقة 100% أو كنت على استعداد لقبول بعض الأخطاء (الوفيات خارج المجموعة). قد يكون السلاح الأقل دقة مقبولاً للإرهابيين الذين يقبلون الضرر الجانبي، أو في الحالات التي تكون فيها العدوى موجودة بعيدًا عن البلد المهاجم.

Embed from Getty Images

الاختلاف هو الفكرة وراء سلاح حيوي «مشفر» يستهدف فردًا واحدًا بناءً على عينة من حمضه النووي. استخدم أحد السيناريوهات لإنشاء فيروس ينتشر مثل نزلات البرد أو الأنفلونزا بين السكان حتى يصل إلى هدفه، على سبيل المثال رئيس الولايات المتحدة، عندما يكون رد فعل على الشفرة الوراثية الخاصة بهم وقتلهم.

يُزعم أن العديد من الحكومات لديها بالفعل قواعد بيانات عن الحمض النووي لقادة العالم، وأن جهاز «المخابرات الأمريكية» يتخذ خطوات لحماية الحمض النووي والمواد الوراثية للرئيس، على الرغم من وجود أسباب أخرى للقيام بذلك غير تطوير الأسلحة البيولوجية والدفاع عنه ضدها. ولاحظت صحيفة «الأتلانتيك» أيضًا ارتفاع تكلفة التطوير، لكنها تشير إلى أن التحسينات في التكنولوجيا الحيوية يمكن أن تخفض السعر بسرعة.

هناك مشكلة أخرى تتعلق بالأسلحة البيولوجية وهي الطفرة: حيث يمكن لفيروس خاص بنمط جيني واحد أو مجموعة من الجينات أن يتحور لاستهداف مجموعة أخرى من الجينات، أو ينتشر في جميع أنحاء الجنس البشري.

وفقًا لتقرير جديد صادر عن «مركز كامبريدج لدراسة المخاطر الوجودية» والذي استعرضته صحيفة «التليغراف» البريطانية، يجادل الباحثون بأن حكومات العالم قد فشلت في الاستعداد للأسلحة المستقبلية القائمة على التكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي والتلاعب الوراثي أو حتى الممرض القاتل المصمم لقتل الأشخاص من عرق معين فقط.

ودعا التقرير على وجه التحديد إلى إنشاء مجموعات مستقلة لتقييم مخاطر مختلف التقنيات المستقبلية وتصنيف أي بروتوكولات موجودة بالفعل لحماية الناس منها. «لقد أصبحت التكنولوجيا أكثر تطورًا بأسعار أرخص من أي وقت مضى، مما أدى إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على القدرة على إلحاق الأذى بسرعة أكبر وبشكل قاتل»، طبقًا لما ذكر بالتقرير.

وأوضحوا أنه في السيناريو الأسوأ، يمكن بناء سلاح حيوي لاستهداف مجموعة عرقية معينة بناءً على ملفها الجيني. وفي النهاية، خلص الباحثون إلى أنه لا يمكننا الانتظار حتى تصبح تلك الأسلحة حقيقة قبل القيام بشيء جدي بشأنها.

الخلايا العصبية في الدماغ تتواصل عبر «الواي فاي»

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد