توصف مجتمعات شمال إفريقيا بكونها مزيجًا من العرقيات العربية والأمازيغية والإفريقية، بالإضافة إلى بعض الأقليات مثل العبرانيين والأوروبيين والطوارق، وقد شكلت هذه الأعراق على مر التاريخ هوية الثقافة المغاربية بشكلها الحالي اليوم.

تتميز العرقيات المغاربية بكونها أكثر تعايشًا وانصهارًا من أعراق المجتمعات المشرقية، التي تبدو أقل تجانسًا فيما بينها، وأكثر صراعًا.

هذا التمازج الشديد بين المكونات العرقية نسبًا وهوية، الذي تتسم به المنطقة المغاربية، يجعل من الصعب جدًا الفصل بينها سواءً على مستوى العرق أو الأرض أو اللغة أو حتى الثقافة، إذ تجد تداخلًا وانصهارًا بين مختلف الهويات، وهو الأمر الذي يتسبب في غياب أرقام دقيقة حول الانتماءات العرقية لسكان المغرب العربي، بيد أننا سنحاول رسم صورة تقريبية، استنادًا للحقائق المتوفرة لدينا، للخريطة العرقية بشمال إفريقيا.

العرب

يعد العرب بالإضافة إلى الأمازيغ المجتمعات العرقية الأكثر انتشار بالمنطقة المغاربية ككل.

عندما توفي النبي محمد عليه الصلاة والسلام عام 632م، كانت قبائل العرب التي تدين بالإسلام قد أحكمت سيطرتها على شبه الجزيرة العربية وتمكنت من فتح العديد من الأراضي المجاورة لها، هذا الوضع المستقر جعل دولة الإسلام توسع من طموحاتها، حيث زحفت الجيوش العربية خارج الجزيرة العربية لتغزو أوطانًا أخرى مثل مصر وشمال إفريقيا.

في سنة 647م خلال عهد عثمان بن عفان، شن العرب الذين يحملون معهم ثقافة وهوية إسلامية أول حملة فتح في شمال إفريقيا، حيث وجدوا فيها شعوب البربر تعيش هناك، تمكن المسلمون العرب في نهاية القرن السابع الميلادي مع عصر الأمويين من بسط نفوذ الإمبراطورية الإسلامية بشكل كامل في دول البحر الأبيض المتوسط بما فيها إسبانيا.

بدأ منذ ذلك الحين تواجد العرق العربي بشمال إفريقيا، حيث ازدادت أعدادهم وانتشرت ثقافتهم العربية على مر السنين في بلدان المغرب العربي، ووفد الكثير خلال الهجرات المتتالية والعلاقات التجارية.

لا نعلم بالتحديد عدد السكان العرب حاليًا بالمنطقة المغاربية، نتيجة تخالط الأعراق والأنساب، لكن بالتأكيد تجمع كل الدراسات أن العرب مع الأمازيغ يشكلون ما يقارب نسبة 90% من سكان شمال إفريقيا.

الأمازيغ

قبل قدوم العرب إبان الفتوحات الإسلامية بشمال إفريقيا في القرن السابع الميلادي، كانت شعوب البربر تسكن المنطقة المغاربية، وتقطن الجبال.

يسجل التاريخ أن مماليك أمازيغية عمرت المنطقة شمال إفريقيا أو أجزاء منها هناك منذ زمن بعيد، حيث نجد مملكة موريطانيا مع الملك بوكوس ويوبا في سنة 101 قبل الميلاد، وأيضًا مملكة نوميديا مع الملك ماسينيسا التي بسطت سيطرتها على الجزائر وتونس آنذاك قبل 202 سنة من الميلاد، بالإضافة إلى مملكة “الغرمنت” الأمازيغية التي استوطنت ليبيا.

خريطة انتشار الأمازيغ بمختلف طوائفهم بشمال إفريقيا

يتواجد حاليًا الأمازيغيون بكثافة في كل من المغرب والجزائر وليبيا، ولا زالت ثقافتهم وعاداتهم حاضرة بقوة في الثقافة المغاربية، وتعد اللغة الأمازيغية لغة رسمية مع اللغة العربية الفصحى والفرنسية لبلدان المغرب العربي.

تعايش الأمازيغ والعرب الذين وفدوا إليهم منذ مئات السنين، وتمازجت ثقافاتهم وحضاراتهم وأنسابهم، نتيجة علاقات المصاهرة والعيش المختلط، وكان دائمًا الدين الإسلامي يوحدهم، إذ عرفت المنطقة المغاربية إمبراطوريات إسلامية تقودها سلالات أمازيغية، مثل دولة المرابطين ودولة الموحدين خلال القرن الثاني عشر الميلادي.

لم يظهر خطاب تمييز الهوية بين العرب والأمازيغ، إلا في بدايات القرن الماضي حيث مارست الدول الاستعمارية سياسات التفريق بين شعوب المنطقة لتسهيل السيطرة عليها، وقد حققت نجاحًا نسبيًّا في ذلك، لكن ما أن نالت البلدان المغاربية استقلالها حتى عادت اللحمة العرقية المغاربية إلى سابق عهدها.

ابتداءً من العقدين الأخيرين برزت مجموعة من المنظمات الأمازيغية، التي تدافع عن “ثقافة ووجود الأمازيغ” في شمال إفريقيا، متهمة في ذلك ما تسميه “الغزو الإسلامي العربي الذي همش حضارتهم الأصلية”، كما لا تستسيغ “تسمية منطقة شمال إفريقيا بالمغرب العربي”.

تجنبًا للصراعات العرقية عملت بعض بلدان المغرب العربي في السنوات الأخيرة على ترسيم اللغة الأمازيغية وإدخال الثقافة الأمازيغية في أنظمة التعليم، ومنحها مزيدًا من الاهتمام الثقافي والفني والإعلامي.

الأفارقة

فولكلور كناوة ذو الأصول الإفريقية

ليس من الغريب تواجد العنصر الإفريقي في أعراق سكان شمال إفريقيا، إذ إن القرب الجغرافي يحتم ذلك.

عند الحديث عن العرق الإفريقي بالمنطقة المغاربية لا بد أن نميز بين نوعين من الأفارقة، فهناك المغاربيون ذوو الأصول الإفريقية، الذين هاجروا من صحراء إفريقيا إلى بلاد المغرب العربي منذ مدة طويلة، وتشربوا الثقافة المغاربية، وهم الزنوج الذي يسمون بمجتمع “الحراطين”، يتواجدون بكثافة في موريتانيا.

أما النوع الثاني من الأفارقة، فهم حديثو العهد، انتهى بهم المطاف بالاستقرار في بلدان المغرب العربي، بعدما باءت بالفشل محاولات هجرتهم نحو القارة الأوروبية، وهم عادة يعيشون على شكل مجموعات في المدن المغاربية التي تطل على البحر الأبيض المتوسط، مثل طنجة وغيرها.

يعاني السكان الإفريقيون عمومًا من التمييز العنصري والنظرة الدونية بدرجات متفاوتة في البلدان المغاربية، وقد اتهمت مجموعة من المنظمات الدولية بعض هذه الدول بممارسة التمييز العنصري ضد المهاجرين الأفارقة.

ولا تخلو الثقافة المغاربية من الفولكلور الإفريقي، يتجلى ذلك مثلًا في غناء “كناوة”.

العبرانيون

وهم يهود المغرب العربي، بزغ وجودهم في شمال إفريقيا منذ خراب الهيكل سنة 586 قبل الميلاد، لتتوالى هجراتهم، حتى تبلغ ذروتها في نهاية القرن الخامس عشر عندما طردت المماليك القشتالية المسيحية شعب المورسكيين بمختلف طوائفهم من الأندلس، حيث قدم الكثير من اليهود المورسكيين إلى المغرب خصوصًا.


يمكنك أن تلاحظ تناقص أعداد اليهود بشمال إفريقيا بدءًا من سنة 1940 حتى سنة 2000 من هنا.

وقد هاجر أغلبية اليهود المغاربيين إلى إسرائيل منذ بداية الاحتلال الصهيوني لفلسطين، غير أنه لا تزال طائفة منهم تعيش بشمال إفريقيا حتى الآن، حيث يسجل مركز حرية الأديان الأمريكي تواجد 4000 يهودي بالمغرب وحده.

تعد المجتمعات المغاربية أكثر انفتاحًا تجاه الطائفة اليهودية دون الإسرائيلية من المجتمعات المشرقية، نظرًا لكونهم كانوا جزءًا من النسيج الاجتماعي والتاريخ الحضاري للشعوب المغاربية في فترة من الفترات الماضية.

اقرأ: زيارة بيريز إلى مراكش.. هل يدري المغرب ما يفعله؟!

الأوروبيون

يرجع تواجد العرق الأوروبي بشكل بارز منذ القدوم القسري لسكان الأندلس نحو بلدان المغرب العربي، حينما قامت آنذاك الإمبراطورية الإسبانية بتطهير عرقي في حق المورسكيين، وكان أغلبيتهم مسلمين ذوي أصول من شبه الجزيرة الإيبيرية الأوروبية، حيث استقروا بشمال إفريقيا واستمر نسلهم هناك.

كما أن فترة الاستعمار في النصف الأول من القرن الماضي التي عرفتها البلدان المغاربية، شهدت استقرار العديد من المستوطنين الأوروبيين بالمنطقة، وقد استمر بقاء الكثير منهم حتى بعد استقلال تلك البلدان، بالإضافة إلى تفضيل العديد من الأجانب العيش بالمنطقة المتوسطية المغاربية لما تزخر به من مؤهلات طبيعية وسياحية.

شهدت منطقة شمال إفريقيا مرور العديد من الحضارات الأجنبية في تاريخها الحضاري العميق، مثل الحضارة الفينيقية القرطاجية، والحضارة البيزنطية، وبالتالي لا يستبعد بعض المؤرخين امتداد العرق الروماني ببلدان المغرب الكبير إلى أزمنة غابرة.

الطوارق



ينتمي شعب الطوارق إلى قبيلة “الجرمنت”، يستوطن الصحراء منذ آلاف السنين، يتواجدون في صحاري الحدود بين الجزائر وليبيا وبوركينافاسو ومالي، كما يتواجد بعضهم في صحراء موريتانيا.

ساهم الطوارقة في تشكيل الدولة المرابطية التي حكمت المغرب في سنة 1112م، كما يعتقد أن القائد طارق بن زياد ينتمي إلى قبيلة الطوارق.

يدينون بالإسلام، ولهم عادات وتقاليد مميزة، تتلاءم مع حياة الرمال في الصحراء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد