في جلسة استماع برلمانية مغلقة، انتقد رئيس أركان الجيش الفرنسي، الجنرال بيير دو فيلييه، خطط الرئيس إيمانويل ماكرون لخفض الإنفاق الدفاعي، قائلًا بأنه لن يسمح للحكومة بأن «تعبث» معه. تسرّبت التصريحات في وقت لاحق إلى الإعلام،وقالت بعض التقارير إن الجنرال استخدم لفظًا نابيًا. لكن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وفي خطابه السنوي أمام القوات المسلحة، انتقد موقف الجنرال دو فيلييه، قائلًا: «لا أعتقد أنه من المشرف إخراج بعض النقاشات إلى الملأ».

بعد ثلاثة أيام، قال ماكرون لصحيفة لو جورنال دو ديمونش: «ليس أمام رئيس الأركان سوى الموافقة على ما أقول». ومذكرًا بأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة،و أضاف: «إذا وقع خلاف بين رئيس أركان ‍الجيش والرئيس.. يذهب رئيس الأركان». وبعدما أوضح ماكرون أنه «لن يتهاون مع المعارضة العلنية من قبل الجيش»، قدم رئيس الأركان استقالته للرئيس الفرنسي، وسرعان ما أعلن المتحدث باسم الحكومة الفرنسية كريستوف كاستانير تعيين رئيس أركان جديد خلال 24 ساعة.

موقف ماكرون هو رجع صدى إعلان جورج كليمنصو، الذي قاد فرنسا في الحرب العالمية الأولى، أن «الحرب عمل مهم للغاية ولا يمكن تركه للجنود». لكن قبل أن يعلن كليمنصو هذا المبدأ بإيجاز وينفذه بفعالية، ظل الجيش في فرنسا لمدة ثلاث سنوات يصر على عقيدة معاكسة.

لم تكن فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي هادئة في التاريخ الفرنسي؛ إذ نشر كبار الجنرالات قواتهم ضد الأراضي الفرنسية، وهددوا باريس والرئيس مرتين في ثلاث سنوات فقط.

صحيحٌ أن نهاية الحرب الباردة أفرزت تفاؤلاً عريضًا حول مستقبل العلاقات المدنيةالعسكرية. لكن مايكل ديش يجادل في كتابه بأن السلطات المدنية لم تكن قادرة على ممارسة سيطرة أكبر على السياسات العسكرية وصنع القرار: « في زمن الحرب، لا يمكن للسلطات المدنية إلا أن تولي اهتمامًا وثيقًا بالمسائل العسكرية. وفي أوقات السلم، يقل اهتمام القادة المدنيين بالشؤون العسكرية؛ وبالتالي يسلمونها إلى الجيش في كثير من الأحيان». يستشهد ديش على ذلك بدكتاتورية هيندنبورجلودندورف في ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، ودور فرنسا في الأزمة الجزائرية.

قصة النفوذ العميق.. كيف سيطر الجيش على الإعلام في مصر؟

التجربة الفرنسية: الإصلاحات تنبعث من رماد الأزمات

لم تصل فرنسا إلى هذا المستوى من السيطرة المدنية على القوات المسلحة في قفزة واحدة، بل تطلب الأمر إصلاحاتٍ مضنية كانت تنبعث رويدًا من رماد الأزمات المتلاحقة، كما تشرح الجولة التاريخية التالية التي يصحبنا فيها مارك رونالد ديفور:

المعادلة الصعبة.. الكفاءة والولاء

خلق صعود الجمهورية الثالثة في عام 1870 معضلة لعملية صنع السياسة المدنيةالعسكرية. صحيحٌ أن المؤسسات العسكرية القائمة كانت قد أثبتت عدم فعاليتها، غير أن نهاية النظام الإمبراطوري جرفت أيضًا آليات ممارسة السيطرة المدنية على القوات المسلحة. وعلى مدى العقود المقبلة، سيحاول القادة السياسيون مرارًا وتكرارًا التوفيق بين متطلبات الكفاءة العسكرية والسيطرة المدنية على القوات المسلحة.

وبسبب ضخامة التحديات، ارتجلت حكومات الجمهورية الأولى حلولًا للمعضلة المزدوجة المتمثلة في بناء مؤسسة عسكرية فعالة وموالية للنظام في الوقت ذاته. كان الانهيار الكبير للجيش الفرنسي يعني أن إعادة بناء مؤسسات عسكرية ذات مصداقية ستتمتع بأولوية أكبر من معالجة المسألة المدنيةالعسكرية.

خلال السنوات الأولى من الجمهورية الثالثة، اعتمد الوفاق المدنيالعسكري على التعاون بين كادر صغير من الجنرالات المخلصين الأكفاء والسياسيين الجمهوريين الذين كانوا يحظون بالتقدير. كان القادة السياسيون يهدفون إلى إضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات التعاونية المدنيةالعسكرية خلال تلك الفترة، من خلال عزل الجيش عن السياسة، مع منح القيادة العليا سيطرة ذاتية على المسائل الإدارية والتشغيلية.

إطار قانوني.. محظورات وصلاحيات

دشن القادة المنتخبون إطارًا قانونيًا يهدف إلى تحقيق هذه الغاية: نزعت القوانين الصادرة في 1872 و1875 و1884 و1889 من الجنود والضباط حق التصويت والترشح للانتخابات. وفي عامي 1871 و1872 أصدر وضع وزير الحرب الجنرال إيرنست كورتو دي سيسي قوانين تأديبية تحظر على الجنود التعبير عن آرائهم السياسية. وفي مقابل عزل القوات المسلحة عن السياسة، منح القادة المنتخبون القيادة العسكرية العليا إدارة ذاتية للمسائل الفنية والإدارية والتشغيلية.

لعب وزراء الحرب دورًا حاسمًا في هذا النظام: خلال السنوات الثمانية عشرة الأولى من الجمهورية الثالثة، وعلى فترات متقطعة بعد ذلك، اختار القادة السياسيون وزراء الحرب من صفوف جنرالات الجيش ليكونوا بمثابة «سفراء» بين الجيش والدولة وبقية المجتمع. في البداية، تمتع وزراء الحرب بصلاحيات واسعة لتحقيق أهدافهم؛ فأشرفوا على التخطيط العسكري، وقيادة القوات المسلحة في حالة الحرب، وتمتعوا بالسلطة الوحيدة لعرض رغبات الجيش على الحكومة والجهات التشريعية والصحافة.

بدورها سمحت المؤسسات الجديدة لوزراء الحرب بممارسة سلطتهم الواسعة. وعندما شكلت الحكومة «هيئة الأركان العامة»، استنادًا إلى نموذج ألمانيا المنتصرة، جعلوا الهيكل الجديد تابعًا لوزير الدفاع. كما ترأس وزير الحرب «مجلس الحرب الأعلى»، الذي يجمع قادة عسكريين مهمين لتقديم المشورة بشأن المسائل الاستراتيجية والتنظيم. فيما عززت منظمة ثالثة، هي «الرقابة العامة على الجيوش»، قدرة الوزير على مراقبة تطبيق توجيهاته.

في البدء، كان هذا النظام يعمل بشكل جيد. لكن المؤسسات المدنيةالعسكرية في الجمهورية الثالثة بدأ يعتريها القصور؛ بموازاة تقاعد القادة السياسيين والعسكريين من حقبة الحرب الفرنسيةالبروسية أو وفاتهم.

Embed from Getty Images

ترياق «العسكري المستبد»

اندلعت أول أزمة مدنيةعسكرية هزت الجمهورية في عام 1886، بترشيح الجنرال جورج بولانجر وزيرًا للحرب. بصفته عضوًا في الحكومة، استغل بولانجر حقه في التعبير العلني للمطالبة باعتماد مجموعة من الإصلاحات العسكرية ونشر رسالة قومية ضارية. في أحضان الفزع المستشري إبان حرب 1887، أكسبت تصريحات  بولانجر العدوانية دعمًا شعبيًا، بموازاة زيادة احتمالية الحرب وتقويض الدعم البرلماني للحكومة.

بعد انهيار الحكومة، استغل الجنرال شعبيته لإطلاق حركة سياسية قومية معادية للجمهوريين. وبعد فوزه بمقعد تشريعي باريسي في يناير (كانون الثاني) 1889، حثه أنصاره على الاستيلاء على السلطة. غير أن ائتلاف بولانجر السياسي تفكك، قبل أن ينتحر هو نفسه بعدها بعامين تحت وطأة فشله السياسي.

سلطت أزمة بولانجر الضوء على الحالة المحفوفة بالمخاطر التي انزلقت إليها العلاقات المدنيةالعسكرية. صحيحٌ أن بولانجر كان يتمتع بدعم ضئيل داخل فيلق الضباط، إلا أن شرائح متعددة من الناخبين فضلت المستبد العسكري الجذاب على الحكومات المدنية سريعة الزوال. وقد سمحت السلطات الاستثنائية الممنوحة لوزير الحرب له بالقيام بهذا الدور.

كان رد فعل الحكومة الفوري على قضية بولانجر هو: تعيين شارل دو فريسينيه أول وزير حرب مدني للجمهورية. وعلى الرغم من استمرار تعيين الجنرالات وزراء للحرب لبعض الوقت، إلا أن ترشيح فريسينيه أنهى احتكارهم للمنصب.

الأهم من ذلك، أن فريسينيه سعى إلى تقليص دور وزير الحرب، بتقسيم صلاحيات الوزير السابقة بين شاغلي ثلاثة مناصب. كما عزز «هيئة الأركان العامة» وجعلها مستقلة عن وزير الحرب. لكن على عكس الجيش الألماني، لم يكن رئيس الأركان العامة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة في حالة الحرب.

انتقل هذا الدور إلى شاغلِ منصبٍ جديدٍ، هو: نائب رئيس «المجلس الأعلى للحرب». في ظل هذا النظام، لم يتمتع أي فرد بالسلطات الواسعة التي تمتع بها بولانجر. بدلًا من ذلك، شغل وزير الحرب دور حلقة الوصل بين الحكومة والجيش، وأشرف رئيس الأركان العامة على التخطيط للحرب، فيما استعد نائب رئيس المجلس الأعلى للحرب لقيادة الجيوش الفرنسية.

كبح تجاوزات الجيش

بعد فترة وجيزة من إسدال الستار على قضية بولانجر، أثبتت أزمة دريفيوس (1894 – 1899) تآكل العلاقات المدنيةالعسكرية إلى حد كبير. كانت إدانة ضابط الجيش اليهودي دريفوس، في قضية إرسال ملفات فرنسية سرية إلى ألمانيا، ظلمًا وقعت تبعته على عاتق وزير الحرب الجنرال أوجست مرسييه. وكانت تبرئة العميل الحقيقي الكابتن استرهازي خطأ تحملته القيادة العليا. بيد أن رفض مراجعة الحكم هو ما أقنع الزعماء السياسيين والمثقفين بأن الجيش كان مليئًا بالضباط المناهضين للجمهورية والمعادين السامية. ومن هنا نشأت أسطورة الجيش المناهض للجمهورية، الذي كافح الجمهوريون للسيطرة عليه وحاول القوميون، إقناعه بشن انقلاب.

أدى تغيير التصورات المتعلقة بالجيش إلى تشويه نمط العلاقات المدنيةالعسكرية في الجمهورية الثالثة، وهو ما تمخض عن ضغوط سياسية لتغيير التكوين العقائدي لفيلق الضباط والحد من استقلاليته ومعاقبة الجيش رمزيًا على تجاوزاته.

على هذا النسق استمرت الإصلاحات المنبعثة من رماد الأزمات عقدًا بعد عقد: أدت الهزيمة العسكرية في عام 1870 إلى إنشاء هيئة أركان عامة ضعيفة تابعة لوزير تكنوقراط حرب قوي. ثم أجبرت الأزمات المدنيةالعسكرية المتلاحقة (بولانجر، دريفوس) القادة المدنيين على مراجعة المؤسسات التي أنشأوها مؤخرًا، وإضفاء الطابع المدني على وزارة الحرب، وتعزيز «هيئة الأركان العامة»، ثم تقسيم القيادة العليا للجيش.

الإصلاحات الفرنسية الرئيسية (1870 – 1962)

الإصلاحات الفرنسية الرئيسية (1918 – 1962)

مثلما مهدت هزيمتا عامي 1870 و1940 لإصلاحاتٍ جديدة، تمخض زخم مشابه من رحم الأزمات المدنيةالعسكرية مثل قضية دريفوس وخلال الحرب الجزائرية. نتيجة لذلك، تطور الهيكل المؤسسي لعملية صنع سياسة الدفاع الفرنسية في ظل القيد المزدوج الصعب المتمثل في ضمان الولاء والكفاءة التنافسية للقوات المسلحة.

توضح هذه المسيرة الطويلة أن تطوُّر المؤسسات العسكرية والعسكرية-المدنية في فرنسا كانت نتيجة محاولات مستمرة من التجربة والخطأ. وأن الأزمات كنت فرصة لإدخال تغييرات كبيرة سواء على المؤسسات العسكرية أو المدنية-العسكرية.

التجربة البريطانية: الضرورات تقود الإصلاحات

بينما تطورت المؤسسات الفرنسية استجابةً لضرورات عسكرية ومدنيةعسكرية، تطورت نظيرتها البريطانية بهامشٍ أضيق استجابةً لمتطلبات الفعالية العسكرية. وفي حين لم تتجنب القوات المسلحة البريطانية السياسة بالضرورة، وكثيرًا ما دُفِعَت تجاه تفسير أوسع للاستقلال العسكري، إلا أنها في الوقت ذاته لم تكن محل شكوك فيما يتعلق باحتمالية العصيان التام أو تغيير النظام.

كان النمط السائد في تطور المؤسسات المدنيةالعسكرية البريطانية هو: تعزيز المؤهلات المهنية للضباط والإدارة المركزية للقوات المسلحة، بمجرد أن تُظهِر كارثة عسكرية أن الإصلاحات ضرورية.

ما مدى احتمالية حدوث انقلاب عسكري بريطاني؟

حين طرحت مجلة Vice هذا السؤال على خبير الدفاع نيك واتس، نائب مدير عام منتدى الدفاع البريطاني، جارى الافتراض التخيلي نظريًا، لكنه أكد على عدة حقائق:

أي جنرال عسكري سيواجه مقاومة كبيرة من داخل الجيش إذا حاول قيادة انقلاب ضد حكومة صاحبة الجلالة، التي يقسم أفراد الجيش يمين الولاء لها.

الجيش البريطاني صغير جدًا. يبلغ تعداد الجيش كله 80 ألف شخص فقط، بما في ذلك الأفراد غير المقاتلين مثل الأطباء والطهاة.

هذه تكهنات مسلية، ورغم السهولة التي قد يبدو عليها سيطرة القوات المسلحة على مقاليد البلاد، فإن احتمالية حدوث هذا السيناريو على أرض الواقع بعيدة جدًا.

رغم التشابه بين المملكة المتحدة وفرنسا، خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، في المجال الدفاعي، إلا أن هناك تناقضًا بين تجارب البلدين فيما يتعلق بالعلاقات المدنيةالعسكرية، كما أوضحت المعطيات السابقة المأخوذة من أطروحة ديفور (2009). إذ لم تشهد المملكة المتحدة أي أزمة مدنيةعسكرية كبرى، بينما شهدت فرنسا ست مرات صعود الجنرال إلى رئاسة الدولة بدون انتخابات، وعايشت تسع مرات محاولة الفصائل العسكرية أن تحل محل الحكومة.

كما كان متوقعًا، أدى هذا التاريخ الفرنسي المتوتر إلى تطوير مؤسسات مراقبة مدنيةعسكرية تسمح للقادة المدنيين بإدارة تفاصيل العقيدة والمشتريات والعمليات العسكرية. على العكس من ذلك، أدى سجل الوفاق المدنيالعسكري في المملكة المتحدة إلى احتفاظ القوات المسلحة بالسلطة على مجال مستقل من الكفاءة العسكرية.

وبرغم التناقضات، يظل مبدأ السيطرة المدنية على القوات المسلحة معترف به في كلتا الحالتين، لكن ممارسته تختلف على نطاق واسع، مع تقسيم وظيفي للعمل في الحالة البريطانية وسيطرة مدنية أكثر تدخلًا في التجربة الفرنسية.

حين تفرغ الدول من هذا الصداع الداخلي، يكون بإمكانها التحليق إلى آفاق أرحب، مثل تشكيل جيش أوروبي موحد، وهو اقتراحٌ أيده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأوروبية الأكثر انتشارًا في الخارج، وقريبًا القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، وتردد صداه في خطاب لاحق ألقته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمام البرلمان الأوروبي، مع بعض التحذيرات.

الإصلاحات البريطانية (1793-1899)

كانت الندرة النسبية والمخاطر المحدودة لحروب القرن التاسع عشر بين بريطانيا والقوى العظمى الأوروبية سببًا في تعزيز درجة لا مبرر لها من الرضا عن النفس في المؤسسات العسكرية. وفي الوقت ذاته، كان ولاء القوات المسلحة الذي لا شك فيه للدولة يعني أن السياسيين كانوا مستعدين لقبول الأحكام المهنية التي تصدرها القيادة العليا، وتلبية مطالب القوات المسلحة للحصول على درجة عالية من الاستقلال التشغيلي.

الإصلاحات البريطانية (1899-1945)

كان القادة السياسيون البريطانيون مترددين في تحدي صلاحيات الخدمات والوكالات القائمة، ولم يفعلوا ذلك إلا عندما أثبتت التجربة العسكرية ضرورة الإصلاح. وعلى الرغم من أن لجنة هارتنغتون أوصت بإنشاء هيئة أركان على الطراز البروسي في أواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر، إلا أن تحفيز الإصلاح الفعلي تطلب المرور أولًا بتجربة حرب البوير. ورغم حقيقة أن مقترح وزارة الدفاع الموحدة طُرِح مبكرًا في نقاش عام 1890، لم يُمنَح لقب وزير الدفاع قبلة الحياة مؤقتًا سوى في عام 1940.

الإصلاحات البريطانية الرئيسية (1945-1985)

كان التدرج نتيجة حتمية للتعامل مع خدمات مسلحة محافظة تنظيميًا، وتحظى خبراتها المهنية باحترام. وفي كثير من الأحيان، جاءت المبادرة من ضباط الجيش أنفسهم. حتى عندما دافع الوزراء عن الإصلاح، أثبتوا عادة عدم رغبتهم في تخطي رؤساء الأركان ولم يحاولوا الإصلاح إلا عندما كانوا يحظون على الأقل بدعم جزء من القيادة العليا.

نتيجة لذلك، كانت سرعة الإصلاح مرتبطة بتصورات المهنيين العسكريين الذين لم يعجبهم التغيير المتسرع. وبالنظر إلى هذا الدور العسكري في الإصلاحات، فلا غرو أن تؤدي التغييرات المؤسسية إلى تعزيز الاستقلال العسكري عن طريق الحد من قدرة القادة المدنيين على استغلال التنافس بين الخدمات العسكرية.

ما أهمية السيطرة المدنية على القوات المسلحة؟

في الدول التي شهدت درجة عالية من الصراع المدنيالعسكري، يطور القادة السياسيون الآليات المؤسسية لحماية الدولة من الجيش. ولكن عندما تختفي التوترات المدنيةالعسكرية تدريجيًا، نتيجة للتحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي، تمكن هذه الآليات الرقابية المدنيةالعسكرية القادة السياسيين من ممارسة درجة عالية من السيطرة على الأنشطة العسكرية.

وفي الدول التي تتمتع بعلاقات مدنيةعسكرية متجانسة، لا يكون ثمة حافز لدى القادة السياسيين لتطوير آليات سيطرة تدخلية. بدلًا من ذلك، تتطور العلاقات المدنيةالعسكرية على خطوط وظيفية أكثر، حيث تمارس القوات المسلحة الحرية داخل مجال السلطة المفوضة. ونظرًا للتكاليف السياسية والإدارية للتغيير من نظام إلى آخر، والغموض في النتيجة، تظهر الدول الصناعية المتقدمة استمرارية في كيفية صياغة السياسات الدفاعية. وبالتالي فإن سياسة الدفاع الحالية هي أثر لاحق للعلاقات المدنيةالعسكرية السابقة.

هذا ما يُطلَق عليه نظرية «الإرث المدنيالعسكري»، وهي توفربحسب ديفور ثلاث رؤى جديدة في مجالات الدراسات الأمنية والسياسة المقارنة:

  • أولًا: لا يوجد نموذج واحد سائد أو مثالي لكيفية سيطرة القادة المدنيين على قواتهم المسلحة. بدلاً من ذلك، هناك نموذجان على الأقل، كل منهما يجسد نقاط قوة وضعف نسبية.
  • ثانيًا: الأحداث المدنية والعسكرية في الماضي البعيد أحيانًا تشكل كيفية صياغة السياسات الدفاعية، حتى في الدول الصناعية المتقدمة التي أضحت محصنة اليوم ضد التدخلات العسكرية في السياسة.
  • ثالثًا: مع الاعتراف بأن الدول تتبنى أنماطًا فريدة في صناعة سياسات الدفاع، وتمتلك مزايا مؤسسية نسبية، تظل أحد المهام الرئيسية لعلماء الدراسات الأمنية هي تحديد وفهم الخصائص المميزة لكل دولة.

رغم كل ما يُقال عن النهج الأوروبي الموحد والقيم المشتركة، إلا أن الآليات الفعلية التي تحكم العلاقات المدنيةالعسكرية تختلف اختلافًا كبيرًا من بلدٍ إلى آخر؛ نتيجة مسيرة طويلة من التكيُّف مع الظروف المحلية. على سبيل المثال، قد تدفع الاحترافية المؤسسة العسكرية إلى التدخل في السياسة؛ مثلما قام الجيش الألماني قبل الحرب العالمية الثانية بدور كبير في السياسة الوطنية. على نقيض الجيش البريطاني في القرن التاسع عشر، الذي امتنع عمومًا عن التدخل في السياسة الداخلية.

مع ذلك، يمكن تلخيص المعايير الأساسية لإدارة العلاقات المدنيةالعسكرية في دول الاتحاد الأوروبي كالتالي:

قوات مسلحة محايدة سياسيًّا.

إشراف حكومي على «هيئة الأركان العامة» من خلال وزارات الدفاع.

صلاحيات رقابية واسعة للبرلمان.

تبعية عامة وواضحة للقوات المسلحة للحكومات المنتخبة ديمقراطيًّا.

صحيح أن هناك العديد من الاختلافات في التفاصيل بين دول الاتحاد الأوروبي، لكنها لا تقوض أوجه التشابه الأساسية في النهج المتبع لإدارة العلاقات بين الحكومات المدنية والمؤسسات العسكرية.

هناك مفهومان متعارضان للعلاقات المدنيةالعسكرية: فمن ناحية، هناك من يؤكد أن التدريب والخبرة يجهزان المهنيين العسكريين فقط لإصدار أحكام محددة حول العمليات والعقائد والخطط العسكرية. ولكن من ناحية أخرى، هناك من يتبنى إعلان جورج كليمنصو أن «الحرب أهم من تُترَك للجنرالات»، ويرى أن القادة السياسيين يجب أن يتدخلوا في كافة جوانب الاستعداد للحرب إذا أرادوا الحصول على النتائج المرجوة.

استنادًا إلى خبرة طويلة في دراسة العلاقات المدنيةالعسكرية، يقول ريتشارد كون، من جامعة نورث كارولينا: «الجيش بالضرورة من بين المؤسسات الأقل ديمقراطية في تاريخ التجارب الإنسانية؛ إذ تتعارض التقاليد والإجراءات العسكرية بطبيعتها مع الحرية الفردية والحرية المدنية، وهما أعلى القيم في المجتمعات الديمقراطية».

كما تؤكد السلطة في الجيش على التسلسل الهرمي؛ بحيث يتصرف الأفراد والوحدات وفقًا لنوايا القادة، ويتمكنون من النجاح في ظل أسوأ الظروف المادية والضغوط النفسية.

صحيحٌ أن العديد من القيم المهنية للجيش –الشجاعة والصدق والتضحية والنزاهة والولاء والخدمةتتبوأ مكانة رفيعة بين أكثر القيم احترامًا في تاريخ التجربة الإنسانية، بيد أن القواعد والعمليات المتأصلة في المؤسسات العسكرية تبتعد كثيرًا عن أسس المجتمع الديمقراطي.

أما البديل فهو مايحذر منه العقيد متقاعد لورنس ويلكرسون، مدير مكتب وزير الخارجية كولن باول في إدارة جورج دبليو بوش: «جيش أوحد يتولى المسؤولية منفردًا عن توفير ما يحتاج إليه من أجل مزيد من الفتوحات العسكرية، وتدبير الأموال اللازمة لتمويل تلك الفتوحات، ولديه استعداد لتحدي القيادة المدنية لدفع أجندته. باختصار: مثلما يحدث في الدولعذرًا المتخلفة».

بين قايد صالح وحسين طنطاوي.. تشابهت المسارات فهل تتشابه النتائج؟

المصادر

تحميل المزيد