تركيا، وصربيا، والجبل الأسود (مونتنيجرو)، وألبانيا، ومقدونيا، هي الدول الخمسة الأبرز، التي تطمح لدخول الاتحاد الأوروبي منذ سنوات، ومنذ بضعة أيام كانت جميع هذه الدول قريبة من الانضمام للاتحاد الأوروبي، لكن على ما يبدو، فإن تركيا ما تزال بعيدة عن ذلك.

ويأتي ذلك في مرحلة من التحول في السياسات الخارجية لعدد كبير من الدول الكبرى، فضلًا عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بتصويت شعبي شارك فيه الملايين.

ورغم وجود عدد آخر من الدول التي تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مثل البوسنة والهرسك، وكوسوفو، والبلقان، إلا أن الدول الخمسة سابقة الذكر، كانت الأقرب إلى الانضمام، بيد أن تركيا، وعلى ما يبدو، باتت بعيدة عن هذا الترشيح، على الأقل مُؤقتًا.

ما الذي حدث؟

«تصرفات الحكومة التركية تقودها بعيدًا عن مسارها الأوروبي»، هكذا نص قرار البرلمان الأوروبي، غير الملزم، بتجميد محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مؤقتًا، والذي صدر يوم الخميس الماضي، الموافق 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.

ويأتي القرار بعد عدة تحذيرات أوروبية إلى الجانب التركي، من السياسات التي وصفها البرلمان الأوروبي بـ«التدابير القمعية المفرطة»، في ظل حالة الطوارئ التي فرضتها الدولة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تمّوز) 2016 الماضي.

ورغم تأكيد أعضاء البرلمان الأوروبي، في بيانٍ لهم، على أهمية تركيا كشريك للاتحاد الأوروبي، غير أنهم يرون أن الشراكة مع تركيا يجب أن تكون في كل المجالات، وليست في التعاون الاقتصادي فقط؛ زاعمين أن الدولة التركية لا تظهر إرادة سياسية حقيقية تجاه التغيير الحقيقي والشراكات في النواحي السياسية مع الاتحاد الأوروبي.

البرلمان الأوروبي

كما أكد أعضاء البرلمان الأوروبي، على أن إدخال الحكومة التركية لعقوبة الإعدام إلى الأحكام الصادرة من قبلها، هو بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير»، أي أنها السبب الأبرز المُباشر وراء قرار تجميد المحادثات، مُشيرين إلى أن الرفض القاطع لعقوبة الإعدام، عنصرٌ أساسي من مكتسبات الاتحاد الأوروبي.

وتمت الموافقة على القرار بأغلبية الأصوات، بعدد 479 صوتا موافقا على تعليق وتجميد المحادثات حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مقابل 37 رفضوا ذلك، مع امتناع 107 أعضاء عن التصويت.

هل يتخلى أردوغان عن حلم الاتحاد الأوروبي؟

تنص المادة الخامسة من شروط التفاوض حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي على أنه «في حالة وجود انتهاك خطير ومستمر من قبل تركيا لمبادئ الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، وسيادة القانون الذي يقوم عليه دول الاتحاد الأوروبي، فإن اللجنة وحدها تقرر، سواء بمبادرة منها أو بناء على طلب ثلثي الدول الأعضاء، تعليق المفاوضات مع تركيا، واقتراح شروط لاستئنافها لاحقًا».

ورغم أن القرار الذي صوت عليه البرلمان الأوروبي غير ملزم قانونيًا، إلا أن له أثر كبير على قرار لجنة المفاوضات، كما أنه يُكثِّف الضغوط على الدولة والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للعدول عن سياساته.

ولا يعتبر البيان الأوروبي، التحذيرَ الأول لتركيا بشأن ما توصف بـ«الانتهاكات والسياسات القمعية» التي تتخذها؛ إذ اتهمت المفوضية الأوروبية، تركيا، بالتراجع بـ«درجة خطيرة»، فيما يتعلق بالحقوق وحكم القانون، منذ محاولة الانقلاب الفاشل في 15 يوليو) تموز) الماضي، وذلك بعد القبض على رئيسي حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وثاني أكبر أحزاب المعارضة، وثالث أكبر الأحزاب في الدولة.

كما قال مفوض شؤون توسيع الاتحاد الأوروبي، يوهانس هان، على حسابه الشخصي على موقع التدوينات القصيرة، تويتر، إن «الإجراءات التي شهدتها تركيا عقب محاولة الانقلاب أثرت على شرائح المجتمع كافة»، مُشيرًا إلى أن العمليات الواسعة من الاعتقال والقبض والفصل والوقف عن العمل، تبعد تركيا عن الانضمام للاتحاد الأوروبي.

كما أكد رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود، على أنّ إجراءت تركيا الأخيرة منذ محاولة الانقلاب الفاشل، تجعلها تتحرك في طريق أبعد عن الاتحاد الأوروبي، مضيفًا أن «نحن في حاجة إلى تركيا، ولكن لا يمكننا أن نساوم بشأن مبادئنا».

رد الفعل التركي

من جانبه، هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بفتح الحدود أمام المهاجرين الراغبين في التوجه إلى أوروبا، وذلك بعد تصويت البرلمان الأوروبي على قرار تجميد المحادثات والمفاوضات بشأن انضمام تركيا للاتحاد.

وكانت تركيا قد وقعت على اتفاق مع الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي، ينص على غلق الحدود التركية مع أوروبا أمام اللاجئين، وفي المقابل، يستطيع المواطنون الأتراك دخول دول الاتحاد الأوروبي دون تأشيرة الدخول الأوروبية (شنجن).

وقال أردوغان في خطابه الذي ألقاه في إسطنبول: «اسمعوني جيدًا، إذا تماديتم فإن هذه الحدود ستفتح، تذكروا ذلك»، مضيفًا: «حين احتشد 50 ألف مهاجر على مركز كابي كولا الحدودي بين تركيا وبلغاريا، طلبتم المساعدة وبدأتم تتساءلون: ماذا سنفعل إذا فتحت تركيا حدودها؟».

وجدير بالذكر أن الدولة التركية اتخذت عددًا من السياسات المختلفة منذ محاولة الانقلاب الفاشل في يوليو (تمّوز) 2016؛ إذ سرحت ما يزيد عن 100 ألف عامل وموظف حكومي في القطاع العام، بما في ذلك عدد من ضباط الشرطة، والمعلمين، والجنود، وذلك بتهمة تورطهم في محاولة الانقلاب الفاشلة.

وبالإضافة إلى ذلك، أغلقت السلطات التركية ما يزيد عن 107 وسيلة إعلامية، ما بين مواقع إخبارية، أو قنوات إخبارية، أو صحف مطبوعة، أو غيرهم، فضلًا عن اعتقال العشرات من الموظفين في القطاع العام، أو من المعارضين للرئيس التركي، أو من مؤيدي فتح الله جولن، أو من الأكراد، أو من غيرهم، وذلك بتهمة التخطيط للانقلاب وقلب نظام الحكم.

حلم الاتحاد الأوروبي

تقدمت تركيا بطلب رسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في 14 أبريل (نيسان) 1987، وكانت تركيا عضوًا منتسبًا مشاركًا في الاتحاد منذ عام 1963، وذلك بحسب اتفاقية أنقرة، كما كانت أحد الأعضاء المؤسسين للمجلس لأوروبي عام 1949، فضلًا عن كونها عضوًا مؤسسًا أيضًا في عدد من المؤسسات الدولية الأوروبية، مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 1961، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا عام 1971، واتحاد أوروبا الغربية حتى تاريخ نهايته منذ عام 1992 وحتى 2011.

وكانت تركيا قد وقَّعت اتفاقية الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي عام 1995، كما تم الاعتراف بها رسميًا كمرشح للعضوية الكاملة للاتحاد الأوروبي في قمة هلسنكي للمجلس الأوروبي في 12 ديسمبر (كانون الأول) 1999.

وبدأت المفاوضات منذ الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2005، وما زالت مستمرة إلى الآن. وتتكون معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، عدة تقارير وفصول حول موضوعات مختلفة، يصل عددها إلى 35 موضوعًا، أبرزها تحرير المنتجات، والعمالة، وقوانين الشركات، وحرية تداول المعلومات، والخدمات النقدية، والضرائب، والطاقة، وسياسات البيئة، والسياسات الخارجية والأمنية، وغيرها من الموضوعات الهامة التي تؤثر على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة.

ومن بين 35 فصلًا يتم الحكم من خلالها في إمكانية دخول هذه الدولة إلى الاتحاد الأوروبي من عدمه، تمت مناقشة 16 فصلًا فقط في الحالة التركية.

ماذا لو انضمت تركيا للاتحاد الأوروبي؟

ليست ثمة مميزات فقط، أو عيوب فقط من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، سواءً على تركيا أو على الاتحاد، بخاصة وأن الاتحاد الأوروبي في موقف لا يُحسد عليه، بعد خروج بريطانيا منه، ثم فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، والذي قد يعني توترًا في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى ذلك، هناك المخاوف من صعود اليمين المتطرف في الانتخابات الفرنسية المقبلة.

الاتحاد الأوروبي في موقف لا يحسد عليه

وعليه لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي، يُحقق طموحات تركيا، في الحال التي هو عليها الآن، بل ربما يبدو عدم اهتمام أردوغان بالتعليقات الأوروبية على ما يصفونه بـ«سياسات القمع»، عدم اهتمام أصيل منه بدخول بلاده للاتحاد الأوروبي.

في المقابل، يبدو موقف الاتحاد الأوروبي ضعيفا أمام تركيا، التي كثيرًا ما يلعب رئيسها على وتر الحاجة الأوروبية لها، بخاصة في ملف اللاجئين والقضية السورية وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وهناك ثلاثة جوانب رئيسية، يُرجح أن لها تأثيرًا على الطرفين، حال دخول تركيا الاتحاد الأوروبي؛ الجانب الأول الجغرافي، فمن المتوقع أنه حال دخول تركيا الاتحاد الأوروبي، فإنها ستتأثر جغرافيًا بشكل إيجابي، فبسبب موقعها الجغرافي الوسيط بين آسيا، وأوروبا، وبينهما وبين الشرط الأوسط، قد تُصبح إسطنبول قلبًا للعالم.

أمَّا سياسيًا، فإن انضمام تركيا التي تعتبر القوة الثانية في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من ناحية العدد، سيكون إضافة جديدة للأمن الأوروبي والبعد الجيوستراتيجي، وذلك نظرًا لإخلاص الدولة التركية لحلف الناتو على مدار السنوات السابقة.

لكن على جانب آخر، فإنها ستتخذ سياسات تعارض مبادئ الاتحاد الأوروبي، وذلك بحجة «مكافحة الإرهاب» إثر محاولة الانقلاب الفاشل، مما يصعب الجانب السياسي في مميزات تركيا بالانضمام للاتحاد الأوروبي الآن.

أمَّا اقتصاديًا، فإن إضافة 75 مليون مستهلك جديد للسوق الأوروبية الموحدة المشتركة، سيكون إضافة كبيرة وحياة جديدة لاقتصاد الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن المستوى المرتفع للناتج المحلي الإجمالي للأتراك، والذي ارتفع العام الماضي بنسبة 3.5%، كما أنه نجا من الأزمة المالية الاقتصادية التي اجتاحت الدول الأوروبية عام 2008.

وعليه، وإذا صحّت تلك التوقعات، فيبدو أن الاتحاد الأوروبي أكثر حاجة إلى تركيا، من حاجتها إليه، وهنا يُطرح التساؤل الخاص بـ«هل حقًا تُريد تركيا الآن دخول الاتحاد الأوروبي؟»

عرض التعليقات
تحميل المزيد