حركة أمريكية اقتبست منها النازية في ألمانيا. ظهرت في أوائل القرن الماضي في أمريكا حركة تنشد «التطهير العرقي» بهدف «تحسين النسل» لتحسين الجنس البشري بتحفيز تكاثر الأشخاص من ذوي الصفات الجينية «الجيدة».

تلك القصة التي بدأت فكرةً علمية تحولت لسلاح خلّف أبشع الجرائم وأفكار الاضطهاد والعنصرية، إذ قادت الحركة حملةً في أمريكا لسن تشريعات ملزمة بالـ«التعقيم الإجباري»، ونزعت حق الإنجاب قسرًا من الآلاف من الهنود الحمر والمهاجرين والفقراء.

في هذا التقرير نستعرض قصة «حركة تحسين النسل» الأمريكية، وتاريخها وتطورها وبعضًا من أغرب الحقائق عنها.

فرانسيس جالتون: عالم مهموم بتحسين البشر

تأسس علم تحسين النسل أو ما يعرف باسم «اليوجينيا» على يد العالم الإنجليزي فرانسيس جالتون، الذي تأثر بشكلٍ كبير بابن عمه العالم الشهير تشارلز داروين وكتابه «أصل الأنواع»، فأخذ يروج لأفكارٍ تدعو لتحسين البشرية عن طريق «التكاثر الانتقائي». كان الأمر يشبه تمامًا ما يفعله بعض مربي الحيوانات من اختيار أفراد القطيع الحاملين للجينات الوراثية الجيدة ومساعدتهم على التزاوج من أجل تحسين النوع.

آمن جالتون أن العبقرية موروثة، وأن نجاح الأفراد يعود إلى جيناتهم الأولية وطبيعتهم، وهو الأمر الذي دفعه إلى إعلان معتقداته هذه حول تحسين النسل البشري وتشجيع زيجات الأشخاص من ذوي الصفات الجينية «الجيدة»، وذلك في كتاباته عن الموهبة والشخصية وتدخل العوامل الوراثية فيهما.

وفي عام 1883، قام عالم الأحياء البريطاني بدمج جذور الكلمتين اليونانيتين «أصل» و«جيد» ليصيغ مصطلحًا جديدًا:«اليوجينيا»، وهو الاسم المعاصر لعلم تحسين النسل، والذي يفترض أن الجنس البشري يمكن أن يتطور بالتكاثر انتقائيًا وباستخدام مبادئ علم الوراثة التي وضعها مؤسسه جريجور مندل.

«كان جالتون عبقريًا بما لا يدع مجالًا للشك، لكنه كان شخصية مجنونة غريبة الأطوار»

*توم فيليبس، كتاب موجز تاريخ الفشل

لجالتون إسهامات علمية غزيرة وثرية لم تنحصر في تحسين النسل وامتدت لعلم الإحصاء وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا. فضلًا عن إسهاماته في مجالات علم النيازك وعلم الأرصاد الجوية، والتي يذكر توم فيليبس في كتابه «موجز تاريخ الفشل» أنها ما زالت تساعدنا حتى يومنا هذا، إذ كان للعالم البريطاني دور هام في رسم خرائط الطقس اليومية، كما أسهم في تحديد هوية الأشخاص عن طريق «بصمات الأصابع».

Embed from Getty Images

العالم البريطاني فرانسيس جالتون، الذي صاغ مسمى «علم تحسين النسل»

يذكر فيليبس أن جالتون كان مهووسًا بالعلم ووضع مقاييس علمية لكل شيء، إلا أنه خصص الجزء الأخير من حياته لدراسة علم تحسين النسل، والذي ظلَّ في مركز اهتمامه رغم اختصاصاته الأخرى. وتدور مؤلفاته حول فرضية أن الصفات العقلية والجسدية موروثة بنسب متساوية، بمعنى أن الصفات العقلية تنتقل من جيل إلى جيل بالنسبة ذاتها التي تنتقل بها الصفات الجسدية. ولكن هدفه من الفكرة خلق مجموعة سكانية متفوقة وراثيًا لا إبادة الضعفاء. ولكن هذا المسار وظف في اتجاه مختلف تمامًا مع بداية القرن العشرين، وأصبح علم تحسين النسل أداةً لترويج وتطبيق حملات «تطهير عرقي» جماعية.

النازية تستعير بعض الأفكار من أمريكا

كانت أفكار جالتون من الأساسات التي ألهمت أدولف هتلر وعلماءه وسمحت لهم بتقديم أفكارهم في غطاء علمي بهدف تحقيق وهم سيادة «العرق الآري». ورأى النازيون آنذاك أن صناعة عرق يتسيد العالم تبدأ من حملات إبادة «الضعفاء»، وهو ما جعل «علم تحسين النسل» يرتبط في الأذهان بمعسكرات النازية والتطهير العرقي.

إلا أن الصحافي الأمريكي إدوين بلاك يفجر قنبلة تاريخية في كتابه «الحرب ضد الضعفاء»، ويربط بين الأفكار العنصرية النازية وممارساتها في الولايات المتحدة، ويذكر أن أصل أفكارهم «مستورد» من أمريكا قبل مجيء هتلر بعقود.

ويغطي كتاب بلاك جزءًا كبيرًا من تاريخ علم تحسين النسل بدايةً من مؤلفات جالتون وصولًا إلى قلق علماء القرن العشرين من «الانحطاط العرقي»، والذي نتج عنه سن تشريعات إلزامية بالـ«التعقيم الإجباري» في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا مثل السويد، كما شجع العلماء على تقييد الهجرة لمنع «غير اللائقين وراثيًا» من الوصول للولايات المتحدة.

بدأت في ذلك الوقت مؤسسات أعمال خيرية أمريكية، بحسب بلاك، تعمل على تمويل أبحاث «تحسين النسل»، خاصة مؤسستي «كارنيجي» و«روكفلر»، اللتين تعاونتا مع الجامعات المرموقة وأفضل العلماء المهتمين بـ«علم الأعراق» لخدمة الأهداف العنصرية لعلم تحسين النسل.

عام 1904، أنشأت مؤسسة «كارنيجي» -بحسب بلاك- معملًا داخل مختبر «كولد سبرينج هاربور (CSHL)»، وواحدة من أهدافه تجميع معلومات حول أفراد الشعب العاديين ليستخدمها الباحثون فيما بعد لتحديد أي العائلات وسلالات الدم الأمريكية يجب محوها بالكامل. أما مؤسسة «روكفلر»، فقد ساعدت على تأسيس برنامج «تحسين النسل» الألماني، كما أنها مولت مشروعًا آخر كان يعمل عليه ملاك الموت النازي، جوزيف منجليه، والذي اشتهر فيما بعد بإجراء التجارب المميتة على البشر في معسكرات الاعتقال.

مجتمع

منذ 5 سنوات
في ذكرى الهولوكوست.. نماذج لبشر تحدوا الموت ونجوا من النازية

عن ذلك يقول بلاك إن برنامج كاليفورنيا لتحسين النسل كان قويًا إلى درجة أن النازيين طلبوا المشورة فيما يخص برامجهم، كما أن هتلر قد افتخر باطلاعه على التجربة الأمريكية في الحد من «التكاثر غير اللائق».

«التعقيم الإجباري».. مصير الهنود الحمر والمهاجرين والفقراء

إذًا ما حكاية حركة تحسين النسل الأمريكية؟ نشأت الحركة في أوائل القرن العشرين على يد عالم الأحياء تشارلز دافنبورت (1866-1944)، الذي أسس عام 1910 مكتب سجل تحسين النسل، من أجل تطوير الصفات الطبيعية والعقلية والجسدية للبشر، وقد كان المدير الأول للمركز هو المعلم السابق والمهتم بعلم الوراثة والتكاثر، هاري لافلين.

عمل المركز على جمع وتسجيل جميع أنواع البيانات الخاصة بالعائلات الأمريكية وخصائصها الوراثية وسماتها، وادعوا أن السمات العائلية السلبية ناجمة عن «جينات سيئة» وفقط، لا بسبب الرؤية السياسية أو العنصرية السائدة آنذاك أو الوضع الاقتصادي للعائلات. اتجهت التشريعات نحو إزالة «السمات» غير المرغوب فيها من البشر، وشملت الإعاقات الذهنية والجسدية، ومكافحة اختلاط الأعراق والتقزم والطبيعة الإجرامية، وهي السجلات التي استخدمت فيما بعد لتشريع «التعقيم الإجباري»، لإجبار آلاف البشر على عدم التكاثر.

عن ذلك يقول إدوين بلاك إن الحركة قد أسست في وقت عانت فيه الولايات المتحدة من صراعٍ عرقي أدى إلى الاضطرابات والفوضى، وهو ما أشعل المشكلات العرقية بين الطبقات، ويرى أن هدف علماء تحسين النسل لم يكن الوصول إلى أشخاص أقوياء وموهوبين وعباقرة بقدر ما كان بغاية التخلص من الأقليات والعبيد المحررين والمهاجرين الآسيويين والهنود، ليرث «الرجل الأبيض» وسلالته الأرض.

نتج عن ذلك أن أقرت 31 ولاية أمريكية قوانين التعقيم الإجباري لتعزيز «النظافة العرقية»، إذ رأت في السماح لأشخاص غير لائقين وراثيًا بالتكاثر أمرًا يساعد على «الانحطاط العرقي». وقد كانت ولاية كاليفورنيا عام 1909 ثالث ولاية تتبنى تلك القوانين العنصرية والتعسفية، فمنع زواج الآلاف، وكانت كاليفورنيا بؤرة حركة تحسين النسل داخل الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقود الأولى من القرن العشرين.

مقطع مصور عن أحد ضحايا حركة التعقيم الإجباري

تشير مجلة «Nature» العلمية إلى أن «علم تحسين النسل» قد تحول في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي من حركة أكاديمية إلى «حركة شعبية»، أسست على إثرها «الجمعية الأمريكية لتحسين النسل»، هذا بالإضافة إلى العديد من الجمعيات والمراكز المحلية. وظهرت بعض المسابقات الخاصة داخل المجتمع الأمريكي، تحتفي بـ «الأسرة المثالية» و«الطفل المثالي»، والتي تبارى فيها أفراد المجتمع للفوز بجائزة الجينات الأفضل.

وبدأت الأفلام والكتب في الترويج لأفكار تحسين النسل، لإقناع المجتمعات أن البشرية ليست في حاجة إلى طفلٍ آخر منبوذ، وهو ما صوره فيلم «The black Stork» عام 1917، والذي تدور قصته حول طبيب يقوم بعملٍ بطولي عن طريق إقناع أسرة بضرورة موت طفلها الرضيع بعد ولادته لأنه كان مصابًا بالزهري. والقصة حقيقية وشخصها هاري هايسيلدين، طبيب أمريكي أدار مستشفى في ولاية شيكاجو واشتهر برفضه لمعالجة الأطفال ذوي الأمراض الشديدة وتركهم ليموتوا في محاولة منه لتحسين النسل البشري.

تشير المجلة إلى سعي حركة تحسين النسل الأمريكية للتخلص من «السمات السلبية»، والتي تمثلت بالنسبة إليهم في الأقليات والطبقات الفقيرة والمعدومة. وهو ما نتج عنه تعقيم أكثر من 60 ألف شخص داخل المؤسسات العقلية الأمريكية، معظمهم كانوا من النساء. كما سعوا للتخلص من المهاجرين إلى نيويورك من اليهود والإيطاليين عن طريق الترحيل أو الاعتقال أو التعقيم القسري. وهي الجهود التي مولت من قبل كبرى العائلات في الولايات المتحدة، مثل عائلة «هاريمان» خبراء السكك الحديدية.

ركزت جهود «التعقيم القسري» في البداية نحو المعاقين، وهو الأمر الذي تطور بمرور الوقت ليشمل «الفقراء»، حتى وصل الأمر عام 1927، إلى أن سعت ولاية فرجينيا نحو تعقيم امرأة تعرضت للاغتصاب، لأنها أنجبت طفلًا خارج إطار الزواج، وقد حكم قاضي المحكمة العليا ضد المرأة قائلًا إنه من الأفضل لتلك الذرية «المنحطة» أن تنمحي، عوضًا عن انتظار أجيال يشتغلون بالجريمة أو يتضورون جوعًا بفعل الفقر.

صحة

منذ 4 سنوات
من الهند إلى أمريكا مرورًا بإسرائيل.. التعقيم القسري لتحديد نسل الفقراء والسود والغجر

وفقًا لتحقيقٍ أجرته إحدى المؤسسات الحكومية عام 1976، جرى تعقيم من 25% إلى 50% من السكان الأصليين بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الواقعة بين (1970-1976)، وأشار التحقيق إلى تعقيم حوالي 3406 امرأة بين عامي 1973 و1976 دون موافقتهن. وبعضهن تحت السن القانوني للتعقيم وهو 21 سنة، السن الذي أقرته المحكمة لبدء عمليات التعقيم الإجباري.

وقد استمرت تلك القوانين الخاصة بالتعقيم الإجباري أكثر من نصف قرن إذ بدأ إلغاؤها في الولايات المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي، وبالوصول إلى نهاية السبعينيات، وبفضل جهود حراك من نساء من أصل مكسيكي في ولاية كاليفورنيا انتهت برامج التعقيم الإجباري في البلاد، وقد أجريت آخر عملية تعقيم قسري قانونية في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1981، بحسب توم فيليبس.

وتشير السجلات إلى أن ولاية كاليفورنيا وحدها استمرت في إجراء عمليات التعقيم القسري من عام 1909 وحتى 1979، وقد نتج عن ذلك تعقيم أكثر من 20 ألف فرد داخل مصحات كاليفورنيا العقلية، بدعوى حماية المجتمع من نسل الأفراد المصابين بأمراضٍ عقلية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد