منذ تولي دونالد ترامب السلطة في الولايات المتحدة في 20 يناير (كانون الثاني) 2017 تعرضت العلاقات التاريخية بين جانبي الأطلسي لهزات عنيفة بداية من ميزانية حلف شمال الأطلسي، والاتفاق النووي مع إيران، وصولًا إلى فرض تعريفات جمركية عقابية متبادلة، وفرض عقوبات على الشركات الأوروبية المشاركة في مشروع «نورد ستريم 2».

كل تلك الخلافات والأزمات أدت إلى حالة من عدم الثقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتراجع مستمر في مستوى التفاهم التاريخي بين الطرفين. لكن مشروع «نورد ستريم 2» تحديدًا المدعوم من روسيا وألمانيا، يمثل نقطة مفصلية في العلاقات الأوروبية الأمريكية، ويعكس الحالة التي تعيشها العلاقات العابرة للأطلسي وتآكل الوصاية الأمريكية على الأوروبيين.

معادلة ما بعد الحرب العالمية.. مساعدات اقتصادية وحماية عسكرية

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 كان ميزان القوى بين الولايات المتحدة وأوروبا يميل لصالح الأولى التي خرجت من الحرب بدون خسائر كبيرة مثل الدول الأوروبية، وباقتصاد قوي؛ ما أدى إلى اعتماد أوروبا على واشنطن في شقين: المساعدات الاقتصادية المتمثلة في خطة «مارشال»، والحماية العسكرية من تهديدات الاتحاد السوفيتي.

ومنذ ذلك الوقت تملك الولايات المتحدة عشرات القواعد العسكرية في ألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال، يشغلها عشرات الألاف من الجنود، وتهدف بالأساس لتوفير الحماية للدول الأوروبية، وحفظ أمن القارة.

إلا أن الدول الأوروبية حاولت – خاصة في الـ40 عامًا الماضية – تحدي هذه الوصاية والخروج من العباءة الأمريكية دون جدوى:

  1. من بين المحاولات المهمة التي قامت بها دول الاتحاد الأوروبي لتبتعد عن «وصاية» واشنطن، الشراكة الأورومتوسطية. بدأ هذا المشروع عام 1995 من خلال مؤتمر برشلونة الأورومتوسطي الذي اقترحته إسبانيا وقام الاتحاد الأوروبي بتنظيمه لتعزيز علاقاته مع البلدان المطلة على المتوسط في شمال أفريقيا وغرب آسيا، وبالرغم من أن الشراكة لم تستمر طويلًا، إلا أنها وضعت أسس لعلاقات إقليمية جديدة، وشكلت نقطة تحول في العلاقات «الأورو – متوسطية».
  2. أما المحاولة الثانية فحدثت في 2003 عندما أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر معارضتهما الشديدة لقرار واشنطن وحلفائها احتلال العراق. وشكل هذا الموقف لحظة قوية، وأدى إلى دفع الاتحاد الأوروبي في نفس الاتجاه، حيث أعلن معارضته مبدئيًا للجوء للقوة، واشترط أن تتم أي عملية عسكرية بتفويض من مجلس الأمن.

4 مراحل للخروج من الوصاية الأمريكية

مع وصول ترامب للسلطة ومحاولة تطبيقه مبدأ «أمريكا أولًا» كمبدأ حاكم للعلاقات الخارجية للولايات المتحدة دون استثناء حلفاء قدامى أو جدد، تزايدت الخلافات بين جانبي الأطلسي بوتيرة غير مسبوقة، فيما كثف الأوروبيون في المقابل، محاولات الدول الأوروبية للخروج من العباءة الأمريكية:

  1. مثلت ميزانية حلف شمال الأطلسي «الناتو» أول خلاف جوهري بين الطرفين في عهد ترامب، إذ طالبت الإدارة الجديدة في 2017، الدول الأوروبية برفع قيمة مساهمتها المالية في ميزانية الحلف إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي لتضاهي المساهمة الأمريكية؛ ما صعد  التوترات في الأجواء الأوروبية – الأمريكية. وفاقم الأزمة تلميح الرئيس الأمريكي المتكرر بالانسحاب من حلف «الناتو» في ظل عدم التزام بعض الدول بمساهمتها المالية مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية.

وتحتاج أوروبا إلى تعزيز الإنفاق على الدفاع بأكثر من 100 مليار دولار لتحقيق مطالب ترامب، حسب تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، الذي أظهر أن الولايات المتحدة تنفق أكثر من ضعفي ما ينفقه الأوروبيون على الدفاع. ففي عام 2018، أنفقت واشنطن ما يقرب من 650 مليار دولار، مقارنة بنحو 250 مليار دولار لجميع الدول الأوروبية في «الناتو».

وفي العام ذاته وقع 23 عضوًا في الاتحاد الأوروبي على اتفاقية «بيسكو» الرامية لتعزيز التعاون بمجال الدفاع، ومثل توقيع هذه الاتفاقية أبرز خطوة أقدمت عليها دول التكتل في اتجاه تشكيل ذراع عسكري تتخلص بفضله من التبعية العسكرية للولايات المتحدة، في أولى محاولات الخروج من الوصاية الأمريكية في العصر الجديد.

2- وفي ربيع 2018، برز الخلاف الثاني بين طرفي الأطلسي، والمتمثل في الاتفاق النووي مع إيران، إذ أعلنت واشنطن انسحابها منه، واعادة فرض العقوبات الاقتصادية على الدول والشركات والكيانات المتعاملة مع طهران، إلا أن الاتحاد الأوروبي رفض الخطوة الأمريكية، ورفض اتباعها، وتمسك في المقابل بالاتفاق المبرم مع إيران في 2015 ويقيد طموحاتها النووية، وسعى للتحاليل على العقوبات عبر تدشين آلية تسمح بالتعامل التجاري مع إيران؛ ما مثل المحاولة الثانية للخروج من عباءة الولايات المتحدة في عهد ترامب.

3- أما المحاولة الثالثة فحدثت في نفس العام حين رفضت دول  الاتحاد الأوروبي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وكان هذا الرفض دليلًا على تزايد الاختلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين؛ ما يدفعهم للسعي نحو الخروج من دائرة «التبعية» لأمريكا.

4- وما يمكن اعتباره محاولة رابعة هو خروج أوروبا من وصاية الولايات المتحدة في ملف الصين. وخلال الفترة الماضية لم تلق تحذيرات الولايات المتحدة من التهديد الصيني وتورط شركة «هاواوي» الصينية في أنشطة تجسس آذانًا صاغية في أوروبا، التي لا ترى الأمر بعين أمريكية كما كان في السابق، وفق تقرير لمجلة «فورين بولسي» الأمريكية. 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

اقتصاديًا دخلت واشنطن في صراع جمركي مع الاتحاد الأوروبي في 2018، حين فرضت تعريفات جمركية على واردات الصلب والألمونيوم من الاتحاد، ورد الأخير بفرض رسوم جمركية على واردات أمريكية. ومع بداية 2019 تفاقمت أزمة خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 1» بين الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية؛ ما مثلت أهم حلقات الخلاف، ومحاولات أوروبا الخروج من وصاية الولايات المتحدة في السنوات الثلاثة الماضية.

 يسمح «نورد ستريم 2» بمضاعفة طاقة «نورد ستريم 1» الذي ينقل الغاز من السواحل الروسية عند بحر البلطيق باتجاه ألمانيا، وتوافق عليه روسيا، فنلندا، السويد، ألمانيا والدنمارك، وبالرغم من فرض الولايات المتحدة عقوبات على الشركات المساهمة في المشروع في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تستعد روسيا لبدء العمل في خط الأنابيب في نهاية العام الجاري. وتقدّر طاقة الضخ لخط الأنابيب بـ55 مليار متر مكعب. كما يسمح عبور البلطيق بتجنب المرور عبر أوكرانيا التي تتصف علاقاتها بروسيا منذ 2014 بكثرة النزاعات. 

ودشنت روسيا مشروع «نورد ستريم 2» ودعمته دول أوروبية انطلاقًا من أن الاتحاد الأوروبي سيكون في السنوات الـ20 المقبلة بحاجة إلى زيادة واردات الغاز إلى 120 مليار مكعب بسبب ارتفاع الطلب، ويقول تييري بروس، الباحث في معهد أوكسفورد «واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز سترتفع مستقبلًا لأنّ الإنتاج المحلي يتراجع». وتابع «بينما يصعب زيادة الواردات من النرويج أو من شمال أفريقيا، ستتم تلبية الاحتياجات عبر الغاز الروسي» وذلك سينطلق من خلال «نورد ستريم 2».

وبشكل أساسي، تأتي واردات الغاز إلى أوروبا من روسيا (47% من الواردات في الربع الثالث من عام 2018)، ومن النرويج (34%)، ومن الغاز الطبيعي المسال الآتي من شمال أفريقيا (11%). وهذه الأيام تعاني العلاقات بين الطرفين أزمة مكتومة أخرى بسبب امتلاك دول أوروبية عدة أبرزها فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، والنمسا، وبريطانيا، خطط لفرض ضرائب على عمالقة التكنولوجيا الأمريكية مثل «فيسبوك»، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة وهذه الشركات وترى أنه يمكن أن يضر بالابتكار وأرباحها على حد سواء.

كيف يهدد «نورد ستريم 1» أمريكا؟

تعدّ الولايات المتحدة منتجًا كبيرًا للغاز الطبيعي، وأطلقت في الآونة الأخيرة سياسة تجارية بحثًا عن فرص سوقية جديدة، لأن الصادرات الأمريكية تتوجه بشكل خاص نحو أسواق أمريكا الجنوبية وآسيا حيث الأسعار مرتفعة أكثر، ولا تشغل سوى 3% من السوق الأوروبي.

لذلك فإن الولايات المتحدة تتخوف بالأساس من سيطرة روسيا بشكل كامل على إمدادات الغاز لأوروبا، وتراجع الحصة الأمريكية في السوق الأوروبي. وسياسيًا تتخوف الادارة الأمريكية أيضًا من تعميق العلاقات الروسية مع أوروبا بشكل عام، وألمانيا بشكل خاص؛ ما دفع ترامب للقول في وقت سابق إن المشروع «يمكن أن يحول ألمانيا إلى رهينة في أيد روسيا». وفرضت الولايات المتحدة في ديسمبر الماضي، عقوبات على الشركات المشاركة في المشروع، في محاولة لعرقلته.

أوروبا وروسيا وبينهما الطاقة.. «مسألة سيادة»

أثارت العقوبات الأمريكية على الشركات العاملة في «نورد ستريم 2»، ردود فعل قوية، أكدت تراجع القبضة الأمريكية على أوروبا، فالاتحاد الأوروبي الذي قال إنه «يملك حق تقرير سياسة الطاقة الخاصة به»، عارض بشدة العقوبات المفروضة «ضد شركات أوروبية تقوم بعمل قانوني». 

دولي

منذ 10 شهور
هل سيصبح ارتفاع درجة الحرارة على الأرض بوابة روسيا للسيطرة على العالم؟

في المقابل، عارضت الخارجية الروسية بشدة الخطوة الأمريكية، وقالت إن «واشنطن عبر عقوباتها المتعلقة بـ«نورد ستريم 2» تتبع أيدلوجية تقوض المنافسة الدولية». ولسنوات طويلة كانت الدول الأوروبية قلقلة ومترددة من الاعتماد بشكل كامل على الغاز الروسي، لكن المشروع الجديد يعد قفزة كبيرة على المخاوف الأوروبية القديمة؛ لأنه يرفع الحصة الروسية من سوق الغاز الأوروبي إلى 55 مليار متر مكعب سنويًا.

وخلال الفترة الماضية، كان هناك انقسام داخل الاتحاد الأوروبي حول المشروع، كان يمكن أن يؤدي لإلغاء خط الأنابيب. وتعد بولندا ودول شرق أوروبا أكثر المعترضين على مشروع «نورد ستريم-2». فيما تعدّ ألمانيا المدافع الأبرز عنه، ما جعلها هدفا لانتقادات دونالد ترامب.

وأمام هذا الانقسام، اتخذت المفوضية الأوروبية موقفا حذرا. ففي ظل عجزها عن المعارضة، فإنّها تريد التأكد من أنّه يتواءم وقوانين سوق الطاقة الأوروبي، في مجال المنافسة على وجه الخصوص. ويرى العديد من المراقبين أنّ مقترح المفوضية الأوروبية لمراجعة المشروع يهدف إلى التأكد من أنّ الغاز الآتي إلى أوروبا يحترم أيضًا سوق الطاقة الموحد من حيث شفافية الأسعار، وفصل الأعمال بين الموردين ومدراء البنى التحتية.

ولم تكتف المفوضية بمراجعة المشروع، ووضع قواعد لتنظيمه، بل وضعته تحت سيطرة وإدارة التكتل، ما يعد انتصارًا للمعسكر المؤيد له بقيادة ألمانيا، التي تستثمر شركاتها بشكل كبير فيه، وتعمل المستشارة أنجيلا ميركل على طمأنة دول شرق أوروبا من «نورد ستريم 2»، إذ تخبرهم أن «نورد ستريم 2» لن يؤدي إلى اعتماد أوروبا بشكل كامل على الغاز الروسي.

أما الرد الألماني على العقوبات الأمريكية، فتمثل في تصريحات نائب المستشارة، ووزير المالية، أولف شولتز الذي قال أواخر ديسمبر الماضي إن العقوبات تشكل انتهاكًا للسيادة الأوروبية، مضيفًا «الأمر متروك للشركات المشاركة في بناء خط الأنابيب لاتخاذ قراراتها في ضوء العقوبات».

أما المستشار الألماني السابق جيرهاد شرودر، فكانت تصريحاته معبرة عن خروج ألمانيا من الوصاية الأمريكية. وقال شرودر في تصريحات لصحيفة «نويه أوسنابروكر تسايتونغ» الألمانية أواخر ديسمبر: «الولايات المتحدة تريد أن تحدد مع من ينبغي أن نمارس تجارتنا ومع من لا». وتابع »لا ينبغي لنا قبول ذلك، نحن لسنا الولاية 51 للولايات المتحدة». 

الأمر ليس متعلقًا بترامب.. العلاقات تدخل حقبة جديدة من قبله

في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» عبر الهاتف، قال دانيل بيبس، الخبير الألماني في الشؤون الأوروبية ومدير مركز الدراسات السياسية الأوروبية «خاص»: «إن العلاقات العابرة للأطلسي تعيش حقبة جديدة»، مضيفًا «لقد تغير الوضع القديم، فتهديد الاتحاد السوفيتي الذي كان يوحد جانبي الأطلسي لم يعد موجودًا، كما أن الولايات المتحدة باتت قوية ولا تحتاج إلى دعم أحد».

وتابع «تتطور أوروبا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، وترغب في لعب دور أكبر في العالم، ولم تعد ترغب في التبعية لواشنطن». وأضاف «أوروبا والولايات المتحدة سيستمران في التباعد في المستقبل، والدول الأوروبية ستعمل على الخروج من عباءة واشنطن في الفترة المقبلة».

واستطرد «وصاية الولايات المتحدة على أوروبا تآكلت بالفعل، وسيستمر الانفصال بين الطرفين في القضايا الدولية»، مضيفًا «أوروبا لن تتراجع عن لعب دور مستقل في العالم». ومضى قائلًا: «وبالرغم من هذا التباعد لن تنزلق العلاقات إلى النزاع أو الحرب لأن المصالح الاقتصادية بين الطرفين أكبر بكثير من أن يغامر طرف بتدميرها».

كما أن رئيس مؤتمر ميونخ للأمن، فولفجانج إشينجر، قال في تصريحات قبل أيام «علينا أن نقول وداعًا لفكرة العودة لعصر ما قبل ترامب»، مضيفًا «حتى إذا حصلنا على رئيس ديمقراطي للولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني)، لا أتوقع العودة للعلاقات الجيدة عبر الأطلسي». وتابع «الولايات المتحدة تتبع سياسة انعزالية منذ فترة، ودونالد ترامب سرع وتيرة هذه السياسية»، مضيفًا «هذا جرس إنذار لنا؛ فالحماية الأمريكية المجانية لم تعد موجودة، وأوروبا لابد أن تبحث عن مصالحها وأمنها».

المصادر

تحميل المزيد