يُقبل الاتحاد الأوروبي على إقرار قوانين تضع قيودًا من شأنها أن تقلل استخدام المراهقين لعدد من خدمات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذا التقرير نسلط الضوء على ماهية تلك القوانين وتأثيرها المحتمل، والجدل المثار حولها، والدراسات المرتبطة بهذا الشأن

يُقبل الاتحاد الأوروبي على إقرار قوانين تضع قيودًا من شأنها أن تقلل استخدام المراهقين لعدد من خدمات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذا التقرير نسلط الضوء على ماهية تلك القوانين وتأثيرها المحتمل، والجدل المُثار حولها، والدراسات المرتبطة بهذا الشأن:

(1)ماهية القوانين:


بعد قرابة 4 سنوات من الإعداد لأخذ إصلاحات جذرية على قوانين حماية البيانات، بهدف وضع قواعد موحدة تحكم الاتحاد الأوروبي ككل، قام الساسة بأوروبا بإجراء تغييرات قانونية في هذا الصدد الأسبوع الماضي، لمناقشتها يوم الثلاثاء 15 ديسمبر، والتصويت عليها الخميس القادم من قبل لجنة الحريات المدنية والعدالة والشؤون الداخلية بالبرلمان الأوروبي، ليتم تنفيذها خلال سنتين عقب إقرار القانون بشكل نهائي.

وترتكز التعديلات المقترحة من قبل الاتحاد الأوروبي لحماية البيانات والخصوصية على الإنترنت، على أنه من غير القانوني للشركات التعامل مع البيانات من أي شخص يبلغ عمره 15 عامًا أو أقل، ورفع السن القانونية للموافقة الرقمية من 13 إلى 16.

وتنص القوانين على “أن معالجة البيانات الشخصية للطفل الذي يقل عمره عن 16 عامًا يمكن أن يكون قانونيًّا فقط بعد أخذ الموافقة والإذن من والدي الطفل”.

وتجدر الإشارة إلى أن عتبة السن القانوني التي يمكن من خلالها للطفل التعامل مع الإنترنت، والتسجيل بمواقع التواصل الاجتماعي دون إشراف أبوي؛ كانت موحدة في أمريكا والاتحاد الأوروبي وهي سن 13 عامًا.

ويعني هذا القرار أن أشهر شركات مواقع التواصل الاجتماعي، كفيس بوك وجوجل وتويتر وإنستجرام وسناب شات، سيتعين عليها رفض قبول أي حساب أو تحميل تطبيق لشخص ينخفض عمره عن 16 عامًا إلا بعد الحصول على إذن من الوالدين، وهو ما قد يُعيق ملايين المراهقين من استخدام الكثير من خدمات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

(2) ردود الأفعال

وأثارت هذه التعديلات موجة من الجدل والانتقادات قادها كل من شركات التكنولوجيا العملاقة وخبراء وجمعيات حماية الطفل، ووجهت الاتهامات بأن تلك التعديلات تم إجراؤها دون استشارة الجهات المعنية بالأمر كجمعيات حماية الطفل على سبيل المثال؛ إذ شنت الشركات التكنولوجية العملاقة – سالفة الذكر – حملة مضادة لتلك التعديلات، متهمين المسئولين الأوروبيين بالتسرع في إجراء التعديلات دون استشارة جمعيات حماية الطفل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التعديلات الجديدة تمثل مصدر إزعاج للشركات التكنولوجية؛ إذ أن الإخفاق في تطبيق القوانين الجديدة والامتثال لها قد يؤدي إلى فرض غرامات تصل إلى 4% من عائد الشركات، وهو ما يعني خسارة الشركات مبالغ تُقدر بملايين الدولارات كعقوبات على تلك الشركات.

وفي سياق متصل، انتقد ائتلاف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للأطفال على الإنترنت، التعديلات متعللًا “بأنه لم يكن هناك أي تفسير لرفع السن من 13 إلى 16 عامًا لأن ذلك سيحفز فقط الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 13- 16 إلى الكذب بشأن سنهم، ويمكن أيضًا أن تحد من حصولهم على خدمات الدعم الهامة عبر الإنترنت” على حد تعبير التحالف.

وعلق جانيس ريتشاردسون – المنسق السابق لشبكة “إنترنت أوروبي أكثر أمانًا” ومستشار هيئة الأمم المتحدة لتكنولوجيا المعلومات – “رفع السن من 13 إلى 16 يمثل تحولًا كبيرًا في سياسة يبدو أنها تمت دون تشاور عام.. ونحن نرى أن ذاك سيحرم الكثير من الشباب من فرص تعليمية واجتماعية بطرق مختلفة، ولن يؤدي لمزيد من الحماية”.

ورفض لاري ماجيد – الرئيس التنفيذي لمنظمة “كونكت سافلي ConectSafely”: “سيؤدي هذا القرار إلى حظر نسبة كبيرة من الشباب، وبالأخص هؤلاء الذين لن يستطيعوا الحصول على إذن من والديهم لأسباب مختلفة”.

(3) حظر ما دون الـ16 ليس جديدًا!

فكرة حظر الأشخاص الذين ينخفض سنهم عن الـ16 عامًا عن المشاركة في مواقع التواصل الاجتماعي ليس الأول من نوعه؛ فمع بداية تدشين موقع فيس بوك للاستخدام العام عام 2006 كان من المحظور على من دون سن الـ17 من عمل حساب على الموقع الذي يشترط تحديد تاريخ الميلاد.

ولكن يبدو أنه كان من الصعب على الفيس بوك التأكد من مدى مصداقية ووثائقية البيانات التي يفصح عنها المستخدم، على عكس عدد من مواقع الترفيه الأخرى، مما يفتح المجال للمستخدمين بإدخال بيانات غير صحيحة عن سنهم حتى يتمكنوا من عمل حساب على موقع الفيس بوك.

(4)حساسية قضية الخصوصية وحماية البيانات في أوروبا:


أصبحت العلاقة بين الشركات الأمريكية الكبر ى، كجوجل وفيس بوك على سبيل المثل، والاتحاد الأوروبي أكثر حساسية خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت أنشطة الشركات الأمريكية في أوروبا تحت الرقابة الأوروبية المكثفة في مجالات الخصوصية والضرائب.

وفي مارس 2015 طالب الاتحاد الأوروبي مواطنيه بشكل واضح بإغلاق حساباتهم على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، إذا ما أراد الأوروبيون أن يحتفظوا بمعلوماتهم الخاصة بعيدة عن رقابة وتجسس خدمات الأمان “الأمريكية”، لافتًا إلى أن اتفاقية “سيف هاربر”Safe Harbour الموقعة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي، لا تحمي بيانات المواطنين الأوروبيين.

وفي أكتوبر الماضي حكمت “محكمة العدل الأوروبية” بإلغاء اتفاقية “سيف هاربر” Safe Harbour والتي كانت تسمح للشركات الأمريكية (كفيس بوك وجوجل وآبل ومايكروسوفت وغيرها) بنقل بيانات المواطنين الأوروبيين إلى أمريكا، وتعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بحماية تلك البيانات. ولكن الوضع بدأ في التأزم بعد كشف إدوارد سنودن في 2013 عن وثائق تكشف تجسس الاستخبارات الأمريكية على المواطنين.

وفي دراسة ارتبطت بخصوصية البيانات الشخصية عبر الإنترنت، تلك الخصوصية التي ارتبطت بها التعديلات الأخيرة، وقامت بها مؤسسة “بيج براذر واتش” البريطانية، تبين أن 79 % من البريطانيين “قلقون من خصوصيتهم عبر الإنترنت”، ويريد 74% من البريطانيين المزيد من التحكم والسيطرة على بياناتهم الشخصية، كما رأى 58% من المواطنين أن الشركات التكنولوجية يجب ألا تجمع بيانات شخصية أبدًا إلا إذا شرحوا أسباب ذلك ومجالات استخدامها.


عرض التعليقات
تحميل المزيد