أول أمس حضر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الافتتاح الرسمي لأول «مسجد صديق للبيئة» في مدينة كامبريدج بالمملكة المتحدة، والذي يعد المسجد الأول من نوعه في القارة الأوروبية. وقد بلغت تكلفة إنشائه نحو 23 مليون جنيه إسترليني (حوالي 30 مليون دولار أمريكي)، أغلبها تبرعات قادمة من تركيا إلى جانب تبرعات أخرى جُمعت من أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. ويتسع المسجد لأكثر من ألف مصلٍ. فما الذي تعرفه عن مسجد «كامبريدج»؟

المسجد كاملًا.. من مواد صديقة للبيئة

في عام 2010 أعلن تيم وينتر المعروف باسم عبد الحكيم مراد، عميد كلية كامبريدج الإسلامية ومؤسس المشروع أنهم بصددِ بناء مسجد جديد يستند إلى مقاييس حماية البيئة، هو الأول من نوعه؛ إذ سيجري بناء المسجد كاملًا من خلال موادِ بناء صديقة للبيئة، وذلك من خلال استخدام تكنولوجيا دقيقة وألواح شمسية، ومضخات حرارية، وأسقف خضراء؛ مما يجعل البصمة الكربونية داخل المسجد تعادل صفر تقريبًا. وهو وصفته ما وكالات الأخبار بـتجربة «المسجد الأخضر»؛ وذلك لأنه الأول من نوعه في أوروبا.

يشير وينتر إلى أن الحضارة الإسلامية لطالما كانت قائمة على رفض الإهدار؛ لانتهاكه قدسية العالم الطبيعي، وما فيه من عدم تقدير لنعمِ الخالق، ولهذا يجب على الأمة المسلمة أن تكون في طليعة الحركة البيئية الجديدة. ويضيف أن ذلك كان الهدف الرئيس من إقامة مشروع دار عبادة «صديقة للبيئة». وفي صيف عام 2008 استطاع القائمون على المسجد شراء قطعة أرض ومستودع قديم في مدينة كامبريدج التاريخية المشهورة بعراقتها وجامعتها وريفها الشاعري، ليدخل المشروع نطاق التنفيذ.

(الرئيس أردوغان يفتتح مسجد كامبريدج)

صمم المسجد المعماري الشهير الحائز على الجوائز، ماركس بارفيلد، على الطراز الإسلامي؛ وقد سعى بتصميمه إلى خلق واحة خضراء من الهدوء والسلام مستوحاة من الحدائق الإسلامية في الهند وإسبانيا. ويشير وينتر إلى أن المسجد الجديد سيكون آمنًا وهادئًا، يحترم الحي المحيط وصديقًا للبيئة. إذ يضاء المسجد بالكامل طوال العام من خلال الإضاءة الطبيعية للنوافذ المدمجة بالبناء، والإضاءة الاصطناعية قليلة الاستهلاك.

وقد جرى عزل المبنى جيدًا مع إمكانية تبريد أو تسخين درجة الحرارة من خلال تقنيات موفرة للطاقة والطاقة المولدة من مضخات التسخين الأرضية. هذا إلى جانب، تقنيات جمع مياه الأمطار، وإعادة تدوير المياه المستعملة من أجل استخدامها في ري الحدائق.

عمل التصميم على توسيع الرقعة الخضراء للحديقة، كما يحيط هيكل المبنى حافة خضراء من الأشجار، هذا بالإضافة إلى توفير أماكن ركن الدراجات على مستوى الشارع المحيط، وجراج خاص بالسيارات أسفل المبنى، ويسع المبنى حوالي ألف مصلٍ، من الرجال والسيدات، إلى جانب منطقة خاصة بالدروس التعليمية، وغرف للاجتماعات يمكن للسكان استخدامها، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. إذ يسعى وينتر من خلال المسجد إلى خلق مساحة روحية يستطيع كل أفراد المجتمع من ذوي الثقافات المختلفة استخدامها.

الكوكب في خطر.. 12 خطوة بسيطة قد تساعد في عدم إضرارك بالبيئة

هل يقضي «المسجد الأخضر» على أزمة المناخ؟

فتح المسجد أبوابه للمصلين في شهر رمضان الفائت والذي وافق مايو (أيار)، مُستقبلًا مئات المُصلين لصلاة التراويح كل ليلة، ليبدأ مهمته في أن يكون حافزًا للتصدي للتغيرات المناخية. إذ يأمل القائمون على المشروع في جعل المسجد قوة تقود العالم إلى الأمام للقضاء على أزمة المناخ، ويشير وينتر إلى أن المسلمين خاصة لا يعيرون قضايا البيئة اهتمامًا كبيرًا، وهو ما يتمنى لو يستطيع تغييره من خلال المشروع.

كان الهدف من بناء المسجد، هو أن يصبح جزءًا من عملية نشر الوعي بالقضايا المناخية وتلك الخاصة بالبيئة، وذلك من خلال الغوص في طبيعة الإسلام التي تحث على ضرورة حفظ توازن الكون، وقد أظهر القرآن في العديد من الآيات جمال وانسجام عالم الطبيعة لما يمثله من دليلٍ ملموس على قوة وعظمة الخالق. ويشير وينتر إلى ضرورة قيام كل فرد منا بدوره في محاربة أزمة المناخ، خاصةً في ظل ما تعانيه الطبيعة من انقراض العديد من الأنواع في الكائنات الحية، ليس فقط من أجل بقاء الجنس البشري، ولكن للحفاظ على ما أنعم الله به علينا.

(ساحة مسجد كامبريدج أو أول مسجد للبيئة في أوروبا)

يريد وينتر للمسلمين أن يصبحوا أمةً رائدة، تقود العالم إلى الأمام وتعيد تشكيله لمواجهة أزمة المناخ، خاصةً وأن وتيرة انتشار الإسلام هي الأكبر بين الديانات، بحسب المعدلات العالمية. ومن خلال قاعات الدروس التي تحتل مكانًا في المسجد، يسعى مؤسس المشروع إلى نشر التعاليم الخاصة بقدسية الأرض في الإسلام، والتوعية بضرورة الحفاظ على المياه وزرع الأشجار وحماية الحيوانات؛ لأن الكون كله يتناغم معًا ليشكل وحدة متكاملة الأركان، وفقدان هذا التناغم قد يقود إلى فقدان الكون الذي نعرفه.

كل هذا يتطلب منا، بحسب وينتر، أن نعود إلى تعاليم الإسلام، والتي من خلالها نستطيع أن نقدر المهارات والأفكار التي يمكن للمجتمعات الاستفادة منها في الحفاظ على البيئة؛ ليصبح المسجد صاحب رسالة قائمة على إحياء الرابطة ما بين الإسلام ومقاييس حماية البيئة، وجسرًا ثقافيًا للمسلمين في بريطانيا القرن 21.

عن ذلك تقول شانزا على، مؤسسة حركة «مسلمين من أجل المناخ»: «المشاريع التي تشبه «مسجد كامبريدج» ستصبح في المستقبل حاسمة؛ وذلك لما تقوم به من دورٍ فعال في رفع مستوى الوعي لدى المجتمعات، خاصةً بعدما أصبح واضحًا أن القضية التي نتبناها ليست مجرد قضية مناسبة في الوقتِ الحالي، لكنها في صميم عقيدتنا».

بمعدل 4 جرائم في الأسبوع.. لماذا تقتل العصابات والدول المدافعين عن البيئة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد