بينما ما تزال الحرب مستمرة في سوريا بين النظام والمعارضة أو المعارضات المسلحة التي تضم عدة أطياف سياسية وجماعات مختلفة التوجهات، سارعت العديد من الدول خاصة منها الغربية إلى القيام بـ”إجراءات” احترازية تحسّبًا أولاً من “مخاطر” أمنية محتملة قد يكون من ورائها العائدون من ساحة الحرب بسوريا، وثانيًا لمنع “هجرة” المزيد من “المواطنين” الغربيين إلى هذا البلد لأجل “الجهاد”، بعد توارد تقارير أمنية عن تزايد أعداد الراغبين في الهجرة إلى الشام للحرب المقدسة المسماة “الجهاد” في العقيدة الإسلامية.

الأمن قبل الحريات!

فرنسا التي يوجد بها الملايين من المواطنين من أصول إسلامية، والتي كان مواطنوها المسلمون الأكثر هجرة إلى سوريا لأجل القتال، أعلنت أخيرًا عن حزمة إجراءات للحد من سفر الفرنسيين إلى الخارج بقصد “الجهاد”؛ بحيث من المفترض أن يكون وزير داخليتها، برنار كازنوف، قد قدّم، يوم الأربعاء 23 أبريل/ نيسان، أمام مجلس الوزراء مجموعة من الإجراءات التي تعتزم الحكومة الفرنسية اتخاذها لمنع توجه فرنسيين لـ”الجهاد” في سوريا.

مقاتلون من القوقاز بسوريا

ويبدو أن “خطر” انتشار عدوى “الجهاد” والموت في ساحة “الحرب المقدسة” بات يشكل هاجسًا حتى أعلى هرم السلطات في البلاد؛ حيث أكد الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، بنفسه في مطلع الأسبوع الجاري أن باريس “ستتخذ جميع الإجراءات لردع ومنع ومعاقبة كل الذين ينجذبون إلى الجهاد في سوريا”، مشيرًا إلى أن “فرنسا ستتخذ ترسانة كاملة وتستخدم جميع التقنيات بما في ذلك الأمن الإلكتروني” لمواجهة الظاهرة، في إشارة إلى استعمال شبكة الإنترنت ولا سيما صفحات التواصل الاجتماعي من طرف بعض المتطرفين لاستقطاب الشباب الفرنسي.

تأخّر؟

في غياب أرقام رسمية لـ”الجهاديين” الفرنسيين الذين سافروا من فرنسا إلى ساحة المعركة في سوريا، تتحدث بعض التقارير الاستخباراتية عن نحو 250 جهاديًّا، وهو عدد كافٍ لجعل الأجهزة الأمنية والخبراء يحذرون مما قد تشكله عودتهم من خطر على الأمن القومي، هذا في الوقت الذي تشير فيه بعض الجهات إلى أن العدد هو أكثر مما ذُكر سابقًا والذي كشفت عنه بعض الجهات الأمنية.

الجهادي الفرنسي رفاييل جيندرو الذي قتل في المعارك بسوريا

لكن المهم بالنسبة لقرار السلطات الفرنسية – الذي برأي متابعين أنه جاء متأخرًا وفقط بعد أن كثرت شكاوى وتبليغات أهالي “الجهاديين” لدى السلطات المختصة – هو أن تشدد في القابل من الأيام من إجراءات السفر على مواطنيها إلى الخارج، وهو ما قد يتعارض مع مبادئ دولة ديمقراطية كفرنسا تقوم على احترام الحريات ومنها بالخصوص حرية التنقل، ومن بين الإجراءات التي ستقدم عليها الدولة الفرنسية هناك إلغاء قانون يعفي الأحداث ممن لم يبلغوا سن الثامنة عشرة من الحصول على إذن ذويهم قبل مغادرة الأراضي الفرنسية، وإعادة اعتماد قانون قديم كان يفرض الحصول على هذا الإذن، وإضافة بند يتعلق بتعميم صورة وهوية كل من يشتبه بعلاقته بشبكات التطرف في جميع الدول الأوروبية؛ بحيث يُمنع من السفر إلى أي منها، ومراقبة بعض المساجد التي تحرض على التطرف والتوجه إلى القتال، وفق بعض التقارير الإعلامية.

حربٌ على الإنترنت..

متشددون بريطانيون في تظاهرة بالشارع العام

تعقّب “الجهاديين” الأوروبيين في عُقر ديارهم قبل وبعد “هجرتهم” للقتال في بلاد الشام (سوريا تحديدًا)، ظهر مؤخرًا أنه من أولويات السلطات البريطانية أيضًا، والتي تم بها في الأيام الأخيرة الكشف عن أن السلطات المختصة باشرت إجراء تحقيقين متوازيين عن علاقة جماعة “الإخوان المسلمين” بالإرهاب والتحريض على العنف، وعن دور المدارس الإسلامية في نشر العنف بين صفوف المهاجرين الشباب.

هذه الإجراءات البريطانية جاءت بالموازاة مع صدور دراسة صدرت عن المركز الدولي لدراسة التشدد في جامعة كينغز كولدج في لندن، حول “أنشطة الجهاديين الأجانب على وسائل التواصل الاجتماعي”؛ حيث كشفت أن الكثيرين منهم ينتمون إلى عدد من الدعاة النافذين، لا سيما داعية مقيم في الولايات المتحدة وآخر في أستراليا، الأول يدعى أحمد موسى جبريل، والثاني موسى سيرانتونينو وهو أسترالي من أصل إيطالي اعتنق الإسلام حديثًا.

الداعية أحمد موسى جبريل

هذه الدراسة التي تمت خلالها مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي طيلة الأشهر الـ12 الأخيرة، وتحديدًا على مستوى تتبع وترصد صفحات 190 مقاتلاً غربيًّا في سوريا، على مواقع التواصل الاجتماعي، كشفت أن أكثر من الثلثين هم على علاقة بتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، أو بتنظيم “جبهة النصرة” الموالية للقاعدة. كما أكدت الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت ساحة رئيسية للنزاع بالنسبة إلى المقاتلين الذين تتبعهم المشرفون على الدراسة.

داعش والنصرة الأوروبيتان!

من النتائج التي خلصت إليها الدراسة، بحسب ما تناقلته العديد من التقارير، فإن حوالي 55% من المقاتلين الأجانب هم من عناصر (داعش)، فيما 14% ينتمون إلى “جبهة النصرة”، وقد شملت العينة 18% من الوافدين من بريطانيا، تليها فرنسا (12%)، وألمانيا (%9)، والسويد (10%)، وبلجيكا (9%)، وهولندا (6%).

وتؤكد الدراسة أنه في كانون الأول/ديسمبر 2013 هاجر للقتال إلى سوريا حوالي 11 ألف شخص من 74 دولة، من بينهم 2800 شخص وفدوا من دول أوروبية أو غربية.

مقاتلون أوروبيون بسوريا

وفيما يخص هولندا التي سحبت مؤخرًا جوازات سفر عشرة شبان اشتبهت في استعداداهم للتوجه إلى سوريا للقتال، فإن الحكومة كشفت هذا الأسبوع أن المقاتلين العائدين من سوريا يمثلون تهديدًا أمنيًّا لأوروبا، وبحسب “جهاز المعلومات العامة والأمن” الهولندي فإن نحو مائة مواطن هولندي سافروا إلى سوريا عام 2013، وانضموا إلى جماعتي “الدولة الإسلامية في العراق والشام” و”جبهة النصرة”، وعاد منهم نحو عشرين.

ويبدو أن الدول العربية التي أعلنت العديد منها حالة استنفار أمني منذ أشهر تحسبًا لعودة المقاتلين من سوريا إلى بلدانهم الأصلية، وكذا إعلانها عن تفكيك مجموعة من الخلايا المتخصصة في تهجير المقاتلين إلى سوريا، كانت (هذه البلدان) أكثر سبقًا من الدول الغربية التي يظهر أن مبادئها الديمقراطية منعتها من سن إجراءات استباقية لمنع سفر مواطنيها “المتشددين” إلى ساحة القتال بسوريا، فهل ستنجح إجراءاتها هذه اللاحقة في تجنيب بلدانها الأسوأ في مُقبِل الأيام؟


عرض التعليقات
تحميل المزيد