قبل أيام أقدم الاتحاد الأوروبي على إصدار قرار يقضي بتعديل أسعار ولوج الصادرات الفلاحية المغربية إلى بلدان الفضاء الأوروبي، وهو ما أغضب الرباط وجعل عددًا من المسؤولين المغاربة لا يخفون تبرمهم ومفاجأتهم بالقرار الأوروبي الأحادي الجانب. في حين ذهب البعض إلى حد وصف القرار الأوروبي أنه يعبر عن “أنانية” مبالغ فيها من الجيران الأوروبيين إزاء بلد من الجنوب يتلمس طريقه نحو التقدم فإذا بالساسة الأوروبيين يضعون العراقيل أمامه، بل إن هناك من وصف القرار الأوروبي بأنه “إعلان حرب” تجارية جديدة سبقتها أخريات من ذات القبيل، لاسيما أن هناك اتفاقية فلاحية تنظم المعاملات بين الطرفين.

الاتحاد الأوروبي ينقض..

وزير الفلاحة المغربي عزيز أخنوش يوقع اتفاقية مع مسؤولة أوروبية

وزير الفلاحة المغربي عزيز أخنوش يوقع اتفاقية مع مسؤولة أوروبية

الأزمة التي ما تزال مستمرة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، على الرغم من تبادل الزيارات بين مسؤولي الطرفين وتبادل رسائل التطمين، إلا أنها فتحت فصلًا جديدًا من فصول الحرب التجارية بين هذا البلد الجنوبي (المغرب) والاتحاد الأوروبي المتقدم، وهو ما جعل المتتبعين يستغربون من هذا الموقف الأوروبي لاسيما في ظل اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق، الذي تم إبرامه بينهما، وهو ما يحيل على مدى تغلغل بعض لوبيات الفلاحة في غرف ومؤسسات اتخاذ القرار الأوروبي.

أصابع الاتهام تشير إلى لوبيات الفلاحة الإسبانية، التي ليست هي المرة الأولى التي تشن فيها حربًا بداخل المؤسسات الأوروبية ضد المنتوجات المغربية الفلاحية، وذلك لحماية منتوجها المحلي كما تدعي، وهو ما يلقى في الكثير من الأحيان استجابة من طرف الساسة الأوروبيين، وإن جاء ذلك على حساب اتفاقيات مبرمة بين الأطراف.

اللوبي يتحكم

إنتاج العنب من إحدى المزارع المغربيةً

إنتاج العنب من إحدى المزارع المغربيةً

وبالرجوع إلى الوراء قليلًا وتحديدًا إلى شهر يناير من سنة 2012، نجد أن اللوبي الإسباني كان قد فشل في دفع الاتحاد الأوروبي إلى تعديل نظام استيراد المنتوجات المغربية، وفرض شروطه على صادرات الطماطم المغربية بالخصوص اتجاه بلدان الاتحاد، وقتها صُدمت جماعة الضغط الإسبانية عندما صادق البرلمان الأوروبي على الاتفاقية الفلاحية مع المغرب، والتي جاءت لفائدة المصدر المغربي بحيث نصت على إجراءات إيجابية للتبادل الحر للمنتوجات الفلاحية، وكذا على خفض الرسوم الجمركية المطبقة على دخول هذه المنتوجات من قبل الطرفين.

إلا أنه بعد سنتين ونيف نجح اللوبي الاسباني، الذي يرى أن مصالحه تضررت بتلك الاتفاقية الفلاحية مع المغرب، في إقناع المسئولين بالاتحاد باتخاذ قرار مفاجئ سيضر بدون شك بالمصالح المغربية وبخاصة بالفلاح المغربي، وهو ما جعل الساسة في الرباط يطالبون نظراءهم الأوروبيين بضرورة مراعاة مصالح المغرب واقتصاده المحتاج إلى الدعم لا إلى وضع العراقيل من الجيران الأوروبيين.

بين المغرب والاتحاد الأوروبي توجد اتفاقية صيد بحري بمقتضاها يصطاد الأوروبيون من المياه الإقليمية المغربية

بين المغرب والاتحاد الأوروبي توجد اتفاقية صيد بحري بمقتضاها يصطاد الأوروبيون من المياه الإقليمية المغربية

ومن بين ما تنص عليه اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والاتحاد الأوروبي، على الرفع الفوري لنسبة تحرير الرسوم الجمركية للمنتوجات الفلاحية ومنتوجات الصيد البحري للاتحاد الأوربي بـ20 في المائة، لتبلغ 55 في المائة بدل 33 في المائة حاليًا. وعلى الجانب المغرب، تؤكد الاتفاقية، تحرير 70 في المائة من الرسوم الجمركية على المنتوجات الفلاحية والصيد البحري المغربية الموجهة إلى التصدير نحو أوروبا على مدى عشر سنوات، بدلًا من 1 في المائة فقط في الوقت الراهن.

هذا القرار الأحادي الجانب بقدر ما يعتبر انتهاكًا لاتفاقيات قانونية مبرمة بين كل من الاتحاد الأوروبي والجار المغربي، بقدر ما يطرح السؤال عن مصداقية فضاء إقليمي من “الاتحاد الأوروبي” واحترامه للتعهدات لاسيما مع شركاء من الجنوب، ما فتئ الساسة الأوروبيون والغربيون، يطالبون بضرورة تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي لهم لمساعدتهم على النمو والتقدم، ما يضع تلك الخطابات على محك حقيقي.

مصالحنا أولاً !

الطماطم من المنتوجات المغربية المصدرة إلى أوروبا

الطماطم من المنتوجات المغربية المصدرة إلى أوروبا

وتبدو خطورة القرار الأوروبي جلية من خلال انعكاساته على الاقتصاد الوطني المغربي وعلى النسيج الاجتماعي، بحيث أنه وفقَ تصريحات لأعضاء من “جمعية منتجي ومصدري الخضر والفواكه بالمغرب”، لصحف محلية مغربية، فإنه من المنتظر أن يؤدي هذا القرار إلى فقدان ما بين 100 ألف و150 ألف منصب شغل، نتيجة توقف 70 في المائة تقريبًا من صادرات المغرب من “الطماطم”، كما سيخلف ضررًا كبيرًا بصادرات “الخيار” و”القرع” و”الكليمانتين” (نوع من الحوامض).

رضوخ ساسة الاتحاد الأوروبي لضغوطات لوبي فلاحي أسباني، على المستوى الاقتصادي، يعكس مدى تشابك المصالح وتداخلها بين السياسي والاقتصادي، بالخصوص، داخل أروقة الاتحاد الأوروبي وداخل العواصم الغربية عموما، بحيث تعلو مصلحة هؤلاء على مصالح أية دول، برأي بعض المتتبعين، وهو ما يكذب كل تلك الشعارات البراقة التي ترفعها العواصم الغربية لاسيما في مخاطبتها للبلدان العربية، من قبيل “تنمية المساعدة والتعاون” بين ضفتي البحر المتوسط، وإقامة “أورومتوسطي”، بل وحتى “إقامة شرق أوسط جديد”، وغيرها من المفردات واليافطات التي تخفي فقط رغبةً أكيدةً للحفاظ والدفاع عن مصالحهم، والباقي مجرد تفاصيل تتخللها زيارات مجاملة وبروتوكول بين ذاك الغرب ونحن العرب أو دول الجنوب عمومًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد