تصور كثير من وسائل الإعلام رؤساء أوروبا ومسؤوليها على أنهم مؤيدون لحقوق الإنسان ضدّ رغبات الحكام العرب، وداعمون للحريات ومدافعون عن حقوق السجناء السياسيين العرب أمام استبداد الأنظمة، سواء في بيانات رسمية أو لقاءات ثنائية تطغى عليها أجواء الشجب والإدانة.

غير أن هذه الصورة تقابلها صورة أخرى تحول فيها عدد من مسؤولي دول أوروبية لمتورطين في قضايا فساد مالية مع حكام هذه الدول، وأصبحوا يعملون مستشارين لهم، ومسؤولين عن تلميع صورهم في الخارج، غير عابئين بأثر تأييدهم لمن وثقت الوقائع ارتكابهم انتهاكات واسعة بحق شعوبهم.

يحاول التقرير التالي التعرف على قائمة بأبرز مسؤولي أوروبا، ممن تباينت مواقعهم بين رؤساء ووزراء وملوك، وساهموا في دعم وتأييد حكام عرب والعمل على تحسين صورهم مقابل أجور مالية بملايين الدولارات.

ساركوزي.. القذافي موّل حملته الرئاسية وفي المقابل ساعده ليمسك بالمعارضين

لربما يكون نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي الأسبق (2007-2011) من أبرز وجوه الفساد الأوروبي العربي؛ إذ كانت له علاقات مع الحكام العرب متجاوزة للعمل الرسمي، وانخرط في علاقات أثارت شبهًا انتهت في المحاكم الدولية.

انكشفت هذه العلاقة بعد مقتل معمر القذافي، العقيد الليبي وزعيم ليبيا، في 2012، عندما نشر موقع «ميديابارت» الفرنسي وثيقة تقول: إن الزعيم الليبي المخلوع معمر القذافي موّل حملة ساركوزي الناجحة للانتخابات الرئاسية عام 2007 التي أوصلته للإليزيه، اكتسبت هذه الاتهامات مصداقية كبيرة بعدما رفضت مؤخرًا في سبتمبر (أيلول) 2020 محكمة الاستئناف في باريس غالبية الشكاوى التي تقدم بها ساركوزي ومقربون منه للطعن في التحقيق.

Embed from Getty Images

الزعيم الليبي المخلوع معمر القذافي، مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي المتهم بتلقي أموال من القذافي لدعم حملته الانتخابية للرئاسة عام 2007.

وخلال سبع سنوات جمع المحققون سلسلة من المؤشرات التي أفضت إلى هذه الفرضية، ومنها شهادات مسؤولين ليبيين ووثائق للاستخبارات في طرابلس واتهامات وسيط. كما كشف تحقيق صحافي أن أحد معاوني الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، ويُدعى تيري جوبير، تلقى في فبراير (شباط) 2006، أي قبل الانتخابات الرئاسية، مبلغ 520 ألف دولار على حساب سري في جزر الباهاما، وأن مصدر المبلغ هو البنك المركزي الليبي.

وجوبير كان المعاون السابق لنيكولا ساركوزي في بلدية نويي سور سين، ثم في وزارة الاقتصاد، كما أنه الصديق المقرب لبريس أورتفو، وزير الخارجية السابق، ومن أشد المقربين لساركوزي.

وترتبط بهذه الاتهامات قضية أخرى يبرز فيها اسم ساركوزي، تورط شركة «أميسيس» الفرنسية في قضايا تعذيب بليبيا في ظل نظام القذافي، ببيعه لأجهزة تجسس إلكترونية بتسهيلات دبلوماسية من ساركوزي، وبالرغم من أن القضية بدأت عام 2011 فما زالت معلقة دون تقدم يذكر حتى الآن.

توني بلير.. رئيس وزراء بريطاني سابق في خدمة الاستبداد

تحول توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق عقب انتهاء مهامه الرسمية داخل بلاده، لمستشار لعديد من الحُكام العرب، يقدم نصائح سياسية لهم ويحاول تلميع صورتهم في أوروبا، خاصةً من روّج عنهم في أوروبا قيامهم بممارسات غير مشروعة وانتهاكات لحقوق الإنسان، أو قضايا تعذيب وقتل خارج القانون للمعارضين.

وعلى سبيل المثال أصبح توني بلير مستشارًا للنظام المصري بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، لتقديم المشورة بشأن «الإصلاح الاقتصادي»، وعمل مع مصر ضمنَ برنامج تموله الإمارات العربية المتحدة.

Embed from Getty Images

توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، عمل بعد خروجه من منصبه مستشارًا لأنظمة استبدادية عدة في: الإمارات، ومصر، وكازاخستان.

وبلغ المقابل المالي الذي يتقاضاه بلير من صندوق الثروة السيادية في أبوظبي أكثر من مليون و300 ألف دولار سنويًا، مقابل أدوار تتمثل في مناهضة تيارات الإسلام السياسي في أوروبا، ودعم الأنظمة الصديقة لأبوظبي.

كما عمل مع رئيس كازاخستان، سلطان نزارباييف بعقد مليونيّ، ونزارباييف الذي روّج له بلير متهم بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وبتأميم وسائل الإعلام داخل بلاده.

مؤخرًا ترددت أنباء عن دور بلير في اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات، بصفته وسيطًا سريًا ينظم لقاءات سرية بين مسؤولين من البلدين ويتنقل بينهما. وذكرت تقارير أنه حضر لقاءات سرية جمعت بتسحاق مولخو، المبعوث الخاص الأسبق لنتنياهو، ووزير في الحكومة الإماراتية.

ويذكر أن الكويت واحدة من الدول العربية التي قدّم بلير لعائلتها الحاكمة استشارات في التوجهات السياسية والاقتصادية الجديدة والإصلاح السياسي، وتقاضى أكثر من 35 مليون دولار أمريكي من الحكومة الكويتية.

فيليب هاموند.. وزير الخزانة البريطاني السابق مستشار للسعودية

وسط انتقادات غربية واسعة للحكومة السعودية، ومقاطعة شركات كُبرى لمؤتمرات في الرياض بعد مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية بإسطنبول، وبأوامر من ولي العهد السعودي الشاب محمد بن سلمان كما كشفت التحقيقات، كان فيليب هاموند، وزير الخزانة البريطانية آنذاك يتواصل سرًا مع الحكومة السعودية ويبعث لها برسائل استرضائية، لتنتهي المراسلات بعمله لاحقًا مستشارًا للسعودية رغم ملفها سيء الصيت في حقوق الإنسان.

هاموند، الذي شغل قبل ذلك منصب وزير الخارجية البريطانية، تمتع بعلاقات وثيقة مع السلطات السعودية منذ سنوات تخللتها وقائع أثارت الشبهات حول هذه العلاقة كان أبرزها قبوله بساعة هدية من رجل أعمال سعودي، كما سافر في يوليو (تموز) 2019 للسعودية، قبل أسابيع من استقالته، بصفته مستشارًا لتعزيز الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي للحكومة البريطانية.

وقبل أيامٍ من تقديم هاموند لاستقالته من منصب مستشار الخزانة، المنصب الموازي لوزارة المالية في حكومات أخرى، وكتب حينها رسالة استرضائية لوزير المالية السعودي، محاولة من جانبه لضمان وظيفة العمل مستشارًا للوزير، وتودد هاموند بمفردات خارجة عن قاموس الرسائل الرسمية.

Embed from Getty Images

فيليب هاموند، وزير بريطاني استلم الخارجية والخزانة سابقًا، وتودّد لمسؤولين سعوديين قاموا بتوظيفه مستشارًا بعد استقالته من الحكومة البريطانية

وشملت الرسالة الموقعة يدويًا من جانبه لوزير المالية السعودي، تأكيد على «سعادته» لمقابلة الأخيرة في زيارته إلى جدة، والتي سبقت تقديم استقالته.

وقال في نص الرسالة: «أنه من دواعي سروري العمل معك على مدى السنوات الثلاث الماضية». وتابع: «أتطلع إلى معرفة المزيد عن أولويات المملكة العربية السعودية لرئاستها المقبلة لمجموعة العشرين. وما زلنا ملتزمين بالعمل معكم لتحقيق رئاسة ناجحة».

ودافع الوزير السابق عن رسالته بالتأكيد على أن الرسالة كانت «متابعة مجاملة روتينية»، وأنه «من الأخلاق الحميدة أيضًا أن أشكر الشخص الذي استضافني للتو».

ولم تمض مدة طويلة على هذه الرسالة، التي أعقبها باستقالته من الحكومة البريطانية، حتى صدر قرار بتعيينه مستشارًا للحكومة السعودية ليقوم بمهام استشارية تتمثل في التعاون مع الدول الأعضاء لمجموعة قمة العشرين بمن فيها بريطانيا، نيابة عن السعودية.

خوان كارلوس.. ملك إسبانيا تلقى رشاوى سعودية

بعد ملك 40 عاما تنازل خوان كارلوس ملك إسبانيا عن العرش ليسلمه عام 2014 لابنه فيليب، على خلفية اتهامات له في قضايا فساد مالي وتربح غير مشروع، ومطالبات واسعة بإخضاعه للتحقيق.

كانت القضية التي أثارت الجدل آنذاك هي التحقيق في قضايا فساد ضلع فيها زوج ابنته، وثبوت قيام الملك برحلة لصيد الفيلة خلال الأزمة المالية في إسبانيا، غير أن هذه القضية لم تستمر تداعياتها طويلًا، وخرج منها بدون حكم ضده.

Embed from Getty Images

ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس، خرج من بلاده بعد فتح قضايا فساد مرتبطة به

وبعد مرور أربع سنوات منذ تركه للعرش وخسارة حصانته من الملاحقة القضائية، انكشفت قضية فساد أكبر تورط فيها كارلوس مع السعودية، دفعت الملك للسفر خارج البلاد منتقلًا للإمارات حتى انتهاء التحقيقات.

وبدأت وقائع القضية في يونيو (حزيران) 2020، بفتح المحكمة العليا الإسبانية لتحقيق في تهم تتعلق بمنح كارلوس عقد مشروع إنشاء سكة حديد لقطار فائق السرعة في المملكة العربية السعودية، بعدما تسلم 100 مليون دولار من ملك السعودية الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

ويركز التحقيق القضائي عن ما إذا كان تلقي خوان كارلوس «هدية» من العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله عام 2008 بقيمة 100 مليون دولار على صلة بإبرام عقد قيمته أكثر من 7 مليارات دولار، لإنشاء خط سكك حديدية فائق السرعة بين المدينة ومكة على ينفذه تحالف شركات إسبانية، وذلك بعد تلقيه الهدية بثلاث سنوات.

وفي عام 2018 نشرت صحيفة «إل سبانيول» الإلكترونية سلسلة مقالات كشفت عن تلقيه هدية عقارية من العاهل المغربي بقيمة 3 ملايين و500 ألف دولار، تلقاها عبر عشيقته، وحصل أيضًا من ملك البحرين على هدية أخرى، حقيبة تحوي مبلغ مليون و900 ألف دولار «هدية» من الملك.

المصادر

تحميل المزيد