ثمة أمر عجيب اقتصاديًّا للغاية يحدث الآن بأوروبا. حيث أصبحت الفوائد على مجموعة من الديون بالسالب، مما يعني خسارة الأموال مقابل الإقراض، وهذه الديون في أغلبها سندات حكومية لدول مثل الدنمارك وسويسرا وألمانيا وسندات لشركة نستله وأيضًا سندات لشركة شل لكن لفترة قصيرة. وهذه الفرائد لم تصبح بالسالب بعد حساب معدل التضخم كما يحدث مع ديون الحكومية الأمريكية، بل قيمة سالبة مطلقة. تخيل لو أنك اشتريت سندات (دين) في شركة نستله بمبلغ مائة يورو، ثم بعد أربع سنوات استلمت أموال الدين وكانت مبلغ أقل مما دفعت في البداية.

على حد خبرتي، فلن يثير هذا الخبر اهتمام أي شخص عادي. لكن لمن يهتمون بالاقتصاد والتمويل فهذا أمر هائل ومؤثر. فما حدث يشبه التعثر في اكتشاف اقتصادي ضخم بالكامل عن طريق الصدفة.

حقًا، فوضع معدلات الفائدة في أوروبا غريب جدًا، لدرجة أن هذا الأمر كان يُعتقد بأنه مستحيل الحدوث حتى وقت قريب للغاية. كان هناك نظريات اقتصادية كثيرة تم صياغتها حول “حد الصفر” (مشكلة اقتصادية تحدث عندما تصبح الفائدة في الدولة صفر أو قريبة من الصفر، مما يوجد مشكلة في السيولة النقدية ويعوق عمليات التحفيز الاقتصادي) مما يؤدي لانعدام احتمالية وجود معدل فائدة بالسالب. حتى إن بعض الاقتصاديين اقترح القضاء على النقود الورقية للتخلص من مشكلة “حد الصفر”. وقد كتب باول كروجمان العديد من المقالات حول هذا الشأن. وقال في إحداها: “حد الصفر ليس مجرد نظرية، بل حقيقة، وهي حقيقة تواجهنا منذ خمسة أعوام حتى الآن”. ويبدو أن ذلك المستحيل قد حدث فعلًا.

لماذا ظن رجال الاقتصاد أن معدل الفائدة السالب مستحيل؟

حسنًا، فكر حول هذا الأمر. سندات بمعدل فائدة سالب هي عملية مضمونة الخسارة. لماذا ستشتري واحدة منها بينما يسعك الاحتفاظ بالأموال وعدم إنفاقها؟ النظرة التقليدية تقول إن لا أحد سيفعل ذلك ويشتري هذه السندات. وقد ظن الناس أن الفائدة على السندات لا يمكن أن تصل لأقل من صفر. لأن عند هذه النقطة سيتوقف الناس عن الشراء وسيحتفظون بأموالهم.

في أي الأماكن أصبح معدل الفائدة بالسالب؟

بشكل عام، فالإقراض بتكلفة سالبة يحدث في القارة الأوروبية. وخاصة بمنطقة اليورو، وبشكل أخص ومتكرر في دولة سويسرا.

– شهد تداول سندات الأربعة أعوام الخاصة بشركة نستله معدل فائدة سالب في الأسبوع الماضي.

– شهدت شركة شل تداولًا بمعدل فائدة سالب على سنداتها الأسبوع الماضي أيضًا.

– أصبحت فنلندا أول دولة أوروبية تشهد معدل فائدة سالب على عمليات البيع المبدئية لسنداتها.

– هولندا والسويد والنمسا لديهم معدل فائدة بالسالب على سندات الخمسة أعوام.

– ألمانيا والدنمارك لديهما معدل فائدة سالب على سندات تستمر حتى ستة أعوام.

– سويسرا لديها معدل فائدة سالب على سندات تستمر حتى ثلاثة عشر عام.

– وفي يوم الخميس، سندات قصيرة الأمد لفرنسا وحتى لسلوفاكيا أصبح معدل فائدتها سالبًا.

لماذا يصبح معدل الفائدة بالسالب؟

الإجابة الأبسط هي أن معدل الفائدة السالب هو ناتج بسيط لعملية العرض والطلب.

السندات هي نوع من الدين القابل للبيع والشراء. فمن يعرض بيع السند فهو يعرض بالتالي دفع الفائدة في المقابل للمشتري. فإذا لم يكن هناك طلب كثير لشراء السند، فمعدل الفائدة يجب أن يرتفع لأعلى لتشجيع العملاء على شراء السندات. وإذا كان هناك طلب كثير على الشراء فستقل قيمة الفائدة. رياضيًّا لا شيء مميز يحدث لهذه العملية إذا تجاوزت الفائدة الصفر. إذا كان ما يزال هناك الكثير من الطلب على الشراء، فستصبح الفائدة بالسالب، هكذا ببساطة.

في هذه الحالة بالذات، عدة أشياء تقود عملية العرض والطلب:

أحدها أن المستثمرين الأوروبيين يبدون شديدي التفاؤل بخصوص الناتج الاقتصادي الكلي للقارة. مما يجعلهم مقاومين لفكرة الاستثمار في مشاريع ذات مخاطر وإن كانت مرتفعة العائد. وأشياء كالسندات الحكومية لدول شمال أوروبا والتي تسير بشكل حسن أو كسندات شركات الأطعمة الاستهلاكية ذات الطلب العالي.

الشيء الآخر أن الحكومات الأوروبية تمانع زيادة عرض السندات المتاحة. فألمانيا على سبيل المثال، لديها فائض في الميزانية مما يجعل سنداتها قليلة جدًا. ولذلك سيكون العديد من الأشخاص حول العالم سعداء جدًا إذا ذهبت ألمانيا وأعطت أموال لليونان وإسبانيا، أو أعلنت خطة عملاقة لتشييد بنية تحتية، أو قللت ضرائب المبيعات بشكل كبير. لأنها إن فعلت ذلك، فستبدأ في إصدار العديد من السندات، مما سيستوعب كل الطلب في السوق. لكن دول شمال أوروبا لا تستجيب للطلب العالي على شراء سنداتهم لذلك تستمر الأسعار بالانخفاض.

أليس شراء سندات خاسرة شيئًا مجنونًا؟

كل شيء بدأ في الدنمارك. فالدنمارك لا تستخدم اليورو كعملة لها، ولكنها تربط بشكل رسمي قيمة عملتها المحلية “كرونة” بسعر اليورو. وفي حين يبدو اقتصاد الدنمارك مشابه لاقتصاد بعض دول منطقة اليورو كفنلندا وألمانيا وهولندا، لكنه أقوى بكثير من دول كاليونان والبرتغال وسلوفينيا. وبسبب قوة الاقتصاد الدنماركي فالمستثمرون الأجانب يدركون بأن قيمة الـ”كرونة” – على المدى البعيد- ستزيد بالنسبة لليورو. لذلك إذا كنت تفكر في شراء سندات دنماركية “كلعبة فرق أسعار عملات” فيبدو أن شراءهم بفائدة سالبة وراءه دوافع منطقية.

سويسرا أيضًا لديها حالة مشابهة لذلك. رغم أن عملتها غير مربوطة باليورو رسميًّا، لكن البنك الوطني السويسري يبدو حريصًا على ألا يزيد سعر العملة السويسرية بشكل كبير عن اليورو. وبما إن الاقتصاد السويسري أقوى بكثير من متوسط منطقة اليورو فلا أحد يظن أن هذا الوضع سيستمر للأبد.

كل ما سبق كان غريبًا بعض الشيء، لكنه لم يكن مفاجئًا. لكن فقط اتضح أن المحاولات لإبقاء تكافؤ في سعر العملة بين الدول الصغيرة وبين الدول الكبيرة غريب بعض الشيء.

الأمور تغيرت في يناير 2015 عندما أعلن البنك الأوروبي المركزي بدء برنامج التسهيل الكمي، وبكلمات أبسط: بدء طباعة الأموال واستخدامها لشراء السندات الحكومية.

كيف غير التسهيل الكمي الأمور؟

من المفترض أن يساعد التسهيل الكمي الاقتصاد عن طريق تقليل معدل الفائدة. فزيادة الطلب على السندات الحكومية يجعل معدل الفائدة عليهم أقل، ويجعلهم أقل جذبًا للاستثمار الخاص. وهذا من المفترض أن يحفز المستثمرين على أن يبحثوا على مجالات استثمار أخرى مختلفة ليستمروا فيها، كبدء أعمال جديدة أو بناء المنازل؛ مما يعمل على دفع الاقتصاد للأمام.

لكن الآن – وهنا المعضلة- منطقة اليورو لديها بنك مركزي واحد، لكن لا يوجد سندات مجمعة خاصة لمنطقة اليورو.

لذا فعندما يذهب البنك الأوروبي المركزي ليشتري سندات فيشتري سندات للبلدان الأعضاء به، قليلًا من بلجيكا والبعض من البرتغال على كمية من فنلندا وعدة سندات من إيطاليا… إلخ. لكن أحد تبعات كارثة منطقة اليورو في عامي 2010 و2011 هي ظن البعض أن الاتحاد الأوروبي قد يتعرض للانهيار والتفكك، وبالطبع سيكون وضعك أفضل بكثير إذا كنت تمتلك سندات دولة غنية ومستقرة كألمانيا بدلًا من سندات دولة فقيرة وتواجه وضع سياسي غير معلوم العواقب كإسبانيا. لذلك وبغض النظر عن الفوائد المدفوعة على السندات الإسبانية، فمعدل فوائد السندات الألمانية سيكون أقل بلا شك.

بمعنى آخر، إذا أخذ البنك الأوروبي الموحد خطوات لتقليل معدل الفائدة الإسباني جدًا، إذًا فمعدل الفائدة على دول أكثر جدارة ائتمانية في منطقة اليورو يجب أن يكون تحت الصفر.

بالرغم من كل هذا، لماذا يُقدم أي شخص على شراء سندات بفائدة سالبة؟

هذا سؤال جيد جدًا. فرغم أن آليات عمل معدل الفائدة السالب سهل وواضح. لكن يظل السؤال هو لماذا لا تُبقي على المال معك أو في حسابك البنكي بدلًا من خسارته في سندات بفائدة سالبة؟ الأمور حتى الآن غير واضحة بشكل كافي، لكن ما يلي هي أهم ثلاثة أسباب لذلك حسب رأي بعض الخبراء:

– الأمان: فالسند محمي تمامًا بضمان وسمعة الحكومة التي أصدرته. عكس حسابات البنوك والتي تضمنها الحكومات حتى قيمة معينة – أغلب الدول الأوروبية تضمن بحد أقصى 100,000 يورو-. ولذلك فالشركات الكبيرة والأفراد شديدو الثراء لديهم أموال أكثر مما يستطيعون صرفه أو حتى استثماره. بالطبع يستطيعون الاحتفاظ بالمال في الأدراج والصناديق في منازلهم، لكن ذلك سيكون شديد المخاطرة.

– التمويل السلبي: لأن الجميع اعتقدوا باستحالة حدوث الفائدة السالبة، فقليل من المؤسسات لديها قواعد للتعامل مع مثل هذا الوضع. فصناديق التقاعد والصناديق الاستثمار المشترك وغيرها من صناديق الاستثمار غير الشخصي لديهم قواعد ونماذج يجب أن يلتزموا بها. وهذه القواعد والنماذج تفرض شراء السندات الآمنة على طول الطريق، بل إن حتى شراء بعض السندات يتم بطريقة آلية تلقائية.

– البنوك: البنوك لا تستطيع حفظ أموالها الفائضة في حسابات بنكية. وبدلًا من ذلك يحفظون الاحتياطي النقدي لديهم لدى البنك المركزي. وبعض هذه الأموال الاحتياطية يتم بشكل إلزامي قانونًا. لكن تستطيع البنوك أيضًا حفظ الفائض عن هذه الأموال الاحتياطية بطرق أخرى. والبنك الأوروبي المركزي يتقاضى حاليًا رسوم على الأموال الفائضة عن الاحتياطي، مما يعني أنه من الأكثر منطقية تخزين الأموال الفائضة في سندات حكومية.

ما هي الآثار المترتبة على ذلك؟

أكبر هذه الآثار هو رغبة البنوك المركزية – بما فيها البنك المركزي الأمريكي- في إجراء تغييرات أكثر جرأة في معدلات الفائدة لديهم. وقد كان موقف البنك الفدرالي – ولعدة سنوات- هو عدم إمكانية تقليل معدل الفائدة أكثر من ذلك حتى يتم تجنب الوصول لحد الصفر. وبدلًا من ذلك، عملوا على تجريب عدة أشياء حول الاتصالات والتسهيل الكمي. لكن الآن اتضح أن معدل الفائدة يمكن أن يصبح أقل. وعلى عكس البنك المركزي الأوروبي، فالبنك الفدرالي يدفع فائدة موجبة قليلة على فوائض الأموال البنكية الاحتياطية. المسئولون الفدراليون يقولون إن هذا لا يغير شيئًا على أرض الواقع، لكن يبدو أن الفائدة السالبة على فوائض الأموال البنكية الاحتياطية قد يكون الطريق للوصول للفائدة السالبة على السندات.

حاليًا، يتناقش البنك الفيدرالي حول زيادة معدل الفوائد، لكن مع معدل تضخم جيد أقل من 2%، فربما يجب عليهم أن يفكروا في تقليلها مع تغيير سياسة التعامل مع فائض الاحتياطي النقدي للبنوك إذا كان ضروريًا.

بالنسبة لأوروبا فهناك سؤال واحد مطروح، وهو: هل طرح سندات كثيرة في منطقة اليورو منطقي أم لا؟ المصوتون في ألمانيا والبلدان الأكثر جدارة ائتمانية لديهم تحفظات تاريخية تجاه تحمل مخاطر ائتمانية كما تفعل اليونان وإيطاليا، ولكن مع وجود معدل فائدة متدني بشكل غير مسبوق فمن غير الواضح إن كان هذا الأمر سلبي. المدخرون الألمان سيكونون سعداء لإنشاء شبكة جديدة من السندات الآمنة وفي نفس الوقت ذات معدل فائدة إيجابي.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد