إلى الجنوب السوري تلك المنطقة المحورية، التي يحدد مصيرها الآن عدة أطراف ليس بينهم سوريون، بدأت خطوة فعلية يجهّز لها منذ عدَّة شهور، إذ تم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين المعارضة، والنظام السوري تليه خطوة باتجاه الوصول إلى خفضٍ دائم للتصعيد في هذا الجنوب.

أما الأخطر، فهو الهدف الاستراتيجي لإسرائيل في المقام الأول، والمتمثل في إقامة منطقة آمنة على الحدود الواصلة بين الجولان المحتل، وسوريا، والأردن، بحيث تضمن إسرائيل أن تكون أبرز الرابحين من الاتفاق تحت ذريعة منع التمدد الإيراني بالقرب من الحدود الشمالية، وهو ما قد يدفعها لتجنيد ميليشيات محلية للعمل لمصلحتها، وتكريس وجودها في الجنوب السوري، على غرار إنشائها لـ«جيش لبنان الجنوبي» عام 1976.

كيف تمَّ توقيع اتفاق وقف إطلاق نار في الجنوب رغم غياب الإرادة السورية؟

بينما كان اجتماع قمة العشرين في ألمانيا يتداول اتفاقيات تتعلق بأكبر الاقتصادات في العالم، كان هدف آخر يحقق بين كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، هو توقيع اتفاق وقف إطلاق نار في الجنوب السوري، ليعدّ هذا الاتفاق كما أعلن خطوة في سبيل الوصول إلى خفضٍ دائم للتصعيد في هذه المنطقة، ومنها لإنشاء منطقة آمنة.

الرئيسان: الأمريكي «دونالد ترامب»، والروسي «فلاديمير بوتين».

فعليًّا، بدأ وقف إطلاق النار ظهر أمس الأحد بتوقيت دمشق، وقد شمل الاتفاق محافظتي درعا والسويداء، وقسمًا من محافظة القنيطرة، بحيث تكون هذه المنطقة على عاتق الشرطة العسكرية الروسية بالتنسيق مع الأردنيين والأمريكيين، واعتبرت المعارضة السورية أن ذلك «اتفاق منفرد في الجنوب السوري بمعزلٍ عن الشمال كسابقة تحدث للمرة الأولى»، وذكر في بيان وفد المعارضة السورية العسكري الذي يحضر مباحثات أستانا الخامسة: «أنّ هذه الاتفاقات تقسم المعارضة السورية إلى قسمين، وتكرِّس القبول بالوجود الإيراني في ما بعد المناطق العازلة المحددة بـ 40 كيلومترًا المتاخمة للحدود السورية مع فلسطين المحتلة والأردن».

يقول الباحث السياسي «نوّاف الركاد»: «روسيا والولايات المتحدة حليفتان استراتيجيتان لإسرائيل، وجاء هذا الاتفاق بحكم الضرورة الأمنية العاجلة لحماية الكيان الإسرائيلي»، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «من جهةٍ أخرى نجح الروس في إقناع الولايات المتحدة بالموافقة على مخرجات أستانة بالاتفاقات الجزئية لوقف إطلاق النار تمهيدًا لاستكمال مساعي الحل الروسي في سوريا»، ويعتبر «الركاد» أنّ إخراج الإيرانيين من الجنوب هو مطلب أردني و إسرائيلي بالدرجة الأولى، ثم أمريكي روسي بالدرجة الثانية، مشددًا على أنّ: «خطورة هذا الاتفاق تكمن في غياب الإرادة السورية عنه، وفي كونه اتفاقًا جزئيًّا على المستوى الجغرافي مما يلهب الهواجس والمخاوف الوطنية».

يذكر أن مصادر في الإدارة الأمريكية تحدثت مؤخرًا عن أن: «الخطوط العريضة للاستراتيجية الأمريكية الجديدة تشمل الموافقة على بقاء الأسد في السلطة، وقبول فكرة موسكو وحلفائها حول إنشاء مناطق تخفيف التوتر في سوريا، ونشر قوات للشرطة العسكرية الروسية في مناطق سورية خاضعة لسيطرة الحكومة»، حسب موقع «ديلي بيست» الأمريكي.

المنطقة الآمنة.. شروط إسرائيل التي تؤمِّن مخاوفها

لم يكن اتفاق وقف إطلاق النار سابق الذكر إلا مقدمة لإنشاء المنطقة الآمنة التي تخطط إسرائيل «الحاضرة» في مقترحاتها لتضمن أمنها، فقد بدأ الدفع القوي لإسرائيل نحو إنشاء هذه المنطقة مبكرًا، ولم يتوانَ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو عن الحديث علنًا عن رغبته في إقامة هذه المنطقة، داعيًا الأمريكيين والروس إلى أخذ إقامة منطقة عازلة بعين الاعتبار في اتفاقيات الشأن السوري.

طفل سوري نازح

ما يهمّ إسرائيل أكثر من هذه المنطقة، هو صد مساعي إيران في التواجد العسكري على طول الحدود الجنوبية لسوريا، وإبقاء المنطقة منزوعة السلاح، بهدف إحكام السيطرة على الحدود مع الجولان المحتل، وذلك في مقابل حرص الإيرانيين على التواجد في منطقة «حدود إسرائيل الشمالية» لتعزيز مكانتهم الإقليمية، ولهذا الهدف تخطو إيران نحو تشكيل الطريق البري باتجاه لبنان، مرورًا بالعراق وسوريا، المهمة التي شكلت لها «لواء الجولان» على يد جبهة النجباء العراقية.

لماذا لا تريد إسرائيل تواجد روسي في مناطق تخفيف التصعيد جنوبي سوريا؟

ثمَّة تنغيصٌ آخر لدى الإسرائيليين ليس بعيدًا عن التخوُّف من إيران، يتمثَّل ذلك في التخوُّف من نشر قواتٍ عسكريّة روسية في مناطق تخفيف التصعيد جنوبي سوريا، تريد إسرائيل حليفًا أكثر أمنًا من الروس، وهم الأمريكيون، الذين تبنوا الموقف الإسرائيلي دائمًا.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي

إذ تفضل إسرائيل «نشر قوات أمريكية في هذه المناطق» كما ذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ويضيف تقريرها: «من أبرز المخاوف الإسرائيلية اليوم هو موضوع كيفية التنسيق وإدارة المناطق بين الدول حول مسألة وقف إطلاق النار في مناطق تخفيف التصعيد، ومن سيتحمَّل مسؤولية الوضع بشكلٍ عام»، وحسب صحيفة «التايمز» البريطانية، فإنّ: «المخاوف الإسرائيلية تنبع من إمكانية انسحاب الأمريكيين تاركين الميليشيات المدعومة من إيران مثل (حزب الله) تعزز مواقعها في جنوب البلاد، بما في ذلك على طول الحدود مع الجولان»، لذلك طالبت إسرائيل خلال محادثاتها مع روسيا بالاعتراف بسيطرتها على الجولان السوري المحتلّ، إضافة إلى طلبها إقامة «حزام أمني» في العمق السوري من جهة الشرق حتى يسهل توغلها في الأراضي السورية، في حال شكلت جهة مسلحة خطرًا على أمنها.

يقول محلل الشؤون العربية في صحيفة «هآرتس»، تسيبي برئيل: «تنطلق إسرائيل من فرضيَّة، أن السيطرة التامة في هذه المنطقة سوف تصبح لروسيا بعد مغادرة القوات الأمريكية، وأن روسيا ستجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات لإيران بما يتعلق بتقاسم النفوذ بالمنطقة، وذلك ضمن المصلحة المشتركة لروسيا وإيران في بقاء بشار الأسد بالحكم».

هل تُنشِئ إسرائيل «جيش جنوب سوريا» على غرار جيش لبنان الجنوبي؟

يثير وجود المنطقة الآمنة الكثير من المخاوف لدى السوريين أنفسهم، منها احتمال عودة ما يسمى بـ«حقبة جيش لبنان الجنوبي»، فعندما أقامت إسرائيل منطقة آمنة على حدودها الشمالية مع لبنان تمكَّنت من تجنيد ميليشيات محلية للعمل لمصلحتها، سهّلت تكريس الوجود الإسرائيلي في لبنان لسنوات.

الجولان السوري

وما يمهد لإمكانية ذلك في المناطق السورية الآن، هو قيام إسرائيل بمدّ مجموعة من المقاتلين (لواء فرسان الجولان) بالأسلحة، في محاولة لكسب عقول وقلوب السوريين من خلال إرسال مساعدات إنسانية لهم، وتذكر صحيفة «التايمز» البريطانية أنّه من شأن العلاقة مع إسرائيل أن: «تشكِّل كارثة للمسلّحين أمام الرأي العام في مرحلةٍ مبكرةٍ من الحرب، لكن مع دخول العديد من اللاعبين الخارجيين وتضاؤل الأمل بالتوصُّل إلى حل الكثير منهم لم يعد يهتم بالمسائل الجيوسياسية»، من جانبه، يرى محلل الشؤون العربية في صحيفة «هآرتس»، تسيبي برئيل أنه: «لدى إسرائيل عدد غير قليل من الحلفاء، بما في ذلك فرسان الجولان ووحدات من الجيش السوري الحر، وأن ذلك يسمح بإنشاء (جيش جنوب سوريا) على غرار جيش لبنان الجنوبي، الذي أسسته ومولته إسرائيل عام 1976 من أبناء القرى الجنوبية ووحدات منشقة من الجيش اللبناني»، وحسب «برئيل» فإن «الغرض من (جيش جنوب سوريا) هو منع قوات حزب الله ووحدات موالية لإيران من الاستحواذ والسيطرة على مرتفعات الجولان، بعد انتهاء القوات الأمريكية من الحرب على داعش وانسحابها من المنطقة».

ويؤكد الإعلامي والمحلل السياسي «أحمد الهواس» أن ما حصل من اتفاق وقف إطلاق نار في جنوب غرب سوريا في مناطق درعا والسويداء والقنيطرة، يصبُّ في أمن إسرائيل، موضحًا لـ«ساسة بوست»: «تم إلحاق السويداء، ونحن نعلم أنها ليست جزءًا من الثورة السورية؛ بل في أحسن حالاتها قدمت خدمة للنظام بهدوئها، فضلًا عن سعي إسرائيل لصناعة فصيل درزي يكون مسؤولًا عن هذه المنطقة بعد أن أنهكت الأطراف الثورية في درعا وفي القنيطرة بمقاتلة النظام وحلفه طوال السنوات الفائتة»، ويوضح «الهواس» أنّ: «التقسيم في هذه المناطق لن يكون جيوسياسيًّا، بل هو تقسيم مجتمعي ومناطقي بحيث تنتهي القوة للأقليات على حساب الكتلة الصلبة (العرب السنة)».

هل يريد الأمريكيون توريط الروس في البقعة السورية؟

رأى بعض المحللون أن اتفاق الجنوب السوري، وما يتبعه، سيمكن الروس من استثمار دورهم في إحكام وسيطرة أكبر على سوريا، إذ إن هذا الاتفاق بمثابة إقرار واضح لحاجة أمريكا لروسيا في تولي الكثير من المهام في سوريا.

الجنوب السوري

لكن هناك من يعتقد أن هذا الاتفاق جاء بغية توريط أكثر للروس في البقعة السورية، وتعقيد دورهم وضبطهم لعلاقاتهم مع الإيرانيين، إذ يتم الآن وبعد توقيع الاتفاق تحشيد قوات النظام السوري، مع حلفائه، في منطقة الجولان، مقابل تحشيد آخر لفصائل المعارضة الموجهة أردنيًّا، برعاية أمريكية، واعتبر محللون روس الاتفاق الأمريكي– الروسي في جنوب غرب سوريا «مسمار جحا أمريكي، يريد به الأمريكيون مزيدًا من توريط الروس في المستنقع السوري. في حين، يحاول الأمريكيون أنفسهم، تجنب الغرق في ذلك المستنقع، والاعتماد على أدوات محلية وإقليمية، لتنفيذ أجنداتهم، مع أقل قدر ممكن من التدخل المباشر»، كما يقول الصحافي السوري «إياد الجعفري»، مضيفًا: «الفشل في تحدي الجنوب السوري، هذه المرة، يعني إحراج الروس أمام الأمريكيين، بعد أن حققوا خطوة على طريق حلمهم المنشود، وهو اعتراف الأمريكيين بهم، كشركاء دوليين في أكثر من ملف، لكن عليهم في البداية، أن يُثبتوا جدارتهم في تنفيذ جانبهم من الاتفاق في بقعة صغيرة من سوريا، هي جنوبها الغربي».

تحدثنا إلى مدير التحرير لدى موقع «الفيحاء نت»، رزق العبي، فأكد لنا أن هدف التقارب الروسي الأمريكي الأخير هو إبعاد إيران، وجعلها الغارق الوحيد في المستنقع السوري. يقول: «لا أعتقد إطلاقًا أن روسيا تمانع في ذلك، لأن هناك فرقًا كبيرًا بين الدور الروسي والدور الإيراني على الأراضي السورية، إذ إن الأخيرة دورها طائفي توسّعي مرتبط بالهلال الشيعي الذي تسعى إيران له منذ زمن، بينما الدور الروسي دور عسكري اقتصادي»، ويتابع «العبي» الحديث لـ«ساسة بوست»: «روسيا تستطيع اليوم وحدها أن تقطع يد إيران في سوريا بعدما عجز عن ذلك الكثير من الدول والفصائل، خاصةً وأن هذا الأمر مطلب ملحّ لدى الأمريكان، وهذا ما سيحصل، لأن أمريكا تضع روسيا على المحكّ، فإما التعاون والتخلي عن إيران في سوريا، أو بقاء العقوبات، وهذا ظهر واضحًا في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا».

المصادر

تحميل المزيد