في الجزء الأول من تقريرنا حاولنا الإجابة على كثير من الأسئلة حول تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش)، منذ نشأة التنظيم في 2004، واندماجه في القاعدة ثم انفصاله عنها بعد ما حدث في سوريا، ناقشنا أسباب قوته، ووضعه وما يسيطر عليه في سوريا والعراق، وحالته الاقتصادية، وما بينه وبين الشيعة والأكراد، وكيف أنه في العراق جماعات معارضة مسلحة أخرى غير داعش والقاعدة، وأن الجيش العراقي لا يعاني من قلة عدد أو عتاد لكن من الفوضى.

لمراجعة التقرير من هنا.

ولنستكمل حول داعش بما قد يساعد على رؤية أوضح وأشمل لهذا الكيان.

 

إيران تقاتل إلى جانب الحكومة العراقية

بحكم المذهب الشيعي الذي تنتمي له الحكومة وأغلب الشعب الإيراني، فإن حكومة إيران لديها علاقات وثيقة بالحكومة العراقية، ويشبه هذا كثيرًا ما يحدث في سوريا، فإيران لا تريد المعارضين لنظام الأسد من المسلمين السنيين أن يسقطوا الحكومة الشيعية الصديقة، لذلك فإيران في كلا البلدين تلعب دورًا مهمًا في الحرب.

في شهر يونيو مثلًا أرسلت إيران 500 من قوة القدس التابعة للحرس الثوري لمساعدة الحكومة العراقة في مواجهة داعش، وهذه ليست أية قوات إيرانية لكنها مجموعة من النخبة المختاره للقيام بالمهام الخاصة.

وتعد قوة القدس واحدة من أكثر القوات العسكرية تأثيرًا في الشرق الأوسط، فهي بعيدة كل البعد عن القوات العراقية غير المنضبطة التي فرت أمام قوة داعش الصغرى في الموصل.

ورسميًا تنفي إيران وجود أي جنود لها في العراق، لكن وكالة الأسوشيتد برس أصدرت تقريرًا يؤكد أن زعيم قوة القدس قاسم سليماني يعمل مع 120 جندي إيراني في خطوط المواجهة بمساعدة مستشارين إيرانين، وأنهم قد خرجوا بتكتيك جيد لمواجة داعش في العراق.

بما يعني أن إيران لديها جنود في العراق أكثر مما يعلنون، فحتى وسائل الإعلام الإيرانية اعترفت بوفاة جندي إيراني واحد على الأقل في العراق.

وهذه السرية من قبل إيران ليست لوجود مشكلة عند قوة القدس في مواجهة داعش على أرض غير إيرانية، لكن لأن هذا قد يساعد داعش في بناء دعم بين القوى السنية العراقية، فغير طائفية فكرة مساعدة إيران للحكومة العراقة لأنهم على نفس المذهب الديني، فأن للقومية فكرة أعمق في نفوس العراقيين، فالكثير من العراقيين لا يحبون فكرة وجود قوة أجنبية تتحكم في حكومتهم، حيث ذكريات الحرب الايرانية العراقية لم تتلاشَ.

وبالتالي المشاركة الإيرانية في القتال لها نتائج مقلقة، منها إضفاء الشرعية على دعاية داعش بأن هذا ليس صراعًا بين حكومة ومعارضين، إنما هي حرب بين السنة والشيعة.

 

محادثات الولايات المتحدة وإيران حول العراق

كانت الولايات المتحدة وإيران على خلاف دائم منذ قرون في الشرق الاوسط حول قضايا مثل البرنامج النووي الإيراني، الحرب الثانية على العراق، سوريا، وإسرائيل. لكن الآن كل من الولايات المتحدة وإيران ترغب في أن تقوم الحكومة العراقية بالتصدي لداعش، فكان التقاء اثنين من الأعداء التقليديين للحديث عما يمكن القيام به سويًا.

ففي منتصف يوليو الماضي جرت محادثات غير رسمية بين الولايات المتحده وإيران، لكنهم لم يتوصلوا لاتفاق، وبينما أشارت القيادة الإيرانية إلى التعاون مع الولايات المتحده في قضية العراق، كان رد إدارة أوباما بشكل قاطع: “إننا لن نتعاون أو ننسق عسكريًا مع إيران”.

لكن على الرغم من أن الولايات المتحدة أمضت سنوات تقاتل المليشيات المدعومة من إيران بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فإنها حتى الآن لم تتخذ عقوبات ضد التدخل العسكري الإيراني في سوريا والعراق ضد داعش.

وبشكل عام فإن أي اتفاق سينتج بين الولايات المتحدة وإيران سيكون مثيرًا للجدل في كلا البلدين، فكثير من الاستراتيجيين الأمريكيين يرون إيران على أنها العدو الرئيسي في الشرق الأوسط، وعلى الصعيد السياسي فالفصائل الرئيسية في كلا البلدين تحتقر فكرة التعاون مع الآخر، لذلك من المرجح أن أي تنسيق سياسي يمكن أن ينتج بين البلدين بالنسبة لمشكلة العراق سيكون حذرًا.

 

الولايات المتحده شنت حملة لتدمير داعش

في العاشر من سبتمبر أعلنت الولايات المتحدة عن استراتيجية شاملة لتدمير داعش في كل من سوريا والعراق، وهذه الاستراتيجية شملت حربًا جوية في كلا البلدين وتوفير الأسلحة والتدريب للحلفاء المحليين على الأرض (الجيش العراقي، القوات الكردية، المعارضين السوريين لداعش).

هذه الاستراتيجية لم تأتِ من العدم، ففي الثامن من أغسطس أعطى أوباما إذنًا للجيش الأمريكي بشن هجوم جوي على داعش في حالة حاولت تهديد العاصمة الكردية أربيل أو الآلاف من المواطنين المحاصرين في جبل سنجار.

(كانت داعش قد قامت بهجوم على الأراضي الكردية وفي أثناء هذا الهجوم حاصرت الآلاف من المدنيين الذين ينتمون لأقليه دينية تعرف بالـ “يزيديين” على جبل سنجار، حيث كانوا يفتقرون إلى الغذاء والماء. وقد تم فك هذا الحصار، وأدى التعاون بين الولايات المتحدة والقوات الكردية إلى دفع داعش إلى التراجع في وقت مبكر من أغسطس).

بعدها أعلن أوباما في خطاب له في العاشر من سبتمبر: “إننا سنتعقب الإرهابيين الذين يهددون بلادنا أينما كانوا”، وأضاف: “إننا لن نتردد في اتخاذ أية إجراءات ضد داعش في سوريا كما في العراق”.

وليست الضربات الجوية هي الأمر الوحيد في استراتيجية أوباما، فقد أرسل 475 جنديًا أمريكيًا لتدريب الجيش العراقي، هذا بالإضافة إلى 1000 جنديًا كان قد تم إرسالهم بالفعل. وإرسال هؤلاء الجنود من الناحية النظرية يجب أن يساهم في حل مشكلة انعدام النظام التي يعاني منها الجيش العراقي والتي ظهرت جلية في الموصل، كذلك تدفق الأسلحة الجديدة ستكون مفيدة للقوات الكردية، لاسيما بعد تفوق داعش عليها بسبب استيلائها على أسلحة أمريكية من الجيش العراقي.

هذه الاستراتيجية من المفترض أن تمتد لتشمل المتمردين السوريين، لذلك طلب أوباما من الكونجرس سرعة الموافقة على تمويل بقيمة 500 مليون دولار، لتدريب وتمويل المتمردين السوريين.

وعلى الرغم من كون أوباما ظل متشككًا فترة طويلة من فكرة التعاون مع المتمردين إلا أنه لا يستطيع مواجهة داعش بدون وجود حلفاء له في سوريا على الأرض، فأمريكا لا تستطيع التعاون مع أعداء داعش في سوريا كتنظيم القاعدة أو نظام بشار الاسد، لذلك ليس هناك خيار سوى المتمردين.

وكان لدى أوباما تخوف من عدم تغير فكر الاضطهاد الطائفي الذي كان يقوم به نوري المالكي، وكون غياب تمثيل السنة في الحكومة العراقية يعد دعمًا غير مباشر لداعش، لكن الحكومة العراقية الحالية برئاسة حيدر العبادي وبوعود برؤية أكثر شمولية ساهمت، مع قتل اثنين من الصحفيين الأمريكيين، في قرار أوباما بمساعدة الحكومة العراقية ضد داعش.

 

الأمريكان يلومون أوباما

هناك جدل سياسى حالي في الإعلام الامريكي حول ما إذا كانت إدارة أوباما تستحق اللوم على ما يحدث في العراق، هذا الجدل يدور حول أن أوباما لم يستطع المناورة في الاتفاقية التي عقدت مع الحكومة العراقية والتي بمقتضاها كان على القوات الأمريكية الانسحاب من العراق بحلول نهاية عام 2011. فقد فشلت الإدارة الأمريكية في التفاوض على الأحكام التي من شأنها إبقاء بعض القوات الأمريكية في العراق.

من ينتقد أوباما على ذلك يقول بأنه لم يبذل قصارى جهده في التفاوض على هذه الشروط مع المالكي، وأنه لو كان قد نجح لاستطاعت القوات الامريكية ردع داعش ومنعت الازمة من الوصول لتلك المرحلة.

لكن في المقابل يقول المدافعون أن الإدارة الأمريكية كانت في وضع ميؤوس منه أمام الفصائل الرئيسية في الحكومة العراقية والتي رفضت بشكل نهائي وجود أي جندي أمريكي على أرض العراق، ويؤكدون بأن القوات الأمريكية لم تستطع صد داعش وهى متواجده بكامل قوتها أثناء الحرب في العراق، فكيف لقوة صغيرة أن تفعل شيئًا؟

 

السُنة والأقليات في العراق سوف يعانون

يرى الخبراء أنه في النهاية ستفشل داعش في إنشاء حكومة فعالة، وسيخرج الأكراد فائزين، فكيرك سويل المحلل والخبير في السياسة العراقية يرى أن المناطق التي تسيطر عليها داعش غير قابلة للحياة، فالأنبار(وهي محافظه سنية متمردة) 95% من الأموال التي تعتمد عليها تأتي من بغداد.

ونينوى (من المحافظات المتنازع عليها والشاملة للموصل) سوف تعاني انهيارًا اقتصاديًا هائلًا، وأن السُنة الذين يعيشون في هذه المناطق سوف يعانون من هذا أكثر من أي شخص آخر.

ففي السادس من أغسطس استولت داعش على قرقوش، وهى أكبر مدينة مسيحية في العراق، فأصبحت المحافظه ذات الـ50 ألف مواطن في ضيق من الحصول على الطعام والماء والطاقة، هذا إلى جانب إعطاء مسيحييها الاختيار بين اعتناق الإسلام أو القتل أو التهجير.

ومن الأقليات الأخرى المعرضة للخطر: “اليزيديون”، وهم أقلية دينية عددها لا يتجاوز الـ600 ألف حول العالم، لكن أكبر تجمع لهم في شمال العراق.

وبالنسبة للشيعة فإنهم سوف يعانون طبقًا لحديث سويل لكن ليس بقدر السُنة.

 

قبض داعش على الصحفيين الأمريكين جيمس فولى وستيفن استولف وإعدامهما

كان جيمس فولي مراسل أمريكي فقد في سوريا منذ ما يقرب من عامين، وفي الثلاثاء الموافق التاسع عشر من أغسطس تسلمت أمريكا شريط فيديو لجيمس يبدو أنتج بواسطة داعش كتحذير للولايات المتحدة لوقف الضربات الجوية ضد الجماعة في العراق، والذى انتهى بوفاة فولي.

في الثاني من سبتمبر أصدرت داعش شريط فيديو ثانٍ يظهر إعدام الصحفي الأمريكي الثاني ستيفن استولف.

كان فولي أول المفقودين في نوفمبر 2012 وقد شوهد للمرة الأخيرة على قيد الحياة في حلب في سوريا حيث كان يغطي الحرب السورية، ولم يكن واضحًا أين اختفى ومن الذي تسبب في اختفائه، وعند هذه النقطة من الصراع لم تكن داعش قد شُكلت بعد، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يختطف فيها فولي فقد تم اختطافه أثناء الحرب الليبية في علم 2011.

لمدة طويلة كان موقع فولي غير معروف، وفي مايو 2013 اعتقدت أسرة وأصدقاء فولي أنه قيد الاحتجاز في أحد سجون بشار الأسد، لكن فيديو مقتله لم يظهر بوضوح أين كان، فقط عنوان الفيديو هو رسالة إلى #America من #IslamicState والفيديو لا يصور غير أحد رجال داعش بلكنة بريطانية أجبر فولي على أدانة أمريكا قبل قطع رأسه.

بعد ذلك عرضت داعش فيديو لرجل زعمت أنه الصحفي الأمريكي الآخر المفقود ستيفن استولف، وهددت بقتله إذا لم تقم الولايات المتحدة بوقف القصف على داعش في العراق، استولف كان مثل فولي مراسلًا ذا خبرة في الشرق الأوسط وذهب إلى البحرين ومصر وتركيا وليبيا وسوريا.

حاولت أسرة ستيفن تقبل اختفائه بهدوء في البداية، لكن بعد ظهور فيديو ستيفن بعد فيديو فولي خرجت الأمور عن السيطرة. وقامت والدة ستيفن بعمل فيديو موجه إلى زعيم داعش أبو بكر البغدادي، تطلب منه إرجاع ابنها.

 

 

 

لكن مقتل ستيفن وفولي لم يوقف الحملة الجوية الأمريكية، وها هي أمريكا بالاشتراك مع السعودية والإمارات والأردن تضرب داعش منذ أيام بغارات جوية، فقد انتهجت الولايات المتحدة سياسة عدم الاستسلام لمطالب الفدية لأنه يخلق حافزًا لأي جماعة أرهابية بخطف الأمريكيين، والبحوث الإحصائية على الإرهاب والاختطاف أيدت تلك النظرية.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد