“إن الشائعة جريمة يرتكبها أشخاص متورطون، جريمة كاملة، لأن مرتكبيها لا يتركون وراءهم أي أثر أو سلاح أو دليل، والصحيح أيضًا أن الشائعة تقتل؛ فالوزير روجيه سالينغرو انتحر في عام 1936، ومثله روبير بولان في عام 1979، إثر تعرض كل منهما لحملة من الشائعات فاقت قدرتهما على الاحتمال”.

هكذا تحدث الخبير الفرنسي جان نويل كابفيرير – الحائز على الدكتوراه في علم الإدارة من جامعة أمريكية والشهير بـ”التسويق”- في كتابه “الشائعات الوسيلة الإعلامية الأقدم في العالم” في الإشارة إلى مدى خطورة الشائعات، وكانت ساسة بوست قد نشرت تقريرًا عن الشائعات تطبيقًا على المجتمع المصري، للاطلاع عليه من هنا.
واتجه “جان” إلى أن الشائعات أبعد ما تكون عن الغموض ويحكمها منطق صارم يمكن تفكيكه إلى آليات وأسئلة، نغطي أهمها في هذا التقرير، حيث سنتناول: تعريف الشائعات، وكيف تنشأ، وكيف يتحول الخبر إلى شائعة، ولماذا نصدقها، وكيفية مواجهتها.

1- ما هو تعريف الشائعة؟

إن أشهر تعريف للشائعة، ينسب إلى عالم الاجتماع الأمريكي، تي شيبوتاني، الذي اعتبر الشائعات أخبارًا ملفقة تتولد من نقاش جماعي، ويؤكد شيبوتاني في هذا الإطار أن مصدر الشائعة حدث مهم وملتبس، ويمكن اختصار التعريف بـ:
الإشاعة= الأهمية x الالتباس
وتقوم هذه العلاقة كما هو جلي، على عملية الضرب. فإن لم يكن الحدث مهمًا أو ملتبسًا على الإطلاق، فلن تنشأ الشائعة، كما أن تداول المجموعة يعد أحد العوامل التي تساعد على ظهور الشائعة. فالشائعة تولد كلما أرادت العامة أن تفهم ولم تلق إجابات رسمية ترضي فضولها، وهذا ما يجعل من الشائعة السوق السوداء للمعلومات.

2- كيف تنشأ الشائعة؟

برغم أن مشكلة المصدر تستهوي العامة، فهي وللمفارقة، ليست أكثر الموضوعات إثارة للاهتمام. والواقع أن تعقب المصدر يندرج في إطار أسطورة ترمي إلى أن تثار الشائعة عمدًا، ولا شك من وجود شائعات تم إثارتها عمدًا، تلك المرتبطة بالحياة الخاصة للمرشحين في الانتخابات والتي تتزامن مع اقتراب موعد الاقتراع، ولكن كثيرًا ما تكون الشائعة نتاجًا اجتماعيًّا عفويًّا غير متعمد ولا يتبع استراتيجية محددة.
وتجدر الإشارة هنا أن المصدر يفسر آلية انطلاق الشائعة، ولا يحدد مسار انتشارها، وفي الكثير من الشائعات لا يكون مصدر الشائعة جليًّا فبين مصدر الشائعة والشخص الذي ينقلها إلينا حلقة لا تنتهي، وأسطورة المصدر الاستراتيجي المتواري عن الأنظار تحافظ على استمرارها لأنها مسلية ومفيدة في نفس الوقت.
فهي مسلية لأنها تجرفنا مع أبسط شائعة في العالم الوهمي للمؤامرة والمناورة والمعلومات المضللة والحرب الاقتصادية أو السياسية، ومفيدة ففي سبيل إخماد الشائعات التي انتشرت في الحرب العالمية الثانية، عمد معسكر الحلفاء إلى المبالغة في تصوير أهمية “الطابور الخامس” وفاعليته، باعتباره عدوًا يختبئ خلف جدراننا ومصدرًا للشائعات الانهزامية.

“لا دخان بدون نار”

لا معنى لهذا القول إلا إذا كان يقصد بالنار الانفعال والمخيلة الخصبة أحيانًا للشهود والمتلقين للرسالة والأشخاص الذين يبثون الشائعات عمدًا، والواقع أن التعلق الشعبي بهذا القول المأثور هو السبيل الملكي الذي تسلكه الشائعة للتلاعب بالعامة، فالمنطق العقلي للعامة صريح: وراء كل دخان، خيط من الحقيقة، وقد استخلص خبراء استراتيجيون، انطلاقًا من معرفتهم بهذا الواقع، قاعدة شهيرة للتحرك، مفادها: “روجوا للوشايات، فلا بد من أن يبقى منها شيء”.

3- كيف يتحول الخبر إلى “شائعة”؟

دائمًا ما تردد العامة تلقائيًّا المعلومات التي تبثها وسائل الإعلام، والتي تتخذ صفة “الأخبار”، وسرعان ما يتحول الأمر من ترديد المعلومات إلى تأويلها واستخلاص مضامين الواقع الأصلي المحض، وهو ما يعبر عما تفكر فيه الجماعة بدون موضوعية.
ويتكرر المسار نفسه عندما تنتقل المعلومة، ليس عبر وسائل الإعلام وإنما (مشافهة عبر شخص ما).
وتظهر الأبحاث العلمية أن الرسالة عندما يتم نقلها شفهيًّا من شخص لآخر تفقد 25% منها، وللإيضاح أكثر فإذا كان عندنا 3 أشخاص (أ)، (ب)،(ج) ورسالة تتكون من 160 كلمة على سبيل المثال، فإذا نقل (أ) للشخص (ب) الرسالة فإن ما سيتذكره (ب) 120 كلمة، وعندما يرسل (ب) لـ(ج) 120 كلمة فما سيتذكره (ج) 90 كلمة فقط، وهكذا يتقلص مضمون الرسالة تدريجيًّا ويتجه الأشخاص في بعض الأحيان لإضافة معلومات مغلوطة أو غير دقيقة لاستكمال مضمون الرسالة.
وتجدر الإشارة هنا إلى ما يسمى “لغة” للشائعة، تلك اللغة تتجلى في صيغة “قيل إن” أي أن الآخرين هم الذين يقولون؛ وهؤلاء ينتمون إلى لا جماعة نفسها التي ينتمي إليها ناقل الشائعة، علمًا بأن هذه الصيغة أشبه بدعوة علنية إلى الانضمام إلى الإجماع الذي بدأ يتكون، وفي ظل غياب أي إحالة على خبير أو مصدر أصلي، لا تستند صيغة “قيل إن” إلى الإذعان العقلاني، بل تعتمد على الرغبة في الانتماء والمشاركة والتوحد والانتماء الاجتماعي، وللاطلاع على تفاصيل أكثر عن تأثير رأي الجماعة على الفرد من هنا.

ومن الضروري أن تكون المعلومة متوقعة بحيث تستجيب الآمال والمخاوف والأحاسيس الداخلية الواعية بعض الشيء، ولا بد أيضًا من أن تكون المعلومة غير منظورة وأن تحدث نتائج مباشرة ومهمة في صفوف الجماع، فإذا اجتمعت تلك الشروط سالفة الذكر، يتجه “الخبر” نحو مسار “الشائعة”.

4- لماذا نصدق الإشاعة؟

هناك عوامل عدة تجعلنا نصدق الشائعة:
(1) القابلية للتصديق:
من الضروري أن تبدو المعلومة على الأقل معقولة – توسع إطار الممكن- في نظر أولئك الذين تبلغ مسامعهم كي يصدقوها، بغض النظر عن مدى رغبتهم في تصديقها، فالشائعات تتطور عندما تكون قابلة للتصديق، فكل شائعة تبدو واقعية في المجموعة التي تنتشر بينها.

(2) الرغبة في التصديق:

لن تبصر الشائعة النور إذا كانت المعلومة المتناقلة لا تشبع كل رغبة معينة ولا تستجيب لهاجس مستتر ولا تتيح مخرجًا لصراع نفسي ما، فالعامة تتشبث بالافتراءات والأسرار الحميمة وتحولها إلى شائعة عندما يكون في استهلاكها منفعة أو مصلحة ما، فالشائعة تعبر بكل بساطة عما نفكر فيه بصمت ولا نجرؤ على أن نأمل في تحقيقه.
وتعبر الشائعة عن صدى أفكارنا فهي حصيلة انتمائنا إلى مجموعة اجتماعية نتشارك وإياها في الرأي والقيم والمواقف.

(3) التكرار

كلما كبرت الشائعة، أصبحت أكثر إقناعًا، وبعد أن تنتقل بداية عبر الأفواه بغية الإمتاع والتسلية، تتحول في النهاية إلى حقيقة مؤكدة، ويذكر أن الاقتناع يتكون لدى المرء إثر تلقيه المعلومة نفسها من أشخاص عدة، فعندما يردد أشخاص مستقلون بعضهم عن بعض المعلومة نفسها، يسهل استنتاج أنها صحيحة.

ولا بد من الإشارة إلى أن الناس يصدقون الشائعات لأنها كثيرًا ما تكون “صحيحة”، كما هو الحال في التسريبات والأسرار السياسية المفضوحة، ويمكن القول إن الشائعات مربكة لأنها تكون معلومات تعجز السلطة عن التحكم بها، وفي مقابل الرواية الرسمية للأحداث تتولد حقائق أخرى، ويصبح لدى كل جهة حقيقة خاصة بها.

5- الوقاية خير من العلاج.. هل هي الحل؟

 

ربما بهذا المنطلق يرتكز الحل قبل انتشار الشائعات وعدم القدرة على كبحها، فالشفافية والصدق يعدان من أهم طرق الوقاية، وقد نجح رئيس الوزراء البريطاني ويستون تشرشل في اكتساب سمعة جيدة في هذا الصدد، ففي خلال الفترة التي تعرضت فيها لندن للقصف من الطيران الألماني، بدت الشائعات المتعلقة بجسامة الأضرار نادرة في بريطانيا الكبرى.
فقد أثبت وينستون تشرشل أنه يسمي الأشياء بأسمائها ويعلم البلاد بالخسائر المتكبدة بدقة أيًّا كانت جسامتها.
أما الولايات المتحدة، وبسبب الرقابة على الإعلام في زمن الحرب فانتشرت شائعات عدة عقب القصف المفاجئ للطيران الياباني على بيرل هاربور، وكانت الشائعات تتنافس في مضاعفة الأرقام الرسمية التي أعلنها أمين سر الدولة للشئون الإعلامية، وكان لا بد من أن يثير الرئيس فرانكلين روزفلت هذه المسألة في مؤتمر صحفي لكي تخمد هذه الشائعات، لكن هذا لم يحدث لبعض الشائعات، وهذا ما يثبت أن الرئيس الأمريكي لم ينجح في تهدئة الهواجس والمخاوف المشروعة.

6- هكذا يفعل كبار المسئولين.. فكيف يحقق المواطنون الوقاية؟


ربما يكون من الصعب وجود طريقة تحجم بشكل كامل انتشار الشائعات، ولكن هناك طريقة تساعدك على التأكد من دقة الخبر ومصداقية المعلومة. فإذا وجدت خبرًا جديدًا تستطيع أن تنسخ عنوانه، وتبحث عنه في “جوجل” باستخدام أداة بحث “ويب” أو أداة بحث “الأخبار”، لترى المصادر التي نشرت نفس الخبر، ويتوقف تصديقك للخبر على مصداقية مصادر الأخبار التي نشرته، كما يمكنك “البحث” بالصورة على جوجل إذا تشككت في مصداقية صورة بعينها.

علامات

الشائعات, كتب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد