على مدار العقود الفائتة، شغل «التطور» بال الكثير من العلماء والباحثين، فأفردوا له العديد من الكتب، والأبحاث، والمقالات الأكاديمية، التي تتناول كل جزء بسيط فيه، وكيف تحدث، والبحث عن الأسلاف؛ حتى أصبحنا في يومنا هذا نعرف الكثير عن عملية الانتقاء الطبيعي، والدور الذي تلعبه الجينات في حياتنا، لكن هل خطر ببالك أن تتساءل: هل عملية التطور في حد ذاتها ذكية؟ وهل هي مصممة بعناية ودقة كي نتفادى أخطاء الأسلاف ونفوز بالجينات التي تدعم تفوقنا؟ أم أنها عملية عمياء تعمل بشكلٍ يمكن وصفه بـ«الغباء»؟

نعم «التطور غبي».. وتلك هي الأسباب

لسنا هنا لمناقشة صحة «نظرية التطور» من عدمها، ولا للحديث عن كيفية حدوثها، وما إذا كانت ستستمر لتغير خلفاءنا أم لا؛ نحن هنا لمناقشة عملية «التطور» ككيان قائم بذاته، يمكن أن تكون له حماقاته وأخطائه، عن ذلك يشير توم فيليبس في كتابه «موجز تاريخ الفشل» قائلًا: إن التطور عملية غير ذكية، بل على العكس من ذلك، هي عملية غبية إلى حدٍ بعيد، داعمًا حجته بأن كل ما يهم «عملية التطور» هو القدرة على النجاة من الأخطار وتمرير جيناتك إلى جيلٍ جديد عبر التكاثر. فهل التطور بالفعل بهذا الغباء؟

يشير فيليبس في كتابه إلى أن كل ما يهم التطور هو «النجاة» من آلاف الأخطار المحدقة بك، وتمرير جيناتك، ولذلك فهو عملية تسير بلا هدى أو بصيرة؛ أما الدماغ البشري والذي طالما نظرنا إليه على أنه نتيجة لعملية بديعة التصميم، كأعظم آلة تفكير ممكنة، فهو بحسب فيليبس: «مجرد سلسلة لدماغ سلف لنا كان أكثر قدرة على إيجاد الطعام بنسبة 2% من أقرانه».

(التطور)

على الرغم من أن قدراتنا الدماغية التي نتمتع بها في الوقت الحاضر هي دليل على الفوز في «لُعبة البقاء» بالنسبة لنظرية التطور، إلا أن ما يحفزها في حقيقة الأمر هو القدرة على الاستدلال والتحذير من الخطر، والآلة الأعظم للتفكير بحسب فيليبس، ما هي سوى القدرة على ملاحظة النماذج المتشابهة والمتكررة، لذا فإن دماغنا ليست معصومة من الخطأ، بل على العكس من ذلك، يرتكب الدماغ البشري الأخطاء، ويستمر في الفشل، إلى درجة يمكن وصفها بـ«الغباء» في أحيانٍ كثيرة. فأعظم العقول البشرية على مدار حياتها ارتكبت العديد من الأخطاء وفشلت أكثر من مرة قبل أن تحوز نجاحًا واحدًا.

يرجع فيليبس ذلك إلى أن الدماغ ابتكر نظامًا فكريًا من العدم بحسبه، يعتمد على طريقتين يمكن استخدامهما، وهما الاستدلال الأولي والاستدلال البسيط، وكلاهما لا يعملان بشكلٍ فعال؛ إذ إن الاستدلال الأولي يعني قدرتنا على اتخاذ قرارات دون معلومات كافية حول موضوع ما، أما الاستدلال البسيط، فهو الاحتكام إلى أول معلومة تخطر على البال دون البحث بدقة وبعمق، وهو ما يعني أننا ننحاز إلى المستجدات الأخيرة في حياتنا، خاصةً وأن تجاربنا القديمة قد تتلاشى بفعل النسيان، وهو ما يجعل آلتنا الأعظم في لتفكير، قاصرة في كثير من الأحيان.

التطور «عشوائي» ويحتاج إلى مليون سنة

لفهم تلك العملية بشكلٍ أعمق، يجب أن نحلل معًا دراستين علميتين أثبتوا صحة هذا الإدعاء، كانت الأولى بعنوان «نظرية رياضية للانتقاء الطبيعي والاصطناعي» وقد صدرت في جامعة كاليفورنيا عام 1933، للباحث هالدان، والأخرى كانت «أساسيات التطور الجزيئي» للباحث آدم والكر.

في الدراستين تناول الباحثان الآليات التي ينشأ بها التطور الجيني، إضافةً إلى بعض المعادلات الرياضية التي تشرح القدرة على نقل الجينات عبر الأجيال المختلفة بدقة، وكم جيلًا يلزم لاكتساب صفة جينية ما لتصبح أساسية وتحظى بالعالمية بين عموم الناس، وفيهما أشار الباحثان إلى بعض القيود التي تحيط بعملية التطور، والتي كان منها أن الانتقاء الطبيعي يعمل بشكلٍ «عشوائي».

لم تكن العشوائية التي تنتقل بها الجينات من جيلٍ إلى آخر هي السبب الوحيد في وصف تلك العملية بالغباء؛ بل بالإضافة إلى ذلك فإن التطور يعمل بشكلٍ بطيء للغاية بناءً على تلك المعادلات الرياضية؛ إذ اكتشف العلماء أن التغييرات التي تحدث وتميل؛ لأن تلتصق بالجينات البشرية بشكلٍ دائم، تستغرق وقت طويل للغاية، خاصةً أنها عملية ترتبط أساسًا بنسبة عدد السكان.

لم تكن تلك الدراسات هي الوحيدة التي دللت على بطء عملية التطور، ففي دراسة نشرت عام 2011 بالأكاديمية الوطنية للعلوم، أثبت الباحثين أن التغييرات السريعة في جينات السكان المحليين عادةً لا تستمر أو تصمد أمام اختبار الزمن، كما أنها لا تنتشر بين كافة الأنواع؛ إذ إن التغيرات السريعة تعمل فقط لأجيال قليلة؛ بعكس التغييرات التي يفترض أن تصبح دائمة، فقد تحتاج من أجل الاستمرار والتراكم في الجين البشري إلى حوالي «مليون سنة»، بحسب الباحثين، وهو النمط الشائع.

علوم

منذ سنة واحدة
الاضطرابات العقلية سببها التطور البشري.. أي مستقبل ينتظر الأجيال القادمة؟

كانت الدراسات تشير إلى أن الطفرات الجينية لا تحدث عادةً بطريقة مدروسة، وذلك لأن الجينات التي تنتقل إلى أخلافنا، عادةً ما تكون عشوائية، وبالتالي يمكن للطفرة الجينية أن تستغرق وقتًا طويلًا للغاية من أجل الانتشار بين عدد كبير من السكان، وهو الأمر الذي قد يستغرق آلاف الأجيال من أجل تثبيته. هذا التراكم الذي يصفه العلماء بأنه بطيء وأكثر ندرة مما نعتقد.

من عيوب التطور: «التصميم غير الذكي»

مما لا نعرفه عن عملية التطور أنها لا تنتج «تصميمات ذكية» للأنواع، على عكس ما نعتقده، فما أسماه داروين بعملية التصميم الذكي، لا يخلو في الحقيقة من العيوب الأساسية في البناء، والتي يمكن أن نعثر على أمثلة كثيرة تدلل عليها في بناء الجسم البشري ذاته، بحسب الباحثين اللاحقين في نظرية التطور.

في مقالٍ نشر برعاية «جامعة أوسلو» النرويجية، جرت الإشارة إلى أنه من الأمثلة الواضحة على التصميم غير الذكي للجسد البشري، أن المرأة لديها قناة ولادة ضيقة؛ مما يجعل الولادة من العمليات الأكثر خطورة وألمًا في الوقت ذاته، وذلك مقارنةً بالأنواع الأخرى؛ فعلى الرغم من أن الولادة في وقتنا الحالي قد أصبحت بفضل التقدم الطبي، عملية أكثر سهولة ويمكن تفادي خطرها؛ إلا أن الكثير من البلدان الأفريقية ما زالت تعاني من «حمى النفاس»، والتي يروح ضحيتها الكثير من النساء، ممن لم تسعفهن ظروفهن للحصول على الرعاية الطبية اللازمة، ولذلك فإن معدل وفيات الأمهات في تلك البلدان أعلى 200 مرة منه في النرويج.

يشير الباحثون إلى أن هذا ليس هو المثال الوحيد على «التصميم غير الذكي» من وجهة نظرهم؛ إذ إن جسم الإنسان غير قادر على تصنيع «فيتامين سي» ذاتيًا، على عكس الثدييات الأخرى، وذلك على الرغم من أهمية هذا الفيتامين للجسم البشري، لذا فنحن أمام خيارين، إما أن نحصل عليه من خلال طعامنا، أو نصبح معرضين للموت بمرض «الإسقربوط»، وهو مرض مميت إن ترك دون علاج، ومن أعراضه الأنيميا، والإرهاق، وآلام العضلات، وتأخر التئام الجروح. عن ذلك يقول البروفيسور جلين بيتر ساتر، من جامعة أوسلو: إنه من غير المعقول الادعاء بأن تلك العيوب نتيجة «تصميم ذكي».

(لماذا يعد التطور غبيًا؟)

لا تتوقف العيوب التطورية عن هذا الحد بحسب ساتر، بل إن جسم الإنسان مبني بطريقة تجعل حتى من تناوله الطعام «أمرًا خطيرًا»، مُشيرًا إلى أن القناة التي تنظم اتجاه الطعام إلى المعدة والهواء إلى الرئتين، هي واحدة وتتمثل في البلعوم، وبالتالي يعبر كل من الطعام والهواء خلالها حتى نقطة معينة تعمل على تقسيمهم الطعام إلى المريء، والهواء نحو القصبة الهوائية؛ وهو الأمر الذي قد ينتج عنه اختناق قاتل نتيجة مرور بعض الطعام نحو القصبة الهوائية عن طريق الخطأ؛ وذلك على عكس الحيتان التي طورت قنوات منفصلة تمامًا بحيث يفصل بناؤها القصبة الهوائية بشكلٍ تام عن المريء.

هذا إلى جانب أن أسنان الحكمة «ضروس العقل»، غالبًا ما تكون دليلًا على البنية السيئة للفك، وذلك لأن أغلب الحالات تعاني من عدم وجود مساحة كافية لتلك الأسنان في الفك، إنها بحسب وصف ساتر، بعض التركيبات المعيبة في جسم الإنسان. عن ذلك يقول: إن التطور في حد ذاته ليس عملية بائسة بشكلٍ كامل، إلا أنها تسير بطريقة عمياء، بلا بعد نظر أو ذكاء.

التطور قد يكون «غبيًا» إلا أنه يصبح بمرور الزمن أكثر ذكاءًا

تأتي قدرة البشر على التعامل مع مشكلة ما من خلال التعلم، فنحن نتعلم بشكلٍ مستمر عن طريق تجاربنا؛ بالرغم من ذلك فإن عملية «الانتقاء الطبيعي» في حد ذاتها لا تتعلم من تجاربها، ولا تطور من نفسها لتختار لأخلافنا أفضل الجينات الممكنة؛ بل تعمل بلا هوادة بالطريقة العشوائية ذاتها في كل مرة، والتراكم التدريجي والبطيء للمتغيرات هو ما قد يحدث الطفرات الأكثر ندرة على المدى البعيد، والذي قد يستغرق ملايين السنوات من أجل تثبيته، لكن السؤال هنا، هل يمكن أن يتحسن التطور بمرور الوقت؟

يشير العلماء إلى تلك العملية باسم «تطور قابلية التطور»، وهو ما يعني أن التطور قد لا يكون ذكيًا إلا أنه بالفعل يختلف عما سبقه من تطور؛ بمعنى أن التطور الماضي يمكن أن يغير الطريقة التي يعمل بها التطور المستقبلي، فما شهدناه من تطور قد وضع اللبنات الأساسية لما قد يحدث في المستقبل، وهو ما يحدث بالفعل في شكل تحسين تدريجي.

استطاع العلماء من خلال ربط العمليات التطورية بقدرات التعلم الآلي في الذكاء الاصطناعي، من التوصل إلى أن خاصيات التعلم في الشبكات العصبية تبدأ في عمل تعديل للروابط بين الخلايا العصبية بشكلٍ أقوى أو أقل حسب الحاجة من أجل الوصول إلى الفائدة القصوى. إنها عملية بسيطة للغاية، إلا أنها تتطور ذاتيًا بحيث تجعلنا أكثر قدرة على حل المشكلات بمرور الوقت.

يعتبر الذكاء بشكلٍ أساسي هو القدرة على النظر إلى الأمور من الزاوية الصحيحة، ومثلما يجري وضع خوارزميات التعلم في الذكاء الاصطناعي من أجل الوصول إلى النتائج المرجوة، تعمل شبكاتنا العصبية بالطريقة ذاتها، أما «التطور» فهو يعتمد بالأساس على الانتقاء والوراثة وهي أمور تتغير باستمرار حتى من خلال التنوع الجيني العشوائي. على سبيل المثال، إن دفع التطور الماضي الحيوانات إلى تنمية بعض الأطراف أطول من الأخرى، فإن ذلك يغير في القواعد الأساسية المتاحة للتطور بالمستقبل؛ مما يعني أن تلك التغيرات تتطلب تغييرات أخرى مثل اختلاف في حجم الجسد أو ارتفاعه، نتيجة لذلك قد تكون الأجيال المتوسطة هي الأسوأ حالًا؛ لأنها تشهد خضم معركة حامية للتغير المستقبلي.

علوم

منذ سنتين
«نظرية التطور».. هل نحن مجبرون على الاختيار بين العلم والدين؟

يشير الباحثان إلى أن التنظيمات الشبكية ما بين الجينات تشبه تلك المتواجدة في شبكات الخلايا العصبية المسؤولة عن التعلم، بمعنى أصح تتطور شبكات الجينات مثلما تتعلم الشبكات العصبية، وهو ما يعني أن التطور يمكن أن يتطور ليصبح أفضل بنفس الطريقة التي تطور الشبكات العصبية ذاتها لتصبح أكثر قدرة على حل المشكلات. 

قد يكون التطور في حد ذاته ليس ذكيًا، لكنه يتحسن باستمرار؛ لأن غايته الحقيقية هي إنتاج أجساد مناسبة للتعايش على هذا الكوكب، وتتحسن باستمرار وفقًا للمتغيرات البيئية والبيولوجية، وهو ما يجعل مشاكل البناء الهيكلي تبدو بسيطة وسهلة.

المصادر

تحميل المزيد