يفترض الكثير من الناس أن «علم الإنسان» لا يتعامل إلا مع الماضي، وأن التطور لا يرتبط سوى بملايين السنين التي سبقت وجود الإنسان بشكله الحالي، وأن التطور قد توقف بعدما وصل الإنسان إلى ما هو عليه في الحاضر، وعن ذلك تعيد عالمة الحفريات في كوريا الجنوبية سانج هي لي النظر في الكثير من الأسئلة الرئيسية المرتبطة بالتطور، بدءًا من تلك التي ارتبطت دائمًا بماضي هذا العلم، مثل: «متى فقد الأسلاف فرائهم؟ وهل غيَّر تناول اللحوم من مصير التطور؟»، وصولًا إلى الإجابة عن بعض الأسئلة المرتبطة بمستقبل التطور، مثل: «هل يتطور البشر الحاليون؟».

تغير لون البشرة بين البشر، حسب البيئة المحيطة، دليل على التطور الحالي. *سانج هي لي

تقول لي إن تفاعلنا مع العالم من خلال الثقافة والتكنولوجيا قد عزز الضغط على أجسامنا من أجل التكيف بيولوجيًّا مع البيئة المحيطة، مُشيرة إلى أن هناك الكثير من الأدلة التي تدعم التطور المستمر للإنسان الحالي قائلة: «لون البشرة أكبر دليل على ذلك؛ إذ يُعتقد أن لون البشرة الداكنة قد تطور مع أوائل البشر الذي سكنوا أفريقيا، وذلك للحماية من التعرض الشديد للأشعة فوق البنفسجية للشمس، وبالتالي فإن البشر الذين سكنوا مناطق أقل تعرضًا للأشعة فوق البنفسجية للشمس وبعيدة عن خط الاستواء، يحملون لون بشرة أفتح، لأنهم يحتاجون إلى خلايا صبغية أقل نشاطًا». وفي دراسة أجراها عالم الوراثة بجامعة بنسلفانيا إيان ماثيسون، يشير إلى أن لون الجلد الفاتح للأوروبيين قد نتج عن مُتغير جيني جديد لم يظهر سوى منذ 4 آلاف عام، وقد ربط ماثيسون تلك الطفرة بلون الجلد ونمو الزراعة، وبدء أنماط الحياة المجتمعية المستقرة، والتي أدت في النهاية إلى أن يعتمد البشر على نظام غذائي يعتمد على الحبوب والنشويات، وبالتالي عانوا من نقص في العديد من العناصر الغذائية، كان من بينها «فيتامين د»، والذي يعتمد بشكل أساسي على امتصاص الجلد للأشعة فوق البنفسجية للشمس، وبناءً عليه فإن طفرة البشرة الشاحبة التي حددها ماثيسون قد ارتبطت بالمجموعات البشرية التي عانت بشكلٍ مستمر من نقص «فيتامين د»، مما يشير إلى أن اكتشاف الزراعة وتغيير الأنماط الغذائية، يشكلون جزءًا أساسيًّا من عملية التطور الحالية.

الاضطرابات العقلية ربما جاءت نتيجة للتطور

في السنوات الأخيرة، كان العلماء يبحثون في الأسس الوراثية التي نتج عنها بعض الاضطرابات العقلية، إضافةً إلى البحث عن مؤشرات الظروف البيئية التي من الممكن أن تكون قد ساهمت في ظهورها، عن طريق مقارنة جينوم الإنسان البدائي مع البشر الحاليين، وهو ما أزال الحجاب عن بعض الاكتشافات؛ إذ يعاني 3% من سكان العالم من اضطرابين يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالعوامل الوراثية والجينات وهم: «الاضطراب ثنائي القطب» – وهو اضطراب تصحبه تقلبات مزاجية شديدة- و«انفصام الشخصية» -وهو اضطراب عقلي حاد قد يؤدي إلى الهلوسات والأوهام. وفي دراسة نُشرت في المجلة الأمريكية لعلم الوراثة البشرية «Cell»، أشير إلى أن التطورات البشرية الحديثة قد تكون ساهمت بشكلٍ أو بآخر في انتشار مثل هذه الأمراض بين البشر، وأن التسلسل الجيني الموسع من المؤكد أنه جعلنا أكثر عرضة للأمراض العصبية والنفسية.

Embed from Getty Images

يقول عن ذلك برنارد كريسبي أستاذ الأحياء التطورية، إنه من الأعراض المصاحبة لمرض الفصام، نجد الهلوسات السمعية، والتي اكتشف العلماء أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمناطق الخاصة بالقدرة على الحديث في المخ؛ هو ما يشير إلى أن تلك الهلوسات قد جاءت نتيجة تطور البشر إلى الدرجة التي جعلتهم قادرين على التكلم والحديث، إلا أن البعض قد يعانون من تعطلٍ في الجينات المصاحبة لتلك القدرة، وهو ما قد ينتج منه مرض انفصام الشخصية. تشير الأبحاث كذلك إلى أن المرض العقلي قد يكون أثرًا جانبيًّا للتطور البشري؛ إذ يعاني المرضى من تكرار في تسلسل الحمض النووي داخل الجين «CACNA1C»، وهو أمر نادر للبشر، يرتبط بكل من تطور اضطراب الفصام والاضطراب ثنائي القطب، ويشير العلماء إلى أن التطور السريع الذي شهده الدماغ البشري قد أدى إلى هذا التكرار في الحمض النووي للجين بشكلٍ موسع، وبعض الأفراد لديهم فعليًّا ما يصل إلى 100 تكرار.

«قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت».. كيف كان التطور البشري ملازمًا لطهو الطعام؟

وتشير الدراسة إلى أن العديد من الأمراض الشائعة بين البشر الحاليين قد جاءت نتيجة للتطور البشري، تحديدًا في مواقع الجسد التي شهدت تغيرًا دراماتيكيًّا وحديثًا نسبيًّا. على سبيل المثال، يعاني البشر من آلام أسفل الظهر والركبة والقدم، وذلك نتيجة التغير التطوري من المشي على أربع إلى المشي منتصبي القامة على الأقدام، كما يصاب فك 70% من البشر بضروسٍ ضارة يطلق عليها «أسنان الحكمة أو العقل»، ويرجع ذلك إلى تغير حجم الفك نسبيًّا عن أسلافنا، إضافةً إلى تغير النظام الغذائي للبشر، أما ارتفاع معدل الأمراض العصبية والنفسية بين البشر المعاصرين، فيعود بشكلٍ كبير إلى التغيرات التطورية الحديثة بالجينات التي تتحكم في حجم المخ، مقارنةً مع الرئيسيات الأخرى، وهو أمر أكثر انتشارًا الآن من ذي قبل. والاستمرار في توليد تكرارات جديدة بالجين السابق ذكره، والذي يرتبط باضطرابات مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب، يمكنه أن يغير من وظائف الجينات في المستقبل، بل يجعل الجينات ذاتها عرضة للاختلاف والتنوع بين الأفراد من النوع نفسه.

مستقبل التطور.. شكل البشر في المستقبل

لفهم تطورنا في المستقبل نحتاج للنظر إلى ماضينا؛ فإذا كانت الصدفة والبيئة المتغيرة قد شكلت ماضي التطور، والذي يبلغ عمره 6 ملايين عامًا حتى الآن، فقد تصبح قراراتنا في الوقت الحالي هي ما يشكل مستقبل التطور على الأرض وسكانها. عن ذلك تتساءل الصحافية لوسي جونز في مقالٍ لها بمنصة «BBC Earth» عن شكل البشر في المستقبل فسيولوجيًّا، قائلة: «هل يتحول البشر إلى نوعٍ هجين من الكائنات البيولوجية الاصطناعية كما نرى في أفلام الخيال العلمي؟»، وتضيف قائلة إنه للإجابة عن هذا السؤال يجب أنت نتعقب مليون عامًا خلت، لنرى كيف كان شكل البشر قبل هذا الوقت، وكيف أصبحنا الآن. بحسب جونز لم يكن للإنسان العاقل وجود قبل مليون عام، إلا أنه كان هناك أنواع مختلفة من البشر تشاطرت جميعها بعض أوجه التشابه ما بين «الإنسان منتصب القامة»، والإنسان الحديث ذي التشريح البدائي. وعلى مدى تاريخ أكثر حداثة، منذ حوالي 10 آلاف عام، ظهرت تغيرات كثيرة على البشر، نتيجة للتكيف مع البيئات المحيطة واكتشاف الزراعة، وتغيّر النظام الغذائي للإنسان، والتي أدت في الوقت ذاته إلى نشأة بعض الأمراض المرتبطة بذلك، مثل مرض السكري، إلا أن شكل البشر قد تغير في هذه السنوات؛ إذ أصبح البعض ذا قامة أطول، في مناطق محددة، وبعض آخر أكثر بدانة. يقول توماس ميلوند، أستاذ مساعد في علم المعلوماتية الحيوية جامعة آرهوس بالدنمارك، إن أجساد البشر في المستقبل قد تتطور لتصبح أصغر حجمًا، وذلك من أجل استهلاك كميات طاقة أقل، وهو ما قد يحدث نتيجة للانفجار السكاني الذي يشهده كوكب الأرض، مُضيفًا أن العيش إلى جانب الكثير من الناس، أمر على البشر التكيف معه بيولوجيًّا في المستقبل.

هل تتدخل التكنولوجيا الحديثة في تطور الإنسان مستقبلًا؟

يفترض الناس عادةً أن البشر قد توقفوا عن التطور جسديًّا، وذلك لأن التكنولوجيا قد وضعت حدًًا لعملية الانتقاء الطبيعي وطبيعتها الوحشية، وأن التطور أصبح ثقافيًّا بحتًا، إلا أن البعض الآخر يعتقد أن التكنولوجيا قد تتدخل في تطور الإنسان مستقبليًّا، عن طريق عمليات التعديل الجيني، والتي قد تصبح عاملًا مهمًّا في نشأة الأجيال الجديدة، وسببًا في الطفرة الجينية القادمة. في بحث نُشر لمجلة «Scientific American» العلمية، أشير إلى أن عملت الانتقاء الطبيعي – والتي كانت عنصرًا أساسيًّا لفلترة البشر عبر ملايين السنين، واستمرار الأنواع الأكثر قدرة على البقاء- قد تحولت إلى عملية انتقاء غير طبيعية؛ إذ أصبح البشر يحبطون عملية الانتقاء الطبيعي عبر التقنيات التكنولوجية الحديثة، والأدوية التي ابتكرها الإنسان من أجل القضاء على بعض الأمراض المميتة، كما لم يعد الأطفال يموتون بأعدادٍ كبيرة كما كانوا في الأزمان الغابرة، وذلك نتيجة للرعاية الطبية الحديثة، كما لم تعد الحيوانات المفترسة تؤثر على قواعد البقاء على قيد الحياة، كما كانت من قبل. ويشير ستيف جونز الباحث في جامعة لندن كوليدج إلى أن المستقبل يحمل داخله احتمالية إنجاب أطفال قادرين على مقاومة الأمراض الوراثية، على سبيل المثال مرض نقص المناعة البشرية «HIV»، إلا أن الأمر لم يعد يعتمد على الميراث الوراثي لأجسادنا، ولا الجينات الخاصة بنا، بقدر ما أصبح يعتمد على تكنولوجيا التعديل الجيني.

Embed from Getty Images

يشير جونز إلى أن التطور الآن قد أصبح موجهًا؛ إذ يعمل العلماء الآن على توجيه تطور العديد من الأنواع الحيوانية والنباتية، وهو الأمر الذي من الممكن أن يصل إلى الإنسان، ويعمل العلماء الآن على فحص دقيق وشامل للمكونات الوراثية للكائن البشري، وفي القريب العاجل، ستعتمد الخطوة التالية على تغيير جينات البشر، مثل التغيير الجيني لعلاج بعض الأمراض، والذي لن يساعد الفرد الذي خضع له وحده، بل أيضًا ذريته التي تكتسب مناعة وراثية ضد المرض ذاته، إلا أن العقبة تكمن في التعقيد الهائل للجينوم البشري. الجينات عادةً تؤدي أكثر من وظيفة في الوقت ذاته، والعبث بجين واحد قد تكون له عواقب كثيرة غير مقصودة. يؤكد جونز أن الضغط في مسألة التعديل الجيني يأتي عادةً من الآباء، الذين يريدون أولًا اختيار نوع الجنين، ومن ثم يريدون التدخل لتزويد أطفالهم بالجمال والذكاء والموهبة، أو التدخل للتأكد من عدم تعرضهم للاكتئاب أو الشيخوخة؛ إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن الشيخوخة يمكن التحكم في جزءٍ كبير منها وراثيًّا، ويعتقد العلماء أن القرن القادم سيحمل الكثير من عمليات التلاعب الجينية. أما تأثيرات التغيرات الجينية على التطور البشري والأجيال القادمة، فتتجه أغلبها إلى أن الأطفال المعدلين جينيًّا ويتميزون بالذكاء والمظهر الجميل وطول العمر، قد يتمكنون من تكوين ثروات أكثر من غيرهم، وهو ما قد يؤدي إلى أن تنجرف جيناتنا في نهاية المطاف إلى نوعٍ جديد، ويومًا ما قد يجلب أنواعًا بشرية جديدة إلى العالم.

«نظرية التطور».. هل نحن مجبرون على الاختيار بين العلم والدين؟

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد