إذا ما نظرنا إلى العالم الآن، قد يبدو لنا بوضوح وجود حالة أشبه بالفصام. لا نقصد ما يتعلق بأنظمة الحكم أو الأنظمة الاقتصادية، بل فيما يتعلق بهؤلاء القادة الذين يحكمون العالم حاليًا. يمكن أن تنظر يمينًا فتشاهد دونالد ترامب في الولايات المتحدة وفلاديمير بوتين في روسيا وشي جين بينغ في الصين وجير بولسونارو في البرازيل. وإذا نظرت في الجانب الآخر ستجد جاسيندا أرديرن في نيوزيلندا وسانا مارين في فنلندا وأنجيلا ميركل في ألمانيا.

الاختلافات بين كل فئة من هاتين الفئتين هي اختلافات جذرية في طريقة التفكير والإدارة والتعامل مع الشعوب. ورغم هذه الاختلافات الجوهرية، إلا أنهم جميعًا رجال سياسة وصلوا إلى أعلى منصب في بلادهم. وعلى الرغم من الاختلافات الشاسعة في صفاتهم الشخصية وسلوكهم وخطابهم، هل يمكننا أن نفهم ما الذي يخلق القائد الناجح؟ وكيف يمكن أن نفهم أن يكون ترامب وأردرن وبوتين ومارين قادة دولهم؟ ربما نظرية التطور يمكنها تقديم شرح واف لهذه الحالة.

نمط يجمع الزعماء والقادة!

قبل أن ندخل إلى نظرية التطور، يمكننا أن نعرج أولًا على نظريات ريادة الأعمال، التي يمكن أن تظهر وجود نمط في هؤلاء القادة. إذ يحدد المختصون طريقتين رئيسيتين يمارس بهما القادة نفوذهم على الجماعات. في مجال ريادة الأعمال يمكن أن يطلق على هذه التقسيمات الثنائية أسماء متعددة مثل الديمقراطية مقابل الأوتوقراطية، والمشاركة مقابل التوجيه، والشخصية مقابل الموضعية.

قد يكون هذا النوع من التحليل مفيدًا في وصف أنماط القيادة، ولكن يمكن أن يأخذنا في اتجاه فهم سبب وجود القادة لدينا فقط لا غير. لكن الآن، هناك فكرة ناشئة في مجال علم الأحياء التطوري يمكنها أن تمنحنا نظرة أوسع وأشمل. هذه الفكرة تربط هذين النمطين المتضادين في القيادة مع الدوافع البشرية والدوافع الأكثر عمقًا التي تجعل الإنسان يتجه إلى أحد هذين النمطين.

Embed from Getty Images

ومن خلال هذا المنظور، يمكننا شرح الكثير عن حالة العالم الموجودة اليوم، بدءًا من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى نجاح دول مثل نيوزيلندا وألمانيا وتايوان في مكافحة فيروس كورونا الجديد بكفاءة، ومن فوز بوريس جونسون في الانتخابات العامة البريطانية العام الماضي إلى التمثيل الناقص للمرأة في مجالس الإدارات حول العالم. بل يعتقد البعض أن هذا النموذج يمكنه التنبؤ بنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة.

القيادة.. بين الهيمنة والهيبة

لا يطلق علماء علم الأحياء التطوري مصطلحات مثل الديموقراطية والديكتاتورية على نمطي القيادة، بل يستخدمون مصطلحي «الهيمنة» و«الهيبة». ومن خلال هذا المنظور، فإن «قادة الهيمنة»، يمارسون نفوذًا على الناس عبر المطالبة بالدعم، وغرس الخوف في المعارضين المحتملين وتهديد بالعقوبات على أي شخص يحاول تجاوز الخطوط الحمراء.

يمكنك التفكير هنا في أي حاكم من الحكام الميكافيليين الذين يتبعون مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، بدءًا من أتيلا الهوني إلى ستالين في روسيا. هناك أيضًا الكثير من الأمثلة لـ«قادة الهيمنة» الأكثر اعتدالًا اليوم، بما في ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس البرازيلي جير بولسونارو. غالبًا ما يكون لدى هؤلاء نوع من الفخامة الجسدية، وهو أمر أساسي في نهجهم، لذا فإن هؤلاء القادة هم دائمًا من الرجال.

علوم

منذ 5 شهور
لا يمتلك شخصية قوية كما تتخيل.. لماذا يفزع الديكتاتور من المعارضة؟

وعلى النقيض من ذلك، فإن «قائد الهيبة» فهو يؤثر في الناس من خلال صفاته الشخصية الفائقة، مثل المعرفة والحكمة والرؤية. قد يحمل هؤلاء القادة أيضًا قدرًا من الكاريزما، ويستخدمون مهاراتهم في البلاغة لكسب أتباعهم. يمكننا أن نشاهد أمثلة قديمة في الأنبياء وكبار المفكرين مثل كونفوشيوس. وفي الزمن المعاصر يمكننا أن نجد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

بالنسبة للنساء، فالقادة منهن لا يقتصرن على نمط «قيادة الهيبة» وحده، ولكن يعتقد أن القيادات النسائية تعمل بهذه الطريقة بشكل عام لأن مسؤوليات المرأة المرتبطة برعاية الأطفال وجمع الطعام طوال معظم تاريخ البشرية قد تركت لها «علم نفس متطور» أكثر تعاونًا بشكل عام، مقارنة بالرجال.

كيف تفرق بين قائد الهيمنة وقائد الهيبة؟

يشير الخبراء إلى مجموعة من الأدلة التي تشير إلى أن هذين الأسلوبين في القيادة متجذران في علم الأحياء. إذ تكشف اختبارات الشخصية للقادة أن أولئك الذين يتبنون أسلوب الهيمنة يسجلون نقاطًا أعلى في العدوان وعدم الرضا والاعتلال النفسي، ومجموعة من السمات بما في ذلك عدم التعاطف وعدم الندم. في حين أن قادة الهيبة يكونون أقوياء فيما يتعلق بالضمير.

يميل قادة الهيمنة، وخاصة الذكور، إلى وجود مستويات عالية نسبيًا من هرمون التستوستيرون، وهو الهرمون الجنسي الرئيسي لدى الذكور، ويلعب لدى ذكور البشر دورًا مفتاحيًا في نمو الأنسجة التناسلية الذكرية، وكذلك تعزيز الخصائص الجنسية الثانوية مثل زيادة كتلة العضلات والعظام، ونمو شعر الجسم. وهو ما ينعكس من خلال صفات جسدية تتمثل في وجوه أكثر ذكورية وأجسام أكبر.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

في المقابل، تشير بعض الدراسات إلى أن قادة الهيبة قد يكون لديهم مستويات أعلى من هرمون الأوكسيتوسين، وهو ما يطلق عليه «هرمون الحب» الذي تكون مستوياته أعلى عند الإناث مما هي عند الذكور، كما يلعب دورًا في الوظائف التناسلية للإناث من النشاط الجنسي إلى الولادة والرضاعة الطبيعية. كما يؤثر على الترابط بين الأم وطفلها، وهو مسؤل عن الشعور بالسخاء والتعاطف والثقة تجاه الشخص المرغوب فيه، ومسئول عن المشاعر الدافئة والإيجابية.

هناك أيضًا اختلافات في طريقة العرض غير اللفظية والتعابير التي يستخدمها الأشخاص للإشارة إلى حالتهم للآخرين. على سبيل المثال، يبتسم قادة الهيبة أكثر، بينما لدى قادة الهيمنة إيماءات وإشارات جسدية أكثر اتساعًا، وهو ما يمكن أن نلاحظه في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يلوح بيديه ويتحرك بجسده كثيرًا خلال الخطابات.

تطور أنماط القيادة من الحيوان إلى الإنسان

يبدو أن هذين الأسلوبين للقيادة تطورا قبل جنسنا البشري. إذ ظهرا في مجموعة واسعة من الثدييات، من الضباع إلى الحيتان والأفيال القاتلة، وهي واضحة بشكل خاص في سلوك الشمبانزي والبونوبو. في مجتمعات البونوبو، تأخذ الإناث زمام المبادرة في حل النزاعات. وأوضح علماء الحيوانات أن أسلوب القيادة المرموق من قبل الإناث داخل مجموعات البونوبو يؤدي إلى حياة اجتماعية مع القليل من الصراع.

وعلى النقيض من ذلك، يقود الذكور مجموعات الشمبانزي الذين يعتمدون بشكل أساسي على قيادة الهيمنة، لذلك نلاحظ صراعات أكثر بكثير داخل وبين مجموعات الشمبانزي مقارنة بمجموعات البونوبو. وهناك بعض الإشارات إلى أن جنسنا البشري على مر التاريخ يشبه البونوبو أكثر مما يشبه الشمبانزي.

ولاحظ علماء الأنثروبولوجيا منذ فترة طويلة أن قادة الهيمنة نادرون نسبيًا في المجتمعات التي نشأت في أزمنة الصيد والجمع والالتقاط، وهي المجتمعات التي عاشت كما فعل الناس خلال معظم فترة الوجود البشري على الأرض. وهو ما يعني أنه حتى وقت قريب جدًا، من الناحية التطورية، كان الناس يفضلون «قادة الهيبة» ويختارون الوقوف ضد القادة المهيمنين.

والسؤال هنا: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتبنى العديد من القادة في عصرنا الحديث أسلوب الهيمنة؟ السر في هذا لا يتعلق بالتطور البيولوجي، ولكن بالتطور الثقافي. في المجتمعات التقليدية الصغيرة، كان الجميع يعرفون بعضهم البعض وكان معظم الناس مرتبطين. لكن هذا تغير عندما بدأ التحضر ونشأة المدن قبل حوالي 6 آلاف عام.

الهيمنة أكثر تفضيلًا مع وجود التهديدات

التحول نحو مجتمعات أكثر تعقيدًا وذات تسلسل هرمي من الغرباء غير المرتبطين، كان من المحتم أن يؤدي إلى محاولة بعض الأفراد التلاعب بالنظام. ولأن قادة الهيمنة هم أكثر استعدادًا لطبيعتهم الشخصية لمعاقبة هؤلاء الأحرار، وأيضًا عرض حماية مجموعتهم من الغرباء، لذا فإن البنية الاجتماعية الجديدة كانت ستفضلهم.

هذه التأثيرات على القيادة هي أكثر وضوحا في العالم الحديث الذي نعيش فيه. غالبًا ما تصور الأيديولوجيات القومية المهاجرين على أنهم طفيليون، على سبيل المثال. كما تجعل المنافسة العالمية من السهل تصور الدول الأخرى على أنها تهديد. وهي نفس الطريقة التي ينظر بها ترامب والعديد من مؤيديه إلى الصين على أنها تهديد اقتصادي، وكوريا الشمالية وإيران على أنها تهديدات عسكرية وروسيا على أنها تهديد وجودي.

سياسة

منذ سنة واحدة
من هي رئيسة وزراء نيوزيلندا التي لفتت أنظار المسلمين حول العالم؟

ويوضح هذا النموذج التطوري أن الناخبين يفضلون القادة المهيمنين عندما يشعرون بالتهديد، وهو ما يساعد على تفسير سبب فوز بوريس جونسون على جيريمي كوربين في الانتخابات العامة في المملكة المتحدة، عندما كانت البلاد منقسمة بشدة بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وهو ما يفسر أيضًا منطقية وصول رئيس وزراء نيوزيلندا الحالية جاسيندا أرديرن. فهذه الدولة صغيرة ومعزولة نسبيًا، وتواجه مستويات منخفضة جدًا من التهديد.

المصادر

تحميل المزيد