741

إسلام علاء، 24 عامًا، طالب بكلية التربية قسم كيمياء وطبيعة، حُكم عليه في قضية تجمهر وتظاهر داخل جامعته بثلاث سنوات حبس، قضى من فترة سجنه عامين كاملين، ويتبقى له عام للخروج من السجن.

سعى إسلام لاستكمال دراسته الجامعية في محبسه، بتقديم طلب عبر محاميه للنيابة العامة، قبل أن ترفضه، ويتجدد في العام الثاني، ويبدأ معها عامه الدراسي الأول في السجن، الذي تجاوزه بتقدير مقبول.

في عامه الدراسي الأول داخل محبسه، كانت إدارة السجون تسمح بإدخال الكُتب الدراسية لإسلام بعد فحص كافة صفحات الكتب، والمحتوى المنشور داخلها، لكن الأوضاع تبدلت خلال هذا العام، حسبما يحكي شقيقه الأكبر، الذي يوضح أن إدارة السجن صارت تُشدد على رفض إدخال المواد الدراسية له، بالإضافة إلى تقطيع أي كُتب خلال زيارات الأهالي لذويهم.

يقول ياسر، الشقيق الأكبر لإسلام: «الإجراءات مجحفة جدًّا بالنسبة لنا لكي ننجح في تمكين ياسين من استكمال دراسته، التي فشلت في عامها الأول، وتجددت في العام الثاني»، مضيفًا أن الصعوبات التي تواجه ياسين داخل محبسه تتجاوز أي توصيف يمكن قوله.

يضيف الشقيق الأكبر لـ«ساسة بوست»، فيقول: «إدارة السجن كان لديها مبدأ أن الكتاب في هيئته كمجلد مرفوض إدخاله، لذلك تحايلنا على هذه المسألة بتصوير صفحات الكتب الدراسية في هيئة ملزمات دراسية كي تدخل، ويتمكن إسلام من استذكار دروسه».

الصعوبات التي واجهها إسلام تضمنت عدم موافقة جامعة القاهرة على إرسال أعضاء من هيئة التدريس، لاختباره مع بقية الطلاب المحبوسين بكليته، في الامتحانات العملية التي لم يتمكن من تأديتها، قبل أن تتحسن الأوضاع في العام الثاني، وتوافق على إرسال أعضاء من هيئة التدريس في الاختبارات العملية.

تتشابه صعوبات إسلام في استكمال دراسته مع الصعوبات ذاتها التي واجهت أسماء عزب، الطالبة بكلية تجارة جامعة الأزهر، إذ قضت عامين في سجن القناطر شمال القاهرة، وسعت خلال فترة حبسها لاستكمال دراستها الجامعية، وسط ظروف أمنية ونفسية ومعيشية غاية في الصعوبة.

داخل عنبر بالسجن الذي يأخذ شكل «H»، لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، واظبت أسماء ذات الـ22 عامًا، على مذاكرة دروسها في الساعات الأخيرة من الليل، باستخدام أضواء الكشافات، بعد انطفاء الأنوار، على سرير تتقاسمه معها محتجزة داخل الزنزانة.

تقول أسماء لـ«ساسة بوست»: «نتفق مع المحبوسين على تخصيص توقيت معين للمذاكرة قبل الساعة التاسعة مساءً ميعاد انطفاء الأنوار داخل الزنزانة، بحيث يكون الجميع منهمكًا في المذاكرة لتوفير مناخ مناسب لهذا الأمر».

تضيف أسماء، التي انتهت فترة عقوبتها نهاية العام الماضي أن الصعوبات النفسية والمعيشية كثيرة، لكن المساجين يساعدون بعضهم البعض نفسيًّا ودراسيًّا، خصوصًا أن هناك أساتذة جامعة متواجدون معهم، وهم مساجين داخل الزنزانة، يشرحون لهم الكثير من دروسهم، ويساعدونهم على استذكار الدروس.

داخل غرفة معتمة، بقسم أول مدينة نصر، شرق القاهرة، ظلت أسماء تواظب على تأدية امتحاناتها فيها، بعد نقلها مع زميلاتها المحتجزات داخل سيارة الترحيلات في الساعات الأولى من صباح يوم الامتحان، وسط حراسة مُشددة، وسيارة تتبع القسم تسير خلفهن، تتذكر أسماء وقائع هذا اليوم: «نركب سيارة الترحيلات في الساعات الأولى من الصباح، التي تصحبنا مع زميلاتي لقسم الشرطة الأقرب لمحبسي، حيث ننتظر داخل غرفة يوجد بها أحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة الذي توفده الجامعة لتوزيع أسئلة الامتحان، ومراقبتنا خلال تأدية الامتحان مع ضابط الشرطة، وأمين شرطة».

بالنسبة لأسماء، فتجربة استكمال دراستها داخل محبسها أخف وطأة من زميلاتها اللاتي يدرسن بكليات عملية، تقول: «الكليات النظرية كانت أخف من الكليات العملية، لتعنت إدارة الجامعة فيما يخص امتحان الطلاب المحبوسين من الكليات العملية، وعدم إيفاد مندوبين من الجامعة لامتحانهم، وضياع الدرجات عليهم، لكن الكليات النظرية كانت الصعوبة فقط في أن المواد تعتمد على الحفظ، والزنزانة كانت أغلب الوقت شديدة الازدحام، ولا يتوفر فيها الهدوء سوى في الساعات المتأخرة من الليل».

ما تزال تفاصيل هذا العام حاضرة ومستقرة في ذهن أسماء، تقول: «التجربة كسرتني وقوتني في نفس الوقت، ولا أتمنى أن يمر أحد بتجربة استكمال تعليمه داخل السجن، هي تجربة تجعل صاحبها يتملكه إحساس بالقهر والمحاصرة».

مكتبة السجن.. كُتب تنتمي لأدب الرحلات والتاريخ الفرعوني

خلال العام ونصف اللذين قضتهما أسماء في محبسها، لم تزر مكتبة السجن سوى أربع مرات، للصعوبات التي كانت تجدها من جانب إدارة السجن في دخول الطلاب لمذاكرة دروسهم فيها، فضلًا عن خلو أرففها من كُتب تثير اهتمامها، وشغف بقية المحبوسين. تقول: إن المسافة بين الزنزانة والمكتبة أربع دقائق سيرًا على الأقدام، لكن أغلب الكُتب على الأرفف تنتمي لأدب الرحلات، والتاريخ الفرعوني، وكان مؤلف أغلب هذه الكتب أنيس منصور.

تضيف أسماء أن المحبوسين تقدموا بطلبات عديدة لإدارة السجن، للسماح لهم باستذكار دروسهم خلال فترة الامتحانات في مكتبة السجن لعدد من الساعات يوميًّا، لكن هذه الطلبات قوبلت بالرفض والاستهجان.

صعوبات أسماء وزميلاتها في الدخول للمكتبة لاستذكار دروسهن، كانت تتحايل عليها بعض من زميلاتها عبر دفع أموال لأمناء الشرطة مقابل تمكينهم من الجلوس داخل المكتبة لبضع ساعات لاستذكار الدروس، خصوصًا أثناء فترة الامتحانات.

مصلحة السجون.. جهة تمكين الطالب المحبوس من تأدية امتحانه

حسب الدراسة الصادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير «الجامعة تحت الحصار»، فإن عدد الطلاب المقبوض عليهم خلال العام الدراسي 2014- 2015 بلغ ٧٦١ طالبًا تم القبض عليهم، و٥٢٣ جزاءً تأديبيًّا أصدرته إدارات الجامعات ضد الطلاب دون المثول لمجالس تأديبية عادلة ومنصفة.

الامتحان في الزنزانة

من جانبه، يشرح محمد الباقر، المحامي بمركز عدالة للحقوق والحريات، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» إجراءات تمكين طالب محبوس من أداء الامتحانات المقررة عليه، والتي تشمل إثبات قيد من الكلية، وجدول الامتحانات مختوم بختم النسر، وصورة ضوئية من بطاقة هوية الطالب الجامعية، أو البطاقة الشخصية.

ويضيف الباقر، الذي تولى تقديم مئات الطلبات للطلاب الذين وكلوه للدفاع عنهم، أنه يتم كتابة طلب لرئيس النيابة الكلية مدون به رقم القضية، والمكان المحبوس فيه الطالب، ويطلب في ختامه تمكين الطالب من أداء الامتحانات المقررة عليه، موضحًا أن النيابة ترسل هذا الطلب بدورها لنيابة الاستئناف للموافقة عليه، وبعد ذلك يتم إرسال موافقة لمصلحة السجون، التي هي بدورها تقوم بنقل المتهم إلى اللجنة الموجودة بالسجن.

وتنص المادة 31 من لائحة السجون المصرية على أن إدارة السجن تشجع المسجونين على الاطلاع والتعلم، وعلى تيسير الاستذكار للمسجونين الذين لديهم الرغبة في مواصلة الدارسة، وأن تسمح لهم بتأدية الامتحانات في مقار اللجان.

ويتابع الباقر أنه بجانب القصور التشريعي في تحديد آليات لكيفية الحق في التعليم، تمنح إدارة السجن مشروعية رفض حضور أساتذة جامعيين للطلاب، أو انتقال طلاب الكليات التطبيقية لتأدية امتحاناتهم العملية، بالإضافة إلى حقها بشأن عدم السماح بدخول كُتب دراسية للمقبولين طلباتهم، هذا إلى جانب تكدس الزنازين بأعداد من المحبوسين تزيد على طاقتها الطبيعية.

ووفقًا لتقرير مرصد طلاب حرية السنوي، فقد بلغ عدد حالات منع الطلاب المحبوسين من أداء الامتحانات في عام 2015، 76 طالبًا، وزعت الجهات المسؤولة عن أسباب منعهم بين إدارات الجامعات، وأقسام الشرطة، وإدارات السجون، واختفاء عدد منهم قسريًّا.


تعليقات الفيسبوك