عندما احتلت دولة الاحتلال الإسرائيلي القدس عام 1967، بدأت حرب أخرى غير تلك التي دارت رحاها مع الدول العربية في حرب 67، وكان طرفا هذه الحرب هي ما تسمى بـ”سلطة الآثار الإسرائيلية” وباطن الأرض تحت المسجد الأقصى المبارك.

وهدف هذه الحرب هو طمر كل الآثار التاريخية العريقة التي وُجِدَت منذ الفترة الأموية وحتى العثمانية، وكذلك الفترة الكنعانية والإسلامية ثم فرض مقرات تلمودية توراتية سياحية، وأقام المتاحف والمعارض فوق الأرض وتحتها وصولًا للهكيل المزعوم.

لقد عاثت دولة الاحتلال الإسرائيلي كثيرًا في جرائمها تلك، حتى وصل الأمر لتخصص المرافق تحت أرض المسجد الأقصى – كحفر – كنيسًا يهوديًّا خاص بالنساء اليهوديات في ديسمبر الماضي.

الحفريات التي بدأت بعد عام 1967، بدأت من منطقة ساحة البراق وحي المغاربة غرب المسجد الأقصى، ومن ثم دمرت الحي بأكمله بكل ما يشمل من عقارات وآثار، ثم توسعت فيما بعد ليصل عمقها إلى 15 مترًا، ومنذ خمس سنوات تنفذ سلطات الاحتلال حملة واسعة من الحفريات تتركز في خمس مناطق، أولها المنطقة الغربية من المسجد الأقصى، وتشمل حفريات ما يسمى بطريق باب المغاربة، وثانيها حفريات أقصى الجهة الغربية الشمالية من ساحة البراق تركزت فيها بشكل كبير منذ عام 2007، وثالثًا جنوب الأقصى من المنطقة الممتدة من الزاوية الشرقية الجنوبية من الخارج حتى الزاوية الغربية؛ حيث تشهد حفريات واسعة وعميقة، وتم تحويلها إلى منطقة تسمى “بمطاهر الهيكل” أو المسار التوراتي.

ويبلغ عدد الحفريات ما بين 40-60 حفرية، تتركز حاليًا أسفل باب السلسلة، وأسفل باب المطهرة، وأسفل طريق باب المغاربة، وقد وصل الحفر إلى عمق خمسة أمتار أسفل أساسات الأقصى، ووصل طول الأنفاق إلى 3 آلاف متر، وفق ما يقوله مدير الإعلام في مؤسسة الأقصى للوقف والتراث، محمود أبو العطا.

عامل إسرائيلي يعمل في الحفريات

أول الحفريات

يسجل التقرير الأخير لمؤسسة “القدس الدولية” حول المسجد الأقصى المبارك لعام 2013م، خمس حفريات في الجهة الشمالية للمسجد الأقصى، وتقع أهم هذه الحفريات عند بركة توجد أسفل المدرسة العمرية الواقعة أقصى غربي السور الشمالي للمسجد الأقصى المبارك، وتعرف بحفريات “بركة القبرة”.

وقد بدأ العمل في هذه الحفرية عام 1868 بالتزامن مع حفريات “تشارلز وارن” البريطاني الذي اكتشف نفقًا خارج بابي السلسلة والقطانين في السور الغربي للمسجد الأقصى، وهناك حفرية أخرى تبدأ قرب باب حطة في السور الشمالي للأقصى، وصولاً إلى الزاوية الشمالية الغربية للمسجد المبارك.

وتهدف حفريّات الاحتلال في هذه المنطقة لوصل المدينة الأثرية اليهودية بدرب الآلام، وذلك لتوحيد الجولات السياحيّة بين المزارات المسيحيّة والمدينة الأثرية اليهوديّة لتظهر كجزءٍ لا يتجزّأ من مدينة القدس، لتكريس فكرة التراث المسيحيّ – اليهوديّ المشترك للمدينة.

أدوات بناء تستخدم في الحفريات

الجهة الغربية

بدأت هذه الحفريات من الزاوية الفخرية جنوبًا وامتدت شمالاً حتى وصلت إلى باب المغاربة القريب من حائط البراق في السور الغربي للمسجد الأقصى المبارك، وأدت إلى تصدع 14 بناء تابعًا للزاوية، تم الاستيلاء عليها وهدمها عام 1969م.

وتعتبر الحفريات القائمة في الجهة الغربية للمسجد الأقصى، وخاصة قرب حائط البراق المصادر بالكامل منذ احتلال عام 1967م وفي محيطه، مسئولة عن انهيار جزء بمساحة 100 متر من تلة طريق باب المغاربة في عام 2005م.

وأدت هذه الحفريات إلى تصدع الأروقة الغربية للمسجد الأقصى، فضلاً عن تصدع جميع الأبنية التي مرت تحتها، وأهمها، المدرسة العثمانية ورباط الكرد والمدرسة الجوهرية، والمدرسة المنجكية (مقر المجلس الإسلامي)، والزاوية الوفائية.

وقد تسبب حفر نفق عام 1995 – بطول نحو 500 متر وعرف بالنفق الغربي، وأطلق عليه اسم “الحشمونائيم” – إلى اندلاع انتفاضة الغضب دفاعًا عن المسجد المبارك، والتي قمعها جنود الاحتلال ليسقط 62 شهيدًا في عموم فلسطين.

حفريات ذات اتساع تحت الأقصى

جمعيات استيطانية

تعتبر الجمعيات الاستيطانية هي الممول الأساسي لسلطة الآثار الإسرائيلية التي تتجاوز ثلاثة ملايين دولار سنويًّا، ومنهم على سبيل المثال جمعية “عطيرت كوهانيم” التي تمول الحفريات شمال البلدة القديمة، وجمعية “إلعاد” التي تقوم بتمويل الحفريات في حي سلوان, وجمعية “تراث الحائط الغربي” وتمول الحفريات في ثلاثة مواقع قريبة من حائط البراق.

وقد كشفت انهيارات أرضية حدثت في العاشر من يناير عام 2007 بحوش عسيلة سابقًا عن بناء كنيس يهودي جديد يبعد عن المسجد الأقصى 50 مترًا فقط، تقوم به جمعية “عطيرت كوهانيم” اليهودية، ويقام الكنيس على أرض وقفية تابعة لحمام العين، وتتسع هذه الحفريات يومًا بعد يوم أفقيًّا وعموديًّا، مقارنة بالوضع الذي كان عليه في الكشف الأول بتاريخ (21/9/2005) وقد لوحظ أن الحفريات الإسرائيلية عميقة جدًّا، يتجاوز عمقها (30 مترًا) باتجاه جنوب شمال، وبطول لا يقل عن (40 مترًا) باتجاه باب المطهرة (أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك) بما يعني أن هذه الحفريات لا تبعد إلا أمتارًا قليلة عن باب المطهرة وأسوار المسجد الأقصى الغربية، كما أكد أهل المنطقة لمؤسسة الأقصى للوقف والتراث أنهم يسمعون أصوات حفر خلال النهار والليل، وأن هذه الحفريات أدت إلى شقوق في مباني بيوتهم.

يهود يؤدون طقوسهم تحت الأقصى

نفقان جديدان

في سبتمبر الماضي – 2013 – اكتشفت مؤسسة الأقصى وجود نفقيْن جديديْن – أحدهما رئيسي – ينطلق من عين سلوان ويمتد إلى البؤرة الاستيطانية – مركز الزوار مدينة داوود – مرورًا بالزاوية الغربية الجنوبية للمسجد الأقصى وتم حديثًا استمرار الحفر فيه أسفل باب المغاربة، والنفق الثاني يسير بمحاذاته وينطلق من الزاوية الشمالية الجنوبية للمسجد الأقصى ويتجه شمالاً .

وخلال رصد ميداني لمؤسسة الأقصى – موثق بالصور – اتضح أنه تم إكمال النفق باتجاه الشمال علمًا بأن النفق الرئيسي يلاصق ويكشف أساسات الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك وقد امتد أكثر ليصل بالقرب من باب المغاربة، ويسعى الاحتلال لربط النفق الرئيسي الجديد بشبكة الأنفاق في منطقة حي سلوان مع منطقة ساحة البراق وأسفل البلدة القديمة علمًا بأن النفق قد وصل إلى باب المغاربة أو قد يكون تجاوزه، كما أن ثمة نفق آخر مربوط بالنفق الرئيسي وهو كذلك يمتد شمالاً بمحاذاة الأول وتم خلاله الكشف عن برك تجميع ( تجويفات) مياه قديمة .


المرحلة الأخيرة والأضخم

المرحلة الأخيرة من حفريات الاحتلال في موقع مدخل حي وادي حلوة، كانت يوم الثلاثاء (18/3/2014) هذا الموقع يقع على بعد 100 متر جنوب المسجد الأقصى، وعلى بُعد نحو 20 مترًا جنوب أسوار القدس التاريخية، والمساحة الإجمالية للحفرية المذكورة تصل إلى نحو ستة دونمات، فيما وصلت أعماق الحفر في أجزاء منها إلى نحو 20 مترًا، هذه الحفريات تتصل بشبكة الأنفاق التي يحفرها الاحتلال الإسرائيلي أسفل وفي محيط المسجد الأقصى.

وقالت مؤسسة الأقصى للوقف والتراث إن ما يسمى بـ”سلطة الآثار الاسرائيلية” هي من تقوم بأعمال الحفريات، بمبادرة وتمويل من جمعية “إلعاد” الاستيطانية، توطئة لبناء مركز تهويدي ضخم (7 طوابق)، بقرار من الحكومة الإسرائيلية ودعم من بلدية الاحتلال بالقدس، تحت مسمى “الهيكل التوراتي” – مركز قيدم، على مساحة بنائية إجمالية تصل الى نحو 16 ألف م2.

هذه الحفريات تجري تحت الأرض خلال الخمس سنوات الأخيرة، وتمتد من منطقة عين سلوان على بعد 750 مترًا عن المسجد الأقصى وتتجه شمالًا باتجاه المسجد، وتصل إلى منطقة أسفل حائط البراق، وطول هذا النفق يبلغ 800 متر تحت الأرض، وتتشعب منه عدة تفرعات.

العمل في هذا النفق مازال جاريًا حتى اللحظة، ويستعمل كمسار تلمودي توراتي سياحي، وتتركز كل الحفريات حاليًا أسفل باب السلسلة، وأسفل باب المطهرة، وأسفل طريق باب المغاربة؛ حيث وصل الحفر إلى أعماق خمسة أمتار أسفل أساسات الأقصى وتكشفت أساساته والحجارة العملاقة فيه.

وأفادت “مؤسسة الأقصى” أن الاحتلال و”سلطة الآثار الاسرائيلية” يعتبران هذه الحفرية بأنها الأضخم والأهم في السنوات الأخيرة؛ حيث شرع الاحتلال هذه الحفريات على مراحل، كان أولها المرحلة الابتدائية، انطلقت نهاية عام 2002/ بداية 2003م، وجرت بشكل متقطع، لكنها أخذت قوة وتسارعًا متواصلاً منذ العام 2007 وحتى الآن، ويشارك فيها يوميا عشرات الحفارين.

نفق انتُهِيَ منه تحت الأقصى

عرض التعليقات
تحميل المزيد