الناس ببساطة إما مبدعون أو غير مبدعين، هكذا يعتقد الكثيرون، لكن فكرة أن العباقرة فقط هم القادرون على الإتيان بأفكار مبدعة هي أسطورة غير حقيقية، في الواقع كل شخص يقدر على ذلك بسهولة، فقط يحتاج إلى بعض التدريب.

ثمان طرق للتدريب في المكتب

الوقت يجري، ورئيسك في العمل يريد ورق الخطة الجديدة على مكتبه قبل العصر، ولكن ذلك الحائط أمام رأسك لا يختفي، أين ذهبت الأفكار المبدعة؟

يقول لك كاتب المقال أن مجرد جلوسك ببساطة هناك وانتظار الإلهام لا يساعد كثيرًا في تلك اللحظات الحرجة، ولكن لا يجب عليك أن تقلل من قدراتك الإبداعية، يقول البروفسير يورج ميلهورن Jörg Mehlhorn من جمعية الإبداع الألمانية (إن هذا خطأً واضح، ليس العباقرة وحدهم هم القادرين على الإتيان بأفكار خلاقة، هذا المفهوم عفا عليه الزمن، بينما المعروف حاليًا أن كل إنسان في الأساس مبدع بفطرته، المشكلة الحقيقية هي أن موهبة الإبداع دومًا لا يتم تنميتها، يجب عليك أن تعرف التالي: أنت مبدع وخلاق أكثر مما تظن).

الوقت: العائق الأساسي

يظل ضيق الوقت العائق الرئيس للقدرة الإبداعية بالنسبة لأكثر من نصف الموظفين كما تظهر دراسة أجرتها الشركة الاستشارية جاك مورتون، كما يصبح العمل الإبداعي دومًا أكثر صعوبة على الموظفين وسط قوانين العمل ومتطلباته، حيث إن قليلين فقط هم من يمتلكون المساحة الكافية للإبداع في العمل اليومي.

الخوف: القاتل الخفي

القدرة الإبداعية تحتاج أيضًا للشجاعة، لذا فالخوف هو العدو الخفي للابتكار، فالمبدع هو شخص يستطيع القفز خارج التيار الرئيس كما يقول ميلهورن.

يوجد سلسلة من التدريبات لإطلاق القدرة الخفية لأفكارنا الإبداعية، ومن الضروري أولاً وقبل كل شيء أن نستطيع التغلب على أنماط تفكيرنا المعتادة وأدوارنا القديمة.

1- العصف الذهني

هذا التدريب هو أكثر التدريبات كلاسيكية للعمل الإبداعي، وفيه يطرح كل شخص أي اقتراحات تخطر على باله بتلقائية شديدة بغض النظر عن جودتها أو ملاءمتها للمشكلة الموجودة، ويوضح بينو فان إيرسين Benno van Aerssen – الذي عمل كمستشار ومدرب للابتكار- أنه من المهم في هذه الحالة فصل الأفكار عن النقد بمدة زمنية، كثيرون يقعون في ذلك الخطأ؛ أن يسارعوا لتقييم الأفكارالمطروحة، فتكون النتيجة أن العوائق لا تلبث في الظهور فورًا، لذا يجب على المشاركين طرح جميع الأفكارعلى الطاولة حتى تلك غير مكتملة النضج والتي تبدو أحيانًا شديدة الحمق.

خطأ آخر هو: الجلوس خمس دقائق فقط للعصف الذهني، حيث يقول البروفسير يورج ميلهورن Jörg Mehlhorn من الجمعية الألمانية للإبداع (لحظات التفكير السريعة هذه غير مثمرة إطلاقًا، عصف ذهني أقل من ثلاثين دقيقة ليس عصفًا ذهنيًّا)، وتفسيره أنه غالبًا ما تبدأ في أول عشر دقائق الأفكار الواضحة التقليدية في الظهور، ولكن بعدها تنهمر باقي الأفكار، لذا من الأخطاء الرئيسة أن يتوقف الإنسان في تلك اللحظة، حيث يأتي بعد ذلك فيض الأفكار المبدعة غير التقليدية.

2- طريقة 635

هنا يطرح الشخص أفكاره في صورة مكتوبة، وفي هذه الطريقة يقوم ست زملاء عمل بالتدريب؛ فيقوم كل منهم بكتابة ثلاثة حلول لمشكلة معينة لمدة خمس دقائق فقط، لذلك تدعى الطريقة 635، بعدها يمرر كل شخص ورقته للشخص المجاور له، حيث يقوم الثاني بالاطلاع على الحلول المطروحة من زميله، وهكذا دواليك حتى يقوم جميع الأشخاص بدراسة جميع الحلول المطروحة، وعندما تكمل جميع الأوراق الدورة، يكون قد تم تجميع 18 حلاً للمشكلة.

تتميز هذه الطريقة عن طريقة العصف الذهني، كما وضح البروفسير ميلهورن، بشيء مهم، وهو أنك تجبر نفسك على استقبال أفكار الآخرين مما ينتج عنه المزيد من اتساع الأفق والاختلاف الواضح في طريقة التفكير الأساسية.

3 – المشي العقلي

من المعروف أن المشي لمدة نصف ساعة يوميًّا يحافظ كثيرًا على صحة القلب والرئتين والعضلات، ولكن المفاجئ أيضًا هو تأثيره المباشرعلى العقل، حيث تقوم الرياضة ليس فقط بتنشيط الدورة الدموية وزيادة الأكسجين الواصل إلى المخ وتقليل نسبة الجزيئات الحرة الضارة للمخ ((free radicals ولكن أيضًا تقوم بتنشيط الخلايا العصبية والروابط العصبية البينية وزيادة مقاومتها للضغوط، وبالتالي تنشيط التفكير والذاكرة.

4 – التفكير رأسًا على عقب

هنا يتم قلب المشكلة الرئيسة رأسًا على عقب حرفيًّا كما يوضح مدرب الابتكار والمؤلف ينس ماير Jens-Uwe Meyer: على سبيل المثال تحتاج مؤسسة ما لتحسين لوحات العرض الخاصة بها في أحد المعارض، فبدلاً من طرح السؤال (ماذا يمكن فعله لزيادة جاذبية اللوحات؟)، نطرح السؤال بطريقة عكسية: ( ماذا يمكن أن نفعل من أجل ألا يأتي أحد؟)، فتكون الحلول المقترحة مثل: “نصب سلك شائك حول الحامل” أو “جعل رائحتها كريهة “، وبالتالي على العكس، يمكن استخدام رائحة طيبة لحامل العرض لجذب الناس وتشجيعهم على الوقوف.

فان أيرسين  Benno van Aerssenيقدم مثلاً آخر: مثلاً بدلاً من السؤال (كيف يمكننا أن نرضي العميل؟) يجب على الموظفين أن يسألوا أنفسهم: (كيف يمكننا أن نفقد العميل؟)، وهنا تأتي الأفكار مثل: (لا تجب أبدًا على التليفون)، وهنا يتم استخدام تلك الأفكار في اتجاه العكسي، حيث نصل إلى حلول مثل (عند وضع العميل على الانتظار في الهاتف نحدد لأنفسنا وقتًا لا نتجاوزه عن طريق العد العكسي) أو (عرض الاتصال في وقت آخر مناسب).

5 – تقنية الكلمة المحفزة

بهذه التقنية يفكر العاملون أولاً في موضوع بعيد تمامًا عن المشكلة المطروحة، ويفترض ميلهورن مثلاً أن المشكلة هنا هي (محاولة الشركة تطوير هاتف محمول من صنعها)، فيتم اختيار كلمة ما بعيدة تمامًا عن موضوع المشكلة، ولتكن في هذه الحالة (شجرة) كما يوضح ميلهورن، بعدها يتم ربط الصفات المميزة لتلك الكلمة – رغم بعدها التام عن القضية – إلى المشكلة الفعلية، مثلاً ( تمتلك الشجرة أوراقًا وتعطي ظلاً)، وبنقل تلك الصفة إلى الهاتف المحمول، نخرج بفكرة جديدة وهي صنع هاتف محمول بحواف بارزة توفر ظلاً مما يحسن رؤية الشاشة في الأماكن المشمسة.

6 – خرائط العقل

هنا نحاول تطوير أفكار ترابطية بخصوص موضوع ما، كما يوضح فان إيرسين Benno van Aerssen، نفترض رغبة مؤسسة ما في تطوير موقع الإنترنت الخاص بها، فنقوم أولاً بكتابة المشكلة في وسط ورقة بيضاء، بعدها نكتب كل وجه من وجوه التطوير متصلاً بالكلمة الرئيسة مثلاً: (صور أكثر) أو (واجهة جديدة)، فتكون النتيجة تصميم شجري يكون مصدرًا للإلهام.

الميزة الكبرى لهذه الطريقة: عند تقييم الحل يقوم الشخص في لمحة واحدة بمعرفة الأشياء المرتبطة ببعضها، والتي يمكن دمجها سويًّا، مما يعطي رؤية أشمل للمشكلة وللحل في نفس الوقت كما يوضح فان إيرسين.

7 – طريقة والت ديزني

كان من الضروري على والت ديزني صانع الأفلام الشهير في أثناء عمله تقمص ثلاثة أدوار مختلفة، دور الخيالي ودور الواقعي وأخيرًا دور الناقد، على سبيل المثال:

عند البحث عن أفكار جديدة من أجل (تطوير جهاز تلفاز جديد) يفكر الحالم على سبيل المثال أن يقوم باستخدام حركة اليد في الهواء للتحكم في القنوات بدلاً من جهاز التحكم عن بعد (الريموت كونترول)، بينما يفكر الواقعي في نفس الوقت بدلاً من رفض الفكرة تمامًا في كيفية تحقيق الفكرة وطريقة تنفيذها، ثم بعدها يأتي دور الناقد حيث يقوم بنقد الفكرة وعيوبها، أخيرًا تعيد النظر في نقاط النقد والاعتراضات من وجهة نظر الحالم وتحاول التغلب على تلك العقبات، في النهاية ربما نجد أن وظائف قليلة فقط في التلفاز هي التي تصلح للتحكم فيها بواسطة حركة اليد، وإلا سيظل المشاهدون يلوحون بأيديهم في الهواء أمام الجهاز طوال الوقت.

8 – تدريب القبعات الستة

هذه الطريقة قام بتطويرها الطبيب إدوارد دي بونو Edward de Bono، تحتوي بشكل ما على عملية لعب الأدوار الخاصة بوالت ديزني ولكن بصورة أكثر تعقيدًا، يقوم المشاركون بلعب أدوار وجهات النظر المختلفة، وكل يفترض ارتداءه قبعة مختلفة:

صاحب القبعة البيضاء يختص بالحقائق الفعلية للموضوع، صاحب القبعة الحمراء يختص بالمشاعر والحدس، أما القبعة الصفراء فيرتديها المتفائل، القبعة السوداء يرتديها المشكك، أما القبعة الخضراء فيرتديها صاحب العقل المبدع في المجموعة، وأخيرًا صاحب القبعة الزرقاء يدير جلسة التفكير، أثناء مجريات النقاش يتم تبديل الأدوار حيث يرتدي كل شخص قبعة مختلفة، ويلعب دورًا مختلفًا مناقضًا للدور السابق.

 ما نتيجة ذلك الأسلوب؟

يوضح ماير أنك ستضطر لإجبار نفسك على تقييم للموضوع من وجهات نظر مختلفة، وهذا يضمن ألا يقوم المشاركون بالانغلاق على أفكارهم، ويساعدهم في التغلب على المقاومة الداخلية ضد باقي الأفكار.

* *

أخيرًا

يجب علينا أن نؤمن أن أحد أهم العوائق التي نواجهها هو: الخوف من إبداعنا الخاص، يقول ماير: (يوجد في مكان ما من عقلنا جزء صغير مدمر يقول دائمًا: “أفكارك ليست جيدة” أو “التزم بالطريقة التقليدية”، يجب علينا التغلب عليه. كثيرون منا رأوا كيف قادت فكرة غريبة شخصًا ما للنجاح، نفس تلك الفكرة التي خطرت ببالنا من قبل ورفضناها لغرابتها، الفرق بسيط جدًّا بين الحالتين؛ هذا الآخر كان مؤمنًا بفكرته وتغلب على الخوف المدمر).

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد