بالرغم من كثرة الصراعات والحروب التي يمر بها العالم العربي والإسلامي، إلا أن ذلك لم يمنع مواصلة أفراحه، والاحتفال بأعياده الدينية، والتي تتواصل على امتداد السنة، فبعدما ودع المسلمون شهر رمضان بعيد الفطر، ثم احتفلوا مع حجاج بيت الله الحرام بعيد الأضحى، ها هم يحيون اليوم ذكرى المولد النبوي، والذي يوافق يوم 12 ربيع أول من كل عام هجري، وتعتبر العديد من الحكومات الإسلامية ذكرى المولد النبوي يوم عطلة رسمية، فيحتفلون، ويحيون هذه الذكرى المجيدة في كل بلد على طريقتهم الخاصة.

وتعبر قطاعات واسعة من الشعوب الإسلامية عن فرحتها في ذكرى المولد النبوي، بالعديد من المظاهر المختلفة، مثل الأناشيد الدينية، والتهاليل، التي يستمتعون بالاستماع إليها في مجالس تنشد فيها قصائد مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتُذكر فيها سيرته.

وعلى الرغم من اتفاق أغلب المسلمين على الطريقة الروحانية في الاحتفال بيوم المولد النبوي، إلا أن عاداتهم، وتقاليدهم تختلف خارج المجالس الدينية، وبعيدًا عن أناشيد مدح النبي عليه الصلاة والسلام، لا توجد عادات مميزة للاحتفال بالمولد النبوي في بعض دول العالم الإسلامي، بينما تقوم العديد من الدول الإسلامية الأخرى بتوزيع الحلويات، وتحضير المأكولات التقليدية الشعبية لديها، وفي مقدمة هذه الدول تونس، التي سنتحدث في هذا التقرير عن عادات شعبها في إحياء ذكرى المولد النبوي.

عصيدة «الزقوقو».. يتهادى بها التونسيون في المولد النبوي

تتميز تونس عن غيرها من الدول الإسلامية في طريقة الاحتفال بذكرى مولد النبي محمد، فبالإضافة للاحتفالات الرسمية التي تشرف عليها مؤسسات الدولة ممثلة في رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ورئاسة البرلمان، تتمسك العائلات التونسية باحتفالاتها الروحانية، وتمارس عادتها الشعبية السنوية بصناعة طبق «عصيدة الصنوبر الحلبي»، والمعروفة في تونس بـ«عصيدة الزقوقو»، وترتبط هذه العصيدة الفريدة من نوعها ارتباطًا وثيقًا بهذا الاحتفال الديني.

وتنشغل المحافظات التونسية من شمالها إلى جنوبها، خلال يوم المولد النبوي، والليلة التي تسبقه بتحضير عصيدة «الزقوقو» رمادية اللون، وتتجه العائلات التونسية قبل ذلك بنحو أسبوع لاقتناء الصنوبر الحلبي، والذي يسمى في تونس بالـ«زقوقو»، وبالرغم من ارتفاع أسعار مكونات العصيدة إلا أن التونسيين على اختلاف أوضاعهم المادية، يسعون لاقتناء الصنوبر الحلبي، والمكونات الأخرى اللازمة لتحضير العصيدة.

وارتفعت أسعار الصنوبر الحلبي مقارنة بالسنة الماضية؛ حيث تراوح سعر الكيلوجرام الواحد منه هذا العام ما بين ثماني إلى عشر دولارات خلال هذا الموسم، وذلك دون احتساب تكلفة مكونات الزينة من مكسرات، وحلوى، وكريمة، وغيرها، والتي تصل في كثير من الأحيان إلى ثلاثة أضعاف سعر الكيلو الواحد من الصنوبر الحلبي.

وتختلف طريقة تزيين صحون العصيدة من منزل إلى آخر، وهو ما يدفع ربات البيوت التونسيات للتسابق نحو شراء المكسرات، و«الملبّس الملون»، فكل واحدة منهن تريد أن تصنع من صحونها لوحات فنية بأشكال جميلة، وألوان زاهية يغلب عليها اللون الأخضر، الذي يتركه الفستق الحلبي بعد طرحه على طبقة الكريمة الطرية صفراء اللون.

ولا تؤكل عصيدة المولد التونسية على عجل، فهي تُطبخ ليلة المولد؛ ليتم بعد ساعات تزيينها أولا بطبقة رقيقة من كريمة الفانيليا، وتُغطى بعد ذلك بالمكسرات المختلفة، ثم تترك لساعات في الثلاجة، حتى لو كان الاحتفال بالمولد النبوي في فصل الشتاء.

وبقيت العصيدة التونسية على مر العصور بمختلف أنواعها الأكلة التقليدية الرئيسة للتونسيين، وانتشرت خصوصًا في القرنين الماضيين، حيث سماها أهل الجنوب التونسي قديمًا بـ«العيش»؛ وذلك لأنها كانت تعد مصدر العيش الأساسي لهم، وتحولت العصيدة من مصدر عيش رئيس بسيط يعد من الطحين، والماء، ويغطى بالسكر، وزيت الزيتون إلى عصيدة المولد الشهيرة اليوم.

ويشار إلى أن تونس دخلت موسوعة «غينيس» منذ أكثر من سنة، بعدما قامت عشرات النساء التونسيات بإعداد أكبر طبق عصيدة في العالم، وذلك في إطار تنظيم تظاهرة ثقافية سياحية، بمناسبة احتفالات القيروان بذكرى يوم المولد.

الأجواء الروحانية تنتشر في جوامع تونس العتيقة

تتبادل العائلات التونسية في صبيحة الاحتفال بيوم المولد صحون العصيدة، ويهدف هذا التقليد للمعايدة بهذه المناسبة الدينية، إلى تقريب العائلات من بعضها البعض، ثم يتجه التونسيون بعد ذلك جماعات وفرادى للاحتفال بالمولد النبوي في المساجد الكبيرة، وبالأخص العريقة منها فتستقطب العدد الأكبر من التونسيين.

وتغص هذه المساجد العريقة بالمسلمين، ومن أهمها جامع الزيتونة المعمور الذي يقع في قلب المدينة العتيقة، أو «المدينة العربي» كما يسميها التونسيون، وإلى جانب جامع الزيتونة، يعد جامع عقبة بن نافع بالقيروان وجهة أغلب التونسيين من باقي المحافظات، لاحتفالاته المميزة بذكرى المولد.

ويشد الآلاف من الشعب التونسي رحالهم في هذه المناسبة كل عام إلى مدينة القيروان، أول عاصمة للإسلام في شمال إفريقيا، حيث يقع مقام «أبي زمعة البلوي»، والذي يعد مزارًا دينيًا يأتي إليه الناس من كل حدب وصوب.

ويعتبر هذا المقام من أبرز المزارات الدينية في مدينة القيروان؛ لاحتوائه على رفات الصحابي «أبي زمعة البلوي»، أو «صاحب الشعرات»: وفقًا لتسمية أهل المدينة المنورة، ويرجع ذلك بحسب الروايات التاريخية لاحتفاظ هذا الصحابي بثلاث شعرات من لحية الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، أوصى بأن تدفن معه بعد وفاته.

واستشهد هذا الصحابي عام 34 هـ/ 654م خلال الغزوات الإسلامية لإفريقية في غزوة «معاوية بن حديج»، وذلك في معركة ضد الجيوش البيزنطية، قرب «عين جلولة»، غرب القيروان، ودفن جثمانه في موضع القيروان قبل تأسيسها.

ذكرى المولد النبوي..بين رؤيتها كـ«نعمة» أو «بدعة»

يرى البعض أن الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف بدعة، مستشهدين بآراء جمع كبير من العلماء، في حين يمثل هذا اليوم للآخرين يوم فرح وبهجة، معتبرين أن إحياء ذكرى يوم المولد عادة دينية، واجتماعية لا يحق للمسلمين التخلي عنها.

ومن بين الكتاب الذين تخصصوا في مدح النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وعددوا خصاله، وشيمه، وسعوا إلى إثبات أن يوم الاحتفال بمولده هو نعمة، ويوم فرح، وسرور، الكاتب والداعية المصري «محمد خالد ثابت» في كتابه «تاريخ الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ومظاهره في العالم»، وأكد على ذلك بقوله «ولا يحتفل بهذه النعمة إلا من عرف قدرها، وتمنى دوامها وزيادتها، أما الجاهل فيستوي عنده وجودها مع عدمه، لا يبالي إن قابل النعمة بالجحود، أو المنعم بالعبوس».

وبين من يراها بدعة، ومن يعتبرها عادة دينية لا يمكن التخلي عنها، تبقى أجواء الاحتفال بالمولد النبوي في تونس، وفي مختلف الدول الإسلامية، ذات طابع مليء بمظاهر البهجة والترابط الاجتماعي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد