بعد صولات وجولات استمرت لستة عشر شهرا بين الحكومة اللبنانية  وتنظيم  “جبهة النصرة” أفرزت عن عقد صفقة تبادل برعاية قطرية للجنود اللبنانيين المخطوفين، منذ أغسطس العام الماضي، على خلفية اشتباكات منطقة” عرسال” الواقعة على الحدود السورية.

كيف تمت الصفقة؟ وما أبرز تفاصيلها وشروطها؟ وما الأسباب التي دفعت إلى عملية الاختطاف بينهما خلال العام الماضي؟ وهل لـ”حزب الله” اللبناني دور في عرقلة الصفقة؟

تفاصيل الصفقة


مؤخرا، توصلت الحكومة اللبنانية وتنظيم “جبهة النصرة” السوري بعد مفاوضات عديدة رعتها الدوحة إلى اتفاق بينهما يقضي بالإفراج عن الـ16 عسكريا لبنانيا مختطفا لدى التنظيم منذ العام الماضي،  وجثة جندي تم إعدامه سبتمبر عام 2014 مقابل تسليم السلطات اللبنانية 25 محتجزا لديها بينهم 17 امرأة وأطفالهم.

لكن السلطات اللبنانية تؤكد أن عدد السجناء الذين تم الإفراج عنهم هو 13، بالتزامن مع ما ذكرته لوائح أسماء نشرتها “جبهة النصرة” على حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي قالت إنها تسلمت 19 شخصا كانوا معتقلين في لبنان، وستة في منطقة التل شمال دمشق، ما يرجح أن يكون هؤلاء معتقلين في سجون السلطات السورية وشملتهم الصفقة، كما صرحت” الجزيرة نت”.

لذلك، فإن “النصرة” تحصي بين الذين أطلق سراحهم في لبنان عددا من الأطفال كانوا مع أمهاتهم في السجن، ولا تعتبرهم السلطات اللبنانية سجناء، حيث إن السجناء الذين تم تبادلهم هم أربعة سوريين، وفلسطينيان، ولبنانيان، إلى جانب خمس سجينات، منهن: علا العقيلي وسجى الدليمي.

وتمت مراسم الصفقة التي بثت عبر قناة الجزيرة القطرية عبر نقل سيارات الصليب الأحمر السجناء اللبنانيين المفرج عنهم إلى المنطقة التي يتمركز فيها الأمن اللبناني، في حين انسحب مقاتلو “النصرة” إلى منطقة جرود القلمون السوري.

لذلك من أبرز المفرج عنهم من طرف الحكومة اللبنانية “سجى الدليمي” طليقة “البغدادي” منذ سبع سنوات، حيث قررت في مقابلة لها على قناة الجزيرة العودة إلى بيروت، ومن ثم السفر إلى تركيا مع أطفالها.

الإفراج عن الجنود العسكريين اللبنانيين جاء بعد عملية اختطافهم لـ16  شهرا خلال الاشتباكات التي اندلعت بين الجيش اللبناني ومجموعات مسلحة قدمت من سوريا أبرزها” داعش”  و”النصرة” مطلع أغسطس من العام الماضي.

استمرت هذه الاشتباكات خمسة أيام، وقتل خلالها ما لا يقل عن 17 من عناصر الجيش اللبناني، وجرح 86 آخرون، بالإضافة إلى عدد غير محدد من المسلحين، واختطاف الـ29  جنديا عسكريا لبنانيا، 16 في يد” النصرة”، و 9 لدى” داعش” لا زالوا محتجزين حتى اللحظة.

وانتهت تلك الاشتباكات بإخراج المسلحين من البلدة، لكنهم اقتادوا معهم 29 من عناصر الجيش وقوى الأمن الداخلي، قتل الخاطفون أربعة منهم، واحتفظت جبهة “النصرة” بـ16 ، وتنظيم الدولة بـ 9 “آخرين”.

شروط الصفقة

وفقا لمراقبين، فإن جبهة النصرة تعد هي الرابح الأكبر من وراء هذه العملية؛ كونها فرضت نفسها بقوة، وأجبرت الحكومة اللبنانية الخضوع إلى شروطها بعد المفاوضات، حيث إن التنظيم لم يوافق على إتمام الصفقة، إلا بعد شروط عدة، منها: فتح ممر آمن بين عرسال وجرودها للمدنيين بشكل دائم، وهو “شرط ملزم”، وتأمين إغاثة بشكل شهري للاجئين في عرسال أيضا، ومواد طبية، وحل ملف اللاجئين السوريين في لبنان.

كما شملت الصفقة أيضا التعهد بتأمين نقل الجرحى في  عرسال إلى تركيا “بقدر الإمكان وحسب حالاتهم”، وتسوية أوضاع الجرحى داخل لبنان، ووضعهم القانوني، وأن تكون منطقة “وادي حميد” منطقة آمنة للمدنيين، مع ضمان تأمين كافة السجناء إلى عرسال، ثم تخييرهم بالانتقال إلى أي مكان يشاءونه.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه الصفقة فتحت” شهية” الحكومة اللبنانية إلى بدء التفاوض مع “داعش”؛ للإفراج عن الجنود التسعة المختطفين عندها منذ أغسطس/آب 2014 م.

جدير بالذكر أن “جبهة النصرة” كانت قد أعدمت أحد الجنود الذين خطفوا في الثاني من آب/أغسطس في بلدة عرسال العام الماضي، بعد مواجهة دامية بين الجيش اللبناني ومسلحين قدموا من سوريا، فضلا عن قيام تنظيم الدولة الإسلامية بإعدام جنديين من المجموعة التي يحتجزها.

واتهمت جبهة النصرة السلطات اللبنانية بالسماح لـ” لحزب الله” اللبناني الذي يقاتل في سوريا إلى جانب النظام السوري بعرقلة المفاوضات؛ لإطلاق سراح الجنود، واشترطت حينها” النصرة” لأجل الإفراج عن الجنود اللبنانيين أن يقوم “حزب الله” بسحب مقاتليه من سوريا.

كيف تمت قراءة الصفقة

انقسم الساسة في قراءة صفقة التبادل، فمنهم من رأى أن” النصرة”  خرجت بربح كبير منها عبر تقديم نفسها كطرف قوي على الأرض يملك نظرة ورؤية قوية، وانتصارا لها  مقابل “داعش” التي ارتبطت ملامح الوحشية بها.

طرف آخر يرى أن الحكومة اللبنانية قد تكون أقدمت على مغامرة سياسية خطيرة بفتح باب المفاوضات مع من تصنيفهم كـ”إرهابيين”؛ لأنهم قد يقدمون على عمليات خطف جديدة؛ للمقايضة بها على مطالب أخرى كما جرى مع “النصرة”.

في المقابل أيضا قد تمثل الصفقة إنجازا كبيرا للدولة اللبنانية، تمثل في عودة العسكريين الذين كانت تحتجزهم “الجبهة” إلى عوائلهم وأبنائهم، رغم أن الثمن كان باهظا نسبيا؛ إذ اضطرت في النهاية إلى التفاوض معها، وإطلاق موقوفين، بعضهم متهمين بقضايا أمنية في لبنان.

البعض من جانبه يرى أنه لم يكن أمام السلطات اللبنانية خيارا في الوقت الحالي سوى التفاوض مع التنظيم بعد ضغط شبه يومي من أهالي المختطفين، واتهامهم للدولة بالعجز عن فرض سيادتها على منطقة حدودية شهدت فصولا من الانفلات الأمني الذي عاشته عرسال وجرودها العام الماضي.

«حزب الله» يسعى لتعطيل الصفقة


يعتبر “حزب الله”  اللبناني العدو من وجهة نظر” النصرة” ، وقد اعتبر الحزب بدوره أن إبرام الصفقة قد جلب” العار” إلى لبنان، وثبت تحكم  “الإرهابيين”  بما يريدون داخل الأراضي اللبنانية، حيث أخذ أنصار الحزب يغردون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بهاشتاج:  “صفقة العار” ؛ للتعبير عن غضبهم منها.

هذا الغضب ناجم، كما يرى البعض، من عدم إدراج أسرى الحزب الثلاثة لدى “النصرة”  ضمن الصفقة، والذين تم اعتقالهم في الرابع عشر من الشهر الماضي إثر معارك في ريف حلب الجنوبي شمالي سوريا.

ولأول مرة شهدت منطقة جرود عرسال اللبنانية المتداخلة مع الأراضي السورية، اشتباكات عنيفة خاضها “حزب الله” ضد مقاتلي “جبهة النصرة”، مطلع يونيو/ حزيران الماضي، إلى جانب المعارك المحتدمة بينهما داخل الأراضي السورية.

وشكلت حينها هذه الاشتباكات امتدادا لمعارك منطقة القلمون السورية التي تعد الجهة الأخرى لسلسلة جبال لبنان الشرقية، وتشهد مواجهات عنيفة بين قوات الجيش السوري والحزب من جهة، ومسلحي “النصرة”  ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، ومقاتلين معارضين من جهة أخرى، منذ أيار/مايو ماضي.

وقد فصل موقع “عربي 21 ” الإخباري تفاصيل سعي حزب الله إلى تعطيل الصفقة، منوها أن خلافات حدثت قبيل تنفيذ الصفقة بين الساسة اللبنانيين؛ بسبب تدخل حزب الله في الوقت الأخير، وإصراره على إدراج ثلاثة من عناصره” .فضلا عن أسباب أخرى يقف وراءها “حزب الله” ، وتتعلق بمدى جدية الضمانات من قبل الطرف اللبناني لتأمين العملية، ونقل العوائل القلمونية المتفق عليها إلى تركيا، بالإضافة إلى تأمين ممرات آمنة للجرحى.

وثمة من يرى أن من ضمن الأهداف الكامنة لدى “حزب الله”  لعرقلة الصفقة هي إسقاط الوسيط القطري، صاحب العلاقة السيئة بينهما، والذي ساهم بإنجاح الاتفاق بين “النصرة والجيش اللبناني”.

وما زاد العلاقة المتوترة بين التنظيمين هو قيام جبه النصرة ببث اعترافات بعض من عناصر “حزب الله” المعتقلين لديه: حول مساومة الحزب لعناصره بين الذهاب إلى سوريا، أو قطع الراتب الشهري”، حيث تتهم” الجبهة”  الحزب بالمشاركة الفعالة في القتال إلى جانب النظام السوري.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد