أثار قرار محكمة في الخرطوم، يقضى بإعدام سودانية تبلغ من العمر 27 عامًا شنقًا (قابل للاستئناف) ضجة كبيرة على مستوى العالم، فالسودانية أبرار الهادي محمد عبد الله أو مريم يحيى إبراهيم إسحق (الاسم الذي اتخذته بعد اعتناقها المسيحية) أدينت في 11 من الشهر الجاري بالردة والزنا، على خلفية اعتناقها الديانة المسيحية وزواجها بمترجم أجنبي أنجبت منه طفلاً. واعتبرت المحكمة إنجاب الطبيبة مولودًا أمرًا غير شرعي.

وكانت المحكمة قد أمهلت الطبيبة فترة ثلاثة أيام للاستتابة، وعقدت جلسة للاستتابة بالمحكمة في الـ15 من الشهر الجاري، وإصدار القرار النهائي، وذكرت الطبيبة السودانية أمام المحكمة التي استجوبتها أنها مسيحية من أب مسلم سوداني الجنسية وأم أجنبية مسيحية، درست الجامعة بولاية القضارف من العام 2005 إلى العام 2011 وتخرجت في كلية الطب وتزوجت بوساطة كنيسة بالخرطوم في العام (2011) وأنجبت مولودها في العام (2012).

وتنص المادة (126) من القانون الجنائي السوداني بأنه: (1) يعد مرتكبًا جريمة الردة كل مسلم يروج للخروج من ملة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة. (2) يستتاب من يرتكب جريمة الردة ويمهَل مدة تقررها المحكمة فإذا أصر على ردته ولم يكن حديث عهد بالإسلام، يعاقب بالإعدام .(3) تسقط عقوبة الردة متى عدل المرتد قبل التنفيذ.

ويؤكد رئيس البرلمان السوداني الفاتح عز الدين للإذاعة السودانية أنه في قضية مريم الكثير من المعلومات المغلوطة والتي كان الهدف منها الإساءة لسمعة السودان وللقضاء، ونفى أن تكون قد تربت في محضن غير إسلامي كما ادّعت، وقال: “وإنما هي بنت مسلمة من أسرة معروفة الأبوين مسلمين، وتربت في محضن إسلامي، ومن ولاية مشهورة، ومن حي مشهور، ومن قبيلة مشهورة”.

ويشير رئيس البرلمان السوداني عز الدين إلى أن الذي قدم الدعوى ضد الفتاة شقيقها وهو مسلم، مؤكدًا أن القضية لا توجد فيها دوافع سياسية مطلقًا.

ردة فعل دولية

السودانية المحكوم عليها بالإعدام يوم زفافها

تعاقبت الضغوط الدولية والمحلية وتتابعت ردود الفعل من منظمات حقوقية على قرار الحكومة السودانية بشأن حكم إعدام مريم، وقالت منظمة العفو الدولية أن السودانية الحامل في شهرها الثامن مسجونة حاليًا مع ابنها البالغ من العمر 20 شهرا، وطالبت بالإفراج عنها فورا.

وتدخل الاتحاد الأوروبي بقضية السودانية وطالب ممثلو الاتحاد الأوروبي بالخرطوم، السودان بالتزام دوليًا بالدفاع عن حرية الأديان وتعزيزها.

وطالبت وزارة الخارجية الأمريكية الحكومة السودانية باحترام الحرية الدينية التي يكفلها الدستور، وأبدت واشنطن انزعاجها من حكم الإعدام، ودعت الخرطوم لاحترام حرية الأديان وفقًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وقالت ماري هارف، مساعدة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، في بيان: “نحن منزعجون للغاية من الحكم بالإعدام شنقًا على مريم يحيى إبراهيم إسحاق للردة، والجلد بسبب الزنا”، وأضافت هارف: نواصل دعوتنا للحكومة السودانية باحترام حرية الأديان، التي كفلها الدستور المؤقت لعام 2005، بجانب القانون الدولي لحقوق الإنسان”

و أعلنت وزيرة الخارجية الإيطالية، فيديريكا موغيريني، أن بلادها تعمل على “إنقاذ حياة امرأة سودانية حبلى”، حكم عليها بالإعدام، لاتهامها بالردة بعد اعتناقها الديانة المسيحية. كما استدعت وزارة الخارجية البريطانية القائم بالأعمال السوداني في لندن وأبلغته رفضها لحكم الإعدام الذي صدر الأسبوع الفائت بحق الطبيبة السودانية.

كما انتقدت المعارضة السودانية حكم الإعدام الصادر بحق مريم، وتعهدت بالعمل على حمايتها، واعتبر رئيس الهيئة القيادية لتحالف قوى المعارضة، فاروق أبو عيسى ممارسات النظام الحاكم في البلاد بأنها المقيدة لحرية التعبير.

أصل دينها !!

رئيس حزب الأمة القومي بالسودان الصادق المهدي

اتهم إمام وخطيب المسجد الكبير بالخرطوم كمال رزق جام الكنيسة والدول الغربية بالوقوف وراء ارتداد الطبيبة المزيفة التي وصف حالتها بالجنون وقال لا أملك إلا أن أصفها بالمجنونة وطالب بمراجعة عقلها.

بينما طالب رئيس حزب الأمة القومي بالسودان الصادق المهدى، بوقف الحكم الذي وصفه بـ “الجائر” في حق الطبيبة مريم بالإعدام لاتهامها بالردة.. داعيا إلى تجميد المادة 126 من القانون الجنائي السوداني لحين الاتفاق بين المسلمين حول الاجتهاد الصائب الذي يحقق مقاصد الشريعة، ويوافق مطالب السياسة الشرعية في القرن الـ 21. وقال المهدي-في بيان صحفي- إن ما ذكرته مريم بأنها نشأت على دين أمها شبهة تدرأ الحد.
ويؤكد لـ”ساسة بوست” رئيس لجنة الإفتاء بالجامعة الإسلامية د. ماهر السوسي أن الردة في الإسلام تستوجب حد القتل، وحديث الردة صحيح ومُخرّج، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) “رواه البخاري ومسلم ).

وينقد د. السوسي وجود بعد الفقهاء المحدثين الذين ناقشوا هذه العقوبة وبدأوا يشككون بها من باب عجزهم عن الدفع هذه الشبهة عن الإسلام ومجاراتهم للحقوقيين ونشطاء الإنسان، وقال: “أن هذا خروج خطير جدًا وتداعياته سلبية على البينة والنظام العام في الإسلام”.

ويوضح د. السوسي أن قول هذه الطبيبة أنها أصلًا نصرانية يحتاج إلى إثبات وعلى ذلك إذا كان كلامها صحيح يعني ذلك أن الحكم عليها باطل، طالما هي ليست مسلمة، ويضيف: “إلا إذا كان هناك ما يثبت إسلامها قبل ذلك، ومن السهولة التحقق من الوقائع والحوادث والأوراق الرسمية التي تثبت إذا ما كانت مسلمة أم لا” .

ردود فعل على الشبكات

مسيحية من السودان

بينما كانت ساحة محكمة “الحاج يوسف” التي تحاكم بها مريم تشهد احتشاد عشرات النشطاء والمهتمين، يحملون لافتات “لا لمحاكمة الأديان”، “لا إكراه في الدين” و “احترموا حرية الأديان”، وأيضا احتشاد العشرات المؤيدين للحكم، كانت شبكات التواصل الاجتماعي وصفحات المواقع الإخبارية على الإنترنت تشتعل رفضًا لحكم إعدام مريم بتهمة “الردة”، وساد جدل فقهي واسع على خلفية هذه القضية، وتباينت آراء النشطاء حول مدى شرعية حكم الإعدام بحق مريم، خاصة أنها ذكرت أمام المحكمة أنها مسيحية ولم ترتد عن الإسلام.

وقال المواطن السوداني محمد يحيى على صفحته على “فيس بوك”: “الحكم على السودانية مريم يحيى إبراهيم بالإعدام بتهمة الارتداد عن دين لم تعتنقه أصلا عبث لا يصدقه عقل وإهانة أخرى للإسلام”.
أما سمر فكتبت “لو تم تنفيذ الحكم على مريم السودانية التي اتهمت بالردة بالإعدام، هتكون سبة في جبين الإنسانية وكلنا هنبقى شركاء في تلك الجريمة البشعة.
وقالت تاتانا الكردي: “اكتشفت للتو قضية السودانية مريم يحيى!! الأمر الوحيد المضيء والمشرف في هذه القضية هو التفاعل الراقي والواعي للناشطين السودانيين معها”
ويقول أشرف الوردي ” قضية مريم يحيى مثال على عدم صلاحية الدستور والقوانين السودانية بالإضافة لعدم نزاهة القضاء، مريم يحيى إحدى ضحايا صمت الشعب”
ويقول السيد محمد عبد الرحمن: “وُلدت السودانية مريم يحيى لأب مسلم ولكن أمها المسيحية تعهدتها فلم تعرف غير المسيحية دينا.. فكيف حُكم عليها بالإعدام لارتدادها عن الإسلام!” أما بيان الغامدي فقالت: “فتاة من أب مسلم حُرمت من والدها وربتها أمها المسيحية على دينها واليوم تواجه حد الردة، مريم يحيى حينما يصبح القضاء لعنة”.

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد