دائماما تكون علاقة السلطة القضائية بالسياسة في مصر محل جدل، وفي هذا التقرير نسلط الضوء على القوانين المحلية والعالمية في هذا الصدد، وماهية الحالات التي يجوز فيها للقاضي إبداء رأيه السياسي في قضية ما من عدمه، والمواقف التي تعرض فيها قضاة مصريون إلى التحقيق ارتباطا باتهامهم بالقيام بنشاط سياسي

دائمًا ما تكون علاقة السلطة القضائية بالسياسة في مصر محل جدل، هذا الجدل قد عاد إلى الواجهة مؤخرًا بعد الحوار الذي أجراه المستشار “ناجي شحاتة” الملقب بـ”قاضي الإعدامات في مصر” والذي كشف فيه حقيقة رؤيته السياسية في بعض القضايا مثل عدائه لثورة 25 يناير وبعض الفصائل المعارضة للدولة. ما دفع الأمر إلى مطالبة البعض لإحالته للتفتيش القضائي واستبعاده من القضايا ذات الطابع السياسي. في هذا التقرير نسلط الضوء على القوانين المحلية والعالمية في هذا الصدد، وماهية الحالات التي يجوز فيها للقاضي إبداء رأيه السياسي في قضية ما من عدمه، والمواقف التي تعرض فيها قضاة مصريون إلى التحقيق ارتباطًا باتهامهم بالقيام بنشاط سياسي:

(1) القوانين المحلية والعالمية

تنص المادة 73 من قانون السلطة القضائية المصري رقم 46 لعام 1973 في الفصل الخامس “واجبات القضاة”، تلك المادة التي لا يزال العمل بها إلى الآن، والتي ارتبطت بعلاقة وضوابط ومحددات علاقة القضاة بالسياسة، على أنه: “يحظر على المحاكم إبداء الآراء السياسية”.

ويحظر كذلك على القضاة “الاشتغال بالعمل السياسي ولا يجوز لهم الترشيح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الإقليمية أو التنظيمات السياسية إلا بعد تقديم استقالتهم”.

وعلى المستوى الدولي، أقرت الأمم المتحدة عدة معايير مرتبطة باستقلال السلطة القضائية من البند رقم 8 الذي ينص على: “وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع، ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاة دائمًا، لدى ممارستهم حقوقهم؛ مسلكًا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء”.

(2) المحظور على القضاة سياسيًّا؟


حدد قانون السلطة القضائية إحدى الحالات التي يُحظر فيها إبداء الرأي السياسي من قبل أحد عناصر السلطة القضائية من خلال نص المادة 73 الذي “يحظر على المحاكم إبداء الآراء السياسية”، والمقصود بالمحاكم هنا جلسات المحاكم والأحكام التي تصدرها، فلا يجوز إبداء القضاة آراء سياسية أثناء جلسات التقاضي والمحاكمة والأحكام الصادرة من المحكمة والحيثيات والأسباب وراء إصدار تلك الأحكام.

ولا يقتصر الجزء الثاني من المادة 73 على أعمال المحاكم والتقاضي فقط، وإنما ارتبط بشكل أساسي بأعمال ونشاطات القضاة ذاتهم داخل المحكمة وخارجها؛ إذ ينص على: “ويحظر كذلك على القضاة الاشتغال بالعمل السياسي ولا يجوز لهم الترشح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الإقليمية أو التنظيمات السياسية إلا بعد تقديم استقالتهم”.

حدد ذلك الجزء ماهية عبارة “الاشتغال بالعمل السياسي”، وهو الترشح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الإقليمية أو التنظيمات السياسية كالانتماء أو طلب الانتماء للأحزاب السياسية أو الحركات السياسية مثلا أثناء فترة عملهم قضاةً، وبعدما يقدم القاضي استقالته أو يحال إلى المعاش مثلا يصبح بذلك مواطنًا عاديًّا يتمتع بكافة الحقوق والحريات والواجبات التي يكفلها القانون والدستور للمواطن، بما في ذلك تكوين الأحزاب والتجمعات السياسية والمشاركة فيها والترشح للانتخابات النيابية، وغيرها من الأنشطة السياسية المكفولة للمواطن العادي.

(3)المسائل الجدلية لتفسير المواد المرتبطة بطبيعة العمل السياسي للقضاة


يُفسر بعض الفقهاء القانونيين جملة “الاشتغال بالعمل السياسي” المحظور على القضاة على أنه ذلك العمل السياسي الذي يداوم ويتابع ويستمر فيه القاضي بشكل مقصود ودائم في إحدى المؤسسات أو الهيئات التي تعمل بالسياسة، وذلك النوع من الاشتغال يربط القاضي بتحزبات سياسية وفقا للأحداث السياسية، مما قد يجرح أحكامه التي يصدرها، وبالأخص عندما يكون من صدر عليه الحكم في خصومة سياسية أو اتساق سياسي مع القاضي، وذلك يختلف – وفقا لأصحاب هذا الرأي – عن مجرد إبداء الرأي السياسي في قضية ما، على اعتبار أن القاضي هو في الأصل مواطن وله الحق في التصويت في الانتخابات والاستفتاءات السياسية والاستحقاقات الانتخابية، دون أن يدخل في “تحزُب معين أو الانتماء مؤسسيًّا في تكوين سياسي معين”، على اعتبار أن ذلك النوع من إبداء الرأي لم يحظره نص القانون.

ويستشهد أصحاب ذلك الرأي بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يُتيح الحق لـ”أعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع، ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاة دائمًا، لدى ممارستهم حقوقهم؛ مسلكًا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء” بالإضافة إلى المادة 87 التي توجب مشاركة المواطن في الحياة العامة باعتباره “واجبًا وطنيًّا”.

وبعض الخبراء يجيزون ذلك النوع من إبداء الرأي دون إعلانه إعلاميًّا، فيما يرى آخرون أنه من المحظور على قاضي المنصة إبداء أي رأي أو تعليق سياسي من أي نوع.

(4)القضاة الذين تمت معاقبتهم لأسباب سياسية


“يُعلن قضاة تيار استقلال القضاء رفضهم التام الاعتداء على الشرعية الدستورية وإقصاء الرئيس الشرعي المنتخب، مطالبين بتفعيل الدستور، ليعود ساريًا ليحكم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية في مصر بأسرها وإتمام البناء الديمقراطي وفقًا لقواعده وأصوله”.

هكذا استهل بيان وقَع عليه 75 قاضيًا تم إصداره في 24 يوليو 2013 وإعلانه على منصة ميدان رابعة العدوية، عقب بيان الجيش في 3 يوليو قبل أسابيع، وأوضح البيان: “أن القضاة لا يعملون بالسياسة ولا يشتغلون بها ولا ينحازون إلى أحد أيًّا كانت صفته أو انتماؤه، وإن انحيازهم الوحيد والمشروع إنما هو للشرعية والحق والعدل وهو عماد سلطانهم، وعلة وجودهم إذ بغير هذا الانحياز تنتفي علة وجود القضاء من الأساس”.

وعلى ذلك تمت إحالة الـ75 إلى التحقيق من قبل لجنة التفتيش القضائي، ممثلين بذلك أبرز واقعة لمعاقبة القضاة بتهمة “الاشتغال بالسياسة” منذ أحداث 25 يناير 2011، والتي أدت في النهاية إلى أن أصدر مجلس التأديب والصلاحية – 14مارس 2015 – حكمه بإحالة 31 قاضيًا للمعاش، و10 آخرين للتقاعد وأثار ذلك القرار انتقادات حقوقية واسعة؛ إذ أدانت 12 منظمة حقوقية الحكم ورأت أن “السبب الحقيقي لإحالة هؤلاء القضاة للمعاش ليس اشتغالهم بالسياسة، كما تقول أوراق القضية والتحقيقات، بل هي محاكمة على رأي معلن يتعارض مع الإدارة الحاكمة الآن، خاصةً في ظل غياب معايير محددة للأفعال التي تستوجب إحالة القاضي للتأديب، أو فقدانه صلاحية ولاية القضاء. إذ منح قانون السلطة القضائية مجلس التأديب سلطة مطلقة في الاختيار بين السير في إجراءات المحاكمة أو إخضاع الأمر لرؤيته”.

ولفت البيان إلى تباين التعامل تجاه القضاة الذين أبدوا آراءهم السياسية عندما أفاد: “إن إعلان القضاة لآرائهم ومشاركتهم في الحياة العامة أمر ليس بجديد، فقد شارك عدد كبير من القضاة في احتجاجات 25 يناير 2011، كما شارك عدد آخر – بل واعتلوا المنصات في الميادين – أثناء احتجاجات 30 يونيو 2013. بل وصل الأمر إلى إبداء قضاة لآراء ومواقف سياسية في دعاوى ينظرون فيها بالفعل – وأثناء اعتلائهم منصة القضاة – وهو ما يعتبر خرقًا لكافة الأعراف القضائية في العالم كله، وذلك دون أن يتم تحويلهم لمجلس تأديب أو فقدانهم الصلاحية لولاية القضاء،أو مساءلتهم، بل إنهم مستمرون في مواقعهم على منصة القضاء وتُحال لهم قضايا بعينها للفصل فيها”.

واستعان البيان بالبند الثامن للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى المادة 73 لافتًا إلى “فتوى من مجلس الدولة برقم 351 لسنة 4 قضائية، التي انتهت إلى أن المقصود بالحظر هو الاشتغال بالسياسة اشتغالًا فعليًا، الأمر الذي من شأنه أن يجعل للقضاة رأيًا ظاهريًا في الخلافات الحزبية، وهو ما يجب على القاضي الامتناع عنه”.

المصادر

تحميل المزيد