تقول سوزان سونتاج في كتابها «المرض كمجاز»، والذي سردت فيه قصتها مع الإصابة بمرض السرطان؛ إن «المرض هو الجانب المظلم من الحياة» ودون الوقوع في فخ مقارنة أيهما أشد ألمًا؛ الأمراض العضوية أم ألم الأمراض النفسية، يمكن القول إن مرضًا نفسيًّا مثل الشيزوفرينيا هو مرض عقلي شديد الخطورة، وأن المرض النفسي يمكن أن يكون له دلالات عضوية يحاول الباحثون تتبعها منذ بداية ظهورها؛ من أجل تحسين القدرة على تشخيص المرض. لكن الجديد، هو تلك الوعود التي قطعها الأطباء بالقدرة على اكتشاف بعض الأمراض النفسية، والأمراض النفسية العصبية «الاضطرابات النفسية الناتجة من خلل عصبي» عن طريق فحص العين.

كيف يمكن للعين أن تكون مرآة للحالة النفسية؟

تُعرّف الشبكية بأنها طبقة تتكون من نسيج حساس للضوء وتقع خلف العين، والشبكية بمثابة مرآة للمخ. يرى الباحثون أن العين نافذة على المخ، فهناك علاقة وثيقة بين صحة العين، وصحة المخ، وهناك أدلة تشير إلى أن بعض التغيرات في العين، وقدرتها على تأدية وظيفتها تعطي إشارات على وجود اضطرابات عصبية، أو تناول أدوية مخدرة، وأيضًا على وجود إصابات في المخ مثل ارتجاج المخ.

وفي العقد السابق حاول الباحثون الربط بين وجود تغييرات في العين، وتحديدًا في سُمك الشبكية؛ وبين خطر الإصابة بالشيزوفرينيا. فهناك أدلة تفيد بأن المصابين بالشيزوفرينيا يمتلكون شبكية أكثر سُمكًا، وأوردة صغيرة أوسع من الطبيعي.

Embed from Getty Images

ليس هذا فقط، ولكن أيضًا اضطراب ما بعد الصدمة أو «PTSD»، والذي يُعرّف بأنه شعور سيئ مرتبط بتذكر حادث بعينه، يصاحبه عدة أعراض نفسية وجسمانية، مثل القلق، والاكتئاب. فبقياس النظر وُجد أن اضطراب ما بعد الصدمة يُحدث اضطرابات في الرؤية أيضًا، ويعاني المصابون باضطراب ما بعد الصدمة من تشوش الرؤية، بسبب تداخل نظام الرؤية الحسي مع أعضاء الجهاز النطاقي.

العين.. بلورة كاشفة للأمراض العصبية

لكن لماذا يؤثر المرض في الشبكية تحديدًا؟ ذلك لأن الشبكية جزء من الجهاز العصبي، وتعد امتدادًا من المخ، فقد تطورا من النسيج الجيني نفسه. وتقول لورا بالسير طبيبة الأمراض العصبية التي تتعلق بأمراض العيون «تتطلب الرؤية استخدام نحو نصف مسارات العين العصبية». كما أن الإصابات والاضطرابات العصبية تدمر الشبكية، والعصب البصري، الذي يربط المخ بالعين.

وأحد أهم الأمراض العصبية التي تتجلى آثارها في العين، بدءًا من الرؤية المزدوجة، أو الضبابية، وصولًا إلى فقدان الرؤية، هو مرض «التصلب المتعدد(MS)». وهو مرض مناعي، يهاجم فيه الجهاز المناعي المايلين، وهي المادة الدهنية التي تغطي الألياف العصبية لحمايتها. وفي هذه الأثناء لا يتورع الجهاز المناعي عن مهاجمة أجزاء من المخ وتدميرها، ومنها المسارات المسؤولة عن الرؤية، وكذلك العصب البصري الذي يحمل إشارات الرؤية إلى المخ.

ومن ناحية أخرى ظهر على  الفئران المصابة بداء هنتنجتون  أحد (الأمراض العصبية) تغيرات في الرؤية ورؤية الألوان، لكن لم يظهر أي تغييرات في شكل الشبكية، لكن في مراحل المرض المتأخرة يظهر بروتين الـ«HTT» على شبكية الفئران، وهو البروتين الدال على الإصابة بمرض هنتنجتون. ويعاني الأشخاص المصابون بهذا المرض من اعتلال في رؤية الألوان، لكن لا يبدو على الشبكية تأثير شكلي.

كيف ستنعكس هذه الملاحظات على العلاج النفسي؟

قد لا يعرف البعض أن المرض النفسي شائع وليس نادرًا، فهناك شخص من كل خمسة أشخاص في أمريكا مصاب بمرض نفسي، وقُدرت الأعداد في عام 2017 بحوالي 46.6 مليون مصاب، من سن 18 فما فوق. وبنسبة 22.3% من النساء، و15.1% من الرجال. وتبلغ النسبة أشدها في الأعمار ما بين 18 إلى 25، وإذا علمنا أن ضعيفي النظر أو فاقدي الرؤية يُصابون بالاكتئاب مرتين أكثر من الشخص صحيح البصر؛ فبالضرورة سيُستخدم فحص العين مؤشرًا من ضمن عدة مؤشرات على الحالة النفسية.

Embed from Getty Images

أما مايكل آشر الطبيب النفسي بجامعة بنسلفانيا فيقول عن العلاقة بين الأمراض النفسية وأمراض العين: «الأمر ليس جديدًا، لكن أحدًا لم يسلط عليه الضوء في مجتمع الطب النفسي». ولأن المريض النفسي يبدي اهتمامًا أقل بنظام حياة صحي، فقد يكون طبيب العيون عاملًا مساعدًا في علاج المصابين باضطراب ما بعد الصدمة.

كذلك طوّر الباحثون وسائل اختبارية من أجل فحص مرض التصلب المتعدد عن طريق مسارات العين؛ مثل اختبار «كينج-ديفيك»، الذي يستغرق دقيقتين فقط، والذي يُقيم مسارات المخ التي تتحكم في حركة العين عن طريق جعل المريض يقرأ سريعًا أرقامًا في صفحة إلكترونية.

أما احتمالية الإصابة بالشيزوفرينيا، فيفيد «رسم الشبكية الكهربي» (electro-retinography) في قياس استجابة خلايا الشبكية للضوء. ويستفيد الباحثون حاليًا من تطور وسائل فحص الشبكية باستخدام اختبارات غير جراحية، مثل التصوير المقطعي للترابط البصري، أو (OCT) الذي يستخدم حاليًا من أجل فحص احتمالية الإصابة بأمراض عصبية. وأمراض الاضطراب التنكسي في الجهاز العصبي المركزي، أو الباركنسونيزم، والزهايمر أيضًا. فهل نشهد قريبًا تعميم اعتماد فحص العين، للاستدلال على الأمراض النفسية والعصبية؟

من بينها «اضطراب الزومبي»..  4 من أغرب الاضطرابات النفسية والعصبية في التاريخ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد