نشرت وكالة الأنباء الدولية رويترز تقريرًا مساء الثلاثاء 10 مايو (آيار) الحالي، يفيد باجتماع أعضاء من الكونجرس الأمريكي للتشاور بشأن موقع التواصل الاجتماعي – الأكثر استخدامًا في العالم والولايات المتحدة – فيس بوك، والذي دارت حوله الكثير من الشكوك مؤخرًا بشأن وقوف موظفيه أمام انضمام بعض الأخبار التي تخص المحافظين الأمريكيين إلى قائمة الأخبار الأكثر تفاعلًا على منصة الموقع، والعمل على حجبها أو تقليل انتشارها أمام الجمهور.

وتظهر خاصية «أكثر الموضوعات تفاعلًا» في أقصى اليمين على صفحة فيس بوك الرئيسية. وهو يهدف إلى إبراز أكثر الموضوعات تفضيلًا من حيث النقاش بين جمهور المستخدمين على فيس بوك في شتى أرجاء العالم، هذا الجمهور الذي يبلغ قرابة 1.6 مليار مستخدم من مختلف البلدان والأعراق.

وخلُصت لجان المجلس بعد نقاش مطوّل إلى إرسال رسالة استجواب لرئيس مجلس إدارة الشركة ومديرها التنفيذي مارك زوكربيرج. بموجبها يُعتبر مارك محل اتهام هو وشركته بالتلاعب بشأن الأخبار التي تظهر لمستخدمي موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، وعليه أن ينفي هذه التهمة عن الشركة ويوضِّح للرأي العام الأمريكي الآلية المُحكمة المستخدمة لترويج بعض الأخبار وإخفاء بعضها عن المستخدمين. ويأتي التحقيق الحالي بعدما نشر موقع غيزمودو لأخبار التكنولوجيا خبرًا – سنأتي عليه بالتفصيل لاحقًا – مفاده أن موظفًا سابقًا بالشركة توجَّه لمارك بسؤال مشحون باتهام عن ماهية المسؤولية الملقاة على عاتق الشركة للتدخل المتعمد لحجب أو تقليل انتشار المواد الإخبارية التي تلقى اهتمام فئة سياسية من فئات المجتمع الأمريكي وهي فئة المحافظين.

وتضمنت الرسالة التي خرجت من الكونجرس تساؤل رئيس لجنة التجارة جون ثون – النائب الجمهوري عن ولاية داكوتا الجنوبية – عن الخطوات التي تتخذها إدارة فيس بوك لتنقيح الأخبار التي تعرضها لمستخدميها على صفحاتهم الشخصية، وطلب السيناتور كذلك الحصول على معلومات كافية بشأن الهيكل التنظيمي للإدارة القائمة على قطاع الأخبار السياسية والمواضيع المفضلة والأكثر تفاعلًا «trending topics» التي تساعد إدارة الموقع على الترويج لها.

انتقال النقاش من المنصات الصحفية إلى أروقة الكونجرس، استدعى تهكم مساعد زعيم الكتلة الديموقراطية بالكونجرس آدم جنتلسون، السيناتور الجمهوري الذي رفض عقد جلسات استماع للقاضي ميريك جارلاند، المرشح لعضوية المحكمة العليا الأمريكية، ورفض طلبًا للرئيس بزيادة المساعدات لمكافحة فيروس زيكا، وجد أن عقد جلسات استماع بشأن فيس بوك أمر وطني ملحّ!

هذا الجدل المثار في الشارع الأمريكي وداخل أروقة الكونجرس يدفعنا للعديد من التساؤلات حول الدور السياسي الذي يلعبه موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، لاسيما وأن ما يقع على الشارع السياسي الأمريكي من حيث التلاعب إن ثبت، ينسحب من باب أولى على الشارع السياسي العربي.

كيف يتلاعب «فيس بوك» بالديموقراطية الأمريكية

لم نقصد من العنوان أن نستخف بعقل القارئ أو نجذبه رغمًا عنه ليطالع السطور القادمة، لأن فيس بوك بالفعل صار لاعبًا فاعلًا ومؤثرًا في الديموقراطية الأمريكية، ولو أن المتحدث الرسمي عن الشركة كان قد قال في وقت سابق: «العملية الانتخابية هي صُلب الديموقراطية، ونحن نعتقد أن بإماكننا المساهمة في دفع المجتمع الذي نملكه للمشاركة الإيجابية، لكننا على أية حال شركة محايدة، لم ولن تستخدم منتجها للتأثير على كيفية المشاركة».

التصريح الرسمي من الشركة تقابله بالطبع ادعاءات بعدم المصداقية، فعلى سبيل المثال يقول الصحفي بموقع غيزمودو – لأخبار التكنولوجيا – إن فيس بوك كأكبر شبكة تواصل اجتماعي في العالم لن تكون مضطرة للإفصاح عما إذا كانت ستتدخل في الانتخابات أم لا.

بعيدًا عن هذا السجال الصحفي، ما الذي يجعل من فيس بوك قادرًا على اختيار صاحب المنصب السياسي الأهم بالعالم؟

إليك ما حدث على أرض الواقع: منذ انتخابات الرئاسة الأمريكية 2008م ومنصة فيس بوك تتيح للمستخدمين الأمريكيين خيار «I’m voting»، الزر الذي من خلاله يخبر المستخدم الأمريكي أصدقاءه بأدائه حق التصويت في الانتخابات. إلى هنا يبدو الأمر طبيعيًا لاسيما وأننا يوميًا نكتشف الجديد من الخيارات التي تمن بها علينا إدارة فيس بوك. الجانب الآخر من الحقيقة أنه بمجرد الضغط على الزر تظهر صورتك واسمك بجوار كلمة «I’m voting» وهو ما يشجع أصدقاءك ومتابعيك لعمل الشيء ذاته. الأمر كان أشبه بالظاهرة في انتخابات الرئاسة 2008م.

لذلك خضعت التجربة للدراسة من قبل مجموعة من الأكاديميين من جامعة كاليفورنيا ونشرت دراستهم التي أفادت بأن نسبة 0.39% من المصوتين الأمريكيين لم يكونوا ليشاركوا في الانتخابات لو لم تظهر لهم مشاركات أصدقائهم على الفيس بوك، هذه النسبة تعني أن 340.000 صوت أضيفوا لصناديق الاقتراع فقط لأجل هذا الزر!

ربما تبدو لك النسبة ضئيلة، فهي حتى لم ترقى لتساوي الواحد الصحيح، لكن ماذا لو أخبرتك أن جورش بوش الابن كان قد هزم آل جور في ولاية فلوريدا في الانتخابات الرئاسية لعام 2000م بفارق عدد أصوات 537 صوت – أي بنسبة لا تتجاوز  0.01% من إجمالي من لهم حق التصويت بالولاية – ولولا نتيجة فلوريدا لكان آل جور الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية بدلًا من جورج بوش!

بعض المنافسات الانتخابية المحتدمة يمكن أن تحسمها هذه التدخلات الضئيلة إذًا، فقط لو تركزت الرسائل المحفزة للمشاركة على بعض المناطق التي يزيد فيها مناصرو أحد المرشحين بطريقة ملحوظة أو حسبما تفيد قواعد البيانات التي تمتلكها شركة فيس بوك عن مستخدمي موقعها الإلكتروني.

هل يتوجب علينا إيقاف دونالد ترامب؟

يصوّت موظفو شركة فيس بوك أسبوعيًا على مجموعة من الأسئلة التي تحتاج لجواب من المدير التنفيذي للشركة «مارك زوكربيرج»، والذي بدوره يقدم لهم الأجوبة في جلسته النقاشية عقب انتهاء الاستفتاء الداخلي. من بين أكثر الأسئلة تصويتًا من قبل موظفي الشركة في استفتاء الرابع من مارس (آذار)، كان سؤالًا محددًا عن المسؤولية التي تجعل من فيس بوك منوطًا بالحيلولة دون وصول المرشح الجمهوري دونالد ترامب للبيت الأبيض في 2017م.

السؤال يبدو صادمًا، لكنه حصل على المرتبة الخامسة من بين الأسئلة الأكثر حصولًا على أصوات موظفي الشركة – مما يعكس رغبتهم الشديدة في معرفة الجواب -، كما أشار موقع غيزمودو والذي أُرسلت له صورة من نتيجة الاستفتاء الداخلي لموظفي الشركة.

هذا التساؤل فتح على الشركة أبواب جهنم حتى عقدت لجنة من الكونجرس اجتماعًا لتباحث الأمر والاستيضاح من مسؤولي الشركة، لاسيما وأن مارك المدير التنفيذي للشركة كان قد هاجم الحملة الإعلامية للمرشح الجمهوري ترامب خلال كلمته الافتتاحية في مؤتمر المطورين السنوي للشركة (F8)، والتي حملت معانٍ سياسية غير مسبوقة، وقال نصًا «إنني أسمع أصواتًا مخيفة تنادي ببناء الحواجز وتباعد المسافات بيننا وبين أُناس يُشار إليهم بـ (الآخرين)، أسمعهم ينادون بالوقوف أمام حرية التعبير، بمنع الهجرة، وتقليل التجارة وفي بعض الأحيان بقطع الاتصال بالإنترنت، إذا كان العالم سيتجه نحو الانغلاق فإن مجتمعنا سيكون مضطرًا للعمل بجدية على إعادة تجميع الناس»، إلا أن مارك لم يذكر دونالد ترامب صراحةً.

هذه التصريحات السياسية التى أطلقها مارك، والتي جاءت في سياق كلمته الافتتاحية للمؤتمر السنوي لشركته فيس بوك، وهذا التساؤل الذي طرحه موظفي الشركة وتناقله موقع غيزمودو، أثار تخوّف المحافظين من أنصار ترامب من انحياز موقع التواصل الأكثر استخدامًا في أمريكا والعالم، وتلاعبه بالأخبار المتداولة بشأن حملتهم الانتخابية.

ما الذي يمكن أن يفعله «فيس بوك»؟

لا مراء أن فيس بوك بات الموقع الأكثر ترويجًا للأخبار في العالم، أكثر من مواقع الجرائد والصحف الإخبارية ذاتها، حتى أنه طبقًا لدراسة حديثة يحصل على قرابة الـ40% من المطالعات الإخبارية اليومية حول العالم! حتى باتت جميع الجرائد والصحف مهتمة بنشر أخبارها وتغطياتها خلال منصته المتاحة للجميع.

أجرت شركة فيس بوك العديد من الدراسات والتجارب أثبتت من خلالها كيف أن التحكم في نوعية الأخبار التي تظهر للمستخدم على صفحته الخاصة – نتيجة مشاركة أصدقائه لها – يمكن أن تشكل تغيرًا في اهتماماته وآرائه السياسية، ما يؤثر بالتبعية على رأيه في صندوق الانتخاب.

التجربة الأولى

قدّمت الشبكة تجربةً عملية على 1.9 مليون مستخدم أمريكي، على مدار الثلاثة أشهر السابقة لانتخابات الرئاسة 2012م، إذ كثفت من معدل ظهور الأخبار السياسية القاسية لهؤلاء المستخدمين، وكانت النتيجة بحسب الخبراء الذين قاموا بتحليل بيانات الموقع عن هؤلاء المستخدمين أن السلوك السياسي الجمعي لهذه العينة قد تغير بشكل مثير للشفقة – لم يدركوه هم – مما جعلهم أكثر ارتباطًا بالمجتمع وأحرص على المشاركة في الانتخابات الرئاسية بدافع الواجب الوطني والرغبة في تغيير الأوضاع البائسة.

التجربة الثانية

تجربة أخرى نفذها فيس بوك أثناء انتخابات الكونجرس 2010م، متعلقة بالزر التشجيعي «I’m voting» الذي كانت إدارة فيسبوك قد أدخلته الخدمة قبل ذلك بعامين في انتخابات الرئاسة 2008م. التجربة أجريت على عينة من المستخدمين الأمريكيين عددهم قرابة الـ60 مليون مستخدم، وزعت الشركة خلال التجربة أشكالًا مختلفة من الزر «I’m voting» على المستخدمين الـ60 مليون في محاولة منها للحصول على قاعدة من البيانات بتحليلها تكون الإدارة قادرة على تحديد «أي التصميمات أكثرفاعلية وتأثيرًا على المستخدم؟».

التجربة ذاتها تضمنت جزءً آخر أكثر دقة. ودارت النتائج التي خلص لها الأكاديميون بعد تحليل بيانات الموقع، أن 20% من المستخدمين ممن ظهرت لهم مشاركات الأصدقاء ذهبوا بدورهم للضغط على زر التصويت في مقابل 18% ممن لم تظهر لهم مشاركات الأصدقاء. هذا ما يمكن أن نسمه التأثير الجمعي الإيجابي والذي جعل قرابة نصف مستخدمي فيس بوك يصوتون في الانتخابات أو – بالأدق – يخبرون بذلك لتشجيع غيرهم.

التجربة الثالثة

في 2012م، أجرت الشركة تجربة على عينة من المستخدمين عددها 700 ألف، تحكمت خلالها في نوعية الأخبار التي تظهر لهم يوميًا على صفحاتهم الشخصية للتوصل إلى مدى تأثير ذلك على الأمزجة والعواطف الخاصة بهم. وخلصت التجربة إلى أن فيس بوك قادر بالفعل على أن يدفعك للشعور الذي يريدك كمستخدم أن تشعر به!

بالأخير ما يمكن أن نؤكد عليه من واقع دراسات فيسبوك التي لا تنتهي:

أولًا: أن الموقع لديه القدرة الفعلية على التحكم في نوعية  الأخبار التي تظهر لك يوميًا وهو بالتبعية قادر على التحكم في الحالة المزاجية لك كمستخدم والتأثير الكبير على اهتمامك وتوجهاتك السياسية وغير السياسية، من خلال تعمد حجب أخبار معينة مؤيدة ومناوءة لفصيل دون آخر من الفصائل المتنافسة في الانتخابات، كما أنه قادر على دفع عدد أكبر من مستخدميه للمشاركة في بعض المناطق دون غيرها.

يمكن أن نضرب على ذلك مثالًا، عندما استجلب الموقع تعاطف مستخدميه في كافة أنحاء العالم أعقاب «أحداث باريس الإرهابية»، بينما لا يلتفت أحيانًا لبعض «الأعمال الإرهابية» في باقي دول العالم.

ثانيًا: إدارة الموقع تقوم بالعديد من التجارب والاختبارات مستخدمةً آلاف بل ملايين المستخدمين لديها دون علمهم، ولديها قواعد بيانات بشأن توجهات ونشاطات كل مستخدمي الموقع للاستفادة منها ودراستها متى اقتضت الحاجة لذلك، وطالما أن ذلك لم يشكل في السابق أية معضلة قانونية للشركة فإنه لن يفعل مستقبلًا. وهو ما أكّده رجل القانون إيوجين فولوك الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس: «فيس بوك لديه كل حقوق النشر مثله مثل نيويورك تايمز، ولا يقع تحت طائلة المساءلة القانونية إذا ما قرر أن يحظر ترامب كليًا أو حتى يروج له».

وخلاصة ما يمكن الخروج به من استنتاجات أننا نرى بأعيننا – اليوم – ما يمكن تشبيهه بـ «جهاز مخابراتي» تفوق قدراته إمكانات جهاز المخابرات المركزي الأمريكي CIA، فيما يتعلق بقواعد البيانات. إذ لديه قاعدة بيانات هي الأكبر في العالم، ويتمتع بقدرة تتبعية وتحليلية هي الأدق والأفضل. ناهيك عن قدرته على التحكم في آرائك وتوجهاتك الدينية والسياسية وحتى مجرد التحكم في حالتك المزاجية.

النقطة المثيرة للاهتمام، أن فيس بوك ما إذا قرر التدخل للتأثير في خط سير الانتخابات الأمريكية فإنه قد انتقل إذن  من منصة خُلقت لعرض الرأي الجماهيري عمومًا إلى منصة لحجب الرأي الجماهيري المخالف لرأي إدارة الشركة بشكل انتقائي. فالمساحات المتاحة للمستخدمين صارت غير متكافئة من هذا المنظور، ودوائر التأثير المفترض أن يتمتع بها المستخدمون صارت بيد من قرر التدخل لا بيد جمهور المستخدمين.

هذا التحول – الذي أصاب الأسس التي قام عليها فيس بوك إذا ما افترضنا حقيقة التدخل والتأثير – يهدم فيس بوك ويحوله من موقع شعبوي في المقام الأول إلى موقع سلطوي يستلب الإدارة الجماهيرية بدلًا من أن يدعمها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد