جدل قوي ذلك الذي أثاره مشروع القانون الجنائي الجديد الذي خرج للعموم قبل أيام في المغرب. جدل احتدم في الأوساط المدنية والحقوقية بشكل عام، ولكنه لقي صدى أكبر في المجال العام الافتراضي المغربي على الإنترنت، وبالخصوص على فيس بوك. حيث أنشأ عدد من النشطاء صفحة بعنوان “القانون الجنائي لن يمر”، باعتباره جاء ليعيد عددًا من العقوبات “التسلطية” المؤثرة على عدد من الحريات المدنية والخاصة للأفراد.

هذا الجدل المثار على فيس بوك يراه البعض مهمًا وضروريًّا ومؤثرًا، فيما يذهب آخرون إلى أنه لا يعدو أن يكون افتراضيًّا في الوقت الذي يجب أن يكون فيه النقاش واقعيًّا والتأثير في المجال الفعلي العام للضغط والتأثير.

غير أن تجارب عربية ومغربية سابقة، أثبت صحة مقولة الفئة الأولى، وهو ما تحاول “ساسة بوست” العودة إليه في هذا التقرير بالتركيز على تجربة المملكة المغربية.

دور مواقع التواصل الاجتماعي في حركة التغيير العربي (الانتفاضات العربية)

لعبت مواقع التواصل الاجتماعي – في السياق العربي-، دورًا هامًا وخطيرًا تمثل في قدرتها الفعالة في شحن وتعبئة الرأي العام تجاه عدد من القضايا السياسية. ففي مصر مثلًا شكلت الشبكات الاجتماعية وعلى رأسها فيسبوك مجالًا للاحتجاجات والتشجيع على الإضرابات، انطلاقًا من دعوات “حركة شباب 6 أبريل”، أو صفحة “كلنا خالد سعيد”، وصولًا إلى دعوات التظاهر يوم 25 يناير 2011، والتي أعطت شرارة الانطلاق للثورة المصرية. هذه الأمثلة جسدت قدرة هذه المواقع على التعبئة، ومن ثم الانتقال من مرحلة الافتراضي إلى مرحلة الواقعي، والنزول إلى الشارع. من جهة أخرى فتحت الشبكات الاجتماعية مجالًا جديدًا للدعاية الانتخابية، وطرح البرامج الانتخابية، حيث تكونت عبر فيسبوك مجموعات لنشر البرامج، وجمع التأييد، وبذلك أضحت الشبكات الاجتماعية ساحات شعبية تجري فيها الممارسة السياسية على أوسع نطاق.

Untitled

صورة خالد سعيد من صفحة “كلنا خالد سعيد”

 

ويمكن لهذه الشبكات أن تكون مصدرًا سريعًا لكل ما يحصل من أحداث حول العالم من قلب الحدث، معتمدة في ذلك على أشخاص متواجدين في مسرح الأحداث يشاركون مع بقية المستخدمين الأخبار والصور ومقاطع الفيديو والتعليقات ويبثونها إلى جميع بقاع الأرض دون حواجز أو عوائق. وهو ما حصل بالضبط إبان الحراك الاجتماعي والسياسي الذي عرفته عدد من البلدان العربية نهاية 2010 وبداية 2011. إذ استطاع النشطاء والمتظاهرون في الميادين والشوارع، إيصال ما يحدث إلى العالم بأسره من خلال استعمال أدوات تصوير عادية وهواتف وبث الصور والأخبار والمقاطع عبر تويتر وفيسبوك ويوتيوب، وهو ما أكدته مثلًا دراسة قامت بها جامعة واشنطن بعنوان “دور الإعلام الاجتماعي في الثورات العربية”. دراسة اعتمدت على 3 ملايين تغريدة على موقع تويتر، وساعات كبيرة لمقاطع على اليوتيوب، لتخلص إلى أن هذه المواقع لعبت دورًا كبيرًا في إشعال وتفعيل الثورات العربية، ووفقًا للدراسة فإن الحديث عن الثورة بدأ قبل نشوب الثورات، حيث استفاد الناس كثيرًا من مساحة الحرية على شبكات التواصل الاجتماعي للمشاركة والتعبير والمطالبة بالإصلاح السياسي.

دور موقع فيسبوك في التأثير السياسي والاجتماعي في المغرب

المغرب وإن كانت له خصوصية في تجاوزه واستجابته لحراك “الربيع العربي” نظرًا لعوامل عدة تتعلق بتركيبة النظام الحاكم، والسيرورة المغايرة عن الجمهوريات العربية طوال العشرية 2000-2010، إلا أنه أيضًا عرف حركة احتجاج قوية انطلقت يوم 20 فبراير 2011 وسميت بالتاريخ ذاته، وظلت قوية في الشارع حتى الاستفتاء الدستوري والانتخابات البرلمانية مع نهاية 2011. حركة 20 فبراير أيًضا وكباقي حركات الاحتجاج في الوطن العربي، بدأت كفكرة من خلال موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قبل أن تنطلق على أرض الواقع، وتنجح في أن تكون حركة ضغط قوية، اضطر معها النظام الحاكم إلى الاستجابة سريعًا بدستور جديد وانتخابات برلمانية مبكرة. نجاح الحركة في التأثير والضغط والانتقال من الافتراضي إلى الواقعي، سيجعل من فيسبوك محطة فيما سيلي مرحلة حركة 20 فبراير للتأثير في عدد من المواضيع ذات الطابع السياسي والاجتماعي، وإجبار السلطة عن تغيير سياسة ما أو التراجع عن أخرى وتصحيحها كما سنتناول في الفقرات التالية.

قضية العفو عن مغتصب الأطفال الإسباني

قضية العفو الملكي عن مغتصب الأطفال، والتي تعرف أيضًا بفضيحة العفو أو فضيحة دانييل، هي قضية هزت الرأي العام المغربي، في أغسطس/ آب سنة 2013. إذ استفاد مواطن إسباني، محكوم عليه بالسجن ثلاثين سنة إثر اغتصابه لعدد من الأطفال المغاربة، من عفو ملكي وأطلق سراحه ليغادر نحو إسبانيا. المعلومات والأسماء المستفيدة من العفو الملكي تكون عادة غير معلومة للعموم ولا يخرج بشأنها أي تفصيل عدا عدد المستفيدين منه. غير أن معلومة سلمت لموقع إخباري مغربي حول “كالفان” تم نشرها، لتثير موجة غضب واحتجاج، انطلقت من موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، بعد تأسيس صفحة احتجاجية بعنوان “لا_للعفو_عن_مغتصب_الأطفال”، والتي حصلت على أكثر من 100 ألف مؤيد خلال يومين فقط. موجة غضب انتقلت إلى أرض الواقع بعد إعلان خروج وقفات احتجاجية في عدد من المدن المغربية في اليومين التاليين، كان أكبرها التي خرجت في الرباط والدار البيضاء وتعرضت لهجوم أمني عنيف.

Untitled

كالفان بعد إعادة القبض عليه

 

خروج المظاهرات جعل من القصر الملكي يتفاعل بإصدار بيانات نافية وموضحة، وهي من المرات القليلة التي كان فيها التواصل سريعًا لهذه الدرجة. كما قام الملك محمد السادس بالتراجع عن العفو الذي أصدره في بيان اعتبر شبه اعتذار للشعب المغربي، وأمر بإقالة حفيظ بنهاشم المندوب العام لإدارة السجون، وفتح تحقيق في الحادثة وما تلاها من قمع للمظاهرات. أمور ما كانت لتعرف ولا لتحصل لولا وجود موقع إلكتروني ينتمي إلى جيل الإعلام البديل، ولولا وجود شبكة فيسبوك التي أتاحت للمواطنين حيزًا للتعبير عن غضبهم والتنسيق للخروج في احتجاجات أثمرت إلغاء العفو، والقبض من جديد على مغتصب الأطفال ليكمل مدة حكمه في السجون الإسبانية.

المدونة الرقمية والتضييق على حرية الإنترنت

أصدرت الحكومة المغربية في ديسمبر/ كانون الأول، مشروع قانون لتنظيم المحتوى الإلكتروني على الإنترنت، يخص المواقع والمدونات وشبكات التواصل التي تعمل من داخل المغرب. مشروع القانون والذي نشر على الموقع الإلكتروني للأمانة العامة للحكومة كان من المرتقب الدفع به للتصويت في البرلمان قبل إقراره كقانون وخروجه لحيز الوجود والتطبيق.

Untitled

صورة من صفحة العصيان الإلكتروني بفيسبوك

 

مشروع المدونة ولتضمنه عدد من البنود التي اعتبرها نشطاء “الويب” تضييقًا على حرية الرأي والتعبير، وحرية تداول المعلومات والتي شملت عقوبات حبسية وغرامات مالية تعجيزية، جعلهم يؤسسون ولمرة جديدة صحفة على موقع فيسبوك تحت عنوان “لا للمدونة الرقمية #عصيان_إلكتروني”، الصفحة رفعت من المنضمين إليها بأعداد قياسية في مدة زمنية قصيرة. مما جعل الحكومة تتراجع عن تقديم المدونة إلى البرلمان وتسحبها من الموقع الرسمي للأمانة العامة للحكومة، بدعوى إعادة مراجعتها وفتح نقاش عمومي مع الفاعلين قبل تقديمها مرة أخرى إلى البرلمان، الشيء الذي لم يحصل فيما بعد، لتطوى صفحتها بشكل نهائي. وتثبت مرة أخرى قوة المواقع الاجتماعية على التأثير والتغيير في السياسات الحكومية والانتقال من مجال عام افتراضي إلى تأثير واقعي.

أثبت الانتفاضات العربية، إذن، وعدد من الأحداث في كثير من البلدان العربية بما فيها المغرب، قوة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها فيسبوك، وقدرتها في التغيير أو الدفع نحو التغيير. غير أن دورها يتوقف عند حد التأثير والتعبير والاحتجاج، في وقت يتطلب فيه التغيير عملًا مستمرًا وفعالية سياسية واقتصادية وقانونية، تتطلب مختصين وخبراء.

كما أن قوة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي لا تكون فاعلة في كل الحالات، بل يذهب البعض إلى القول بأن قوة تأثيرها بدأت تقل مع قدرة السلطات والأنظمة الحاكمة على التأقلم معها، وفهمها بشكل يسهل عليها التعامل بنفس استراتيجيتها. فعدد كبير من المحتجين يقتلون ويسجنون اليوم بعد موجات الثورات المضادة، ولا تستطيع هذه الوسائل التأثير في إعادة حقوقهم ومحاسبة المسؤولين. فوسائل الاتصال الاجتماعية اليوم، ومعها كافة منصات الإعلام الجديد هي لا تعدو أن تكون أداة لإيصال الرسالة، فيما يتطلب التغيير عملًا حركيًّا وسياسيًّا على مستويات أخرى وباستعمال أدوات جديدة أكثر فاعلية.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد