ويكون هذا الاقتراع السري عن طريق بطاقات التصويت التي تُوزَّع على الناخبين على أبواب اللجان الانتخابية، ليقف كلٌّ منهم خلف ساتر؛ ليختار من يشاء من المرشحين الموجودين بكامل إرادته الشخصية.

في العادة، وفي أغلب دول العالم، تأتي الانتخابات؛ سواء كانت انتخابات تشريعية/برلمانية، أو رئاسية أو محلية، أو غيرها، بصفةٍ دورية كل فترة زمنية محددة. ويتنافس في الانتخابات عددٌ من المرشحين؛ ليتم اختيار واحد أو مجموعة منهم؛ لتمثل البرلمان أو الرئاسة، وغالبًا يشارك فيها جميع المواطنين الراشدين كاملي الأهلية، والقادرين على اتخاذ قراراتهم بنفسهم وبطريقة عقلانية، وتتم هذه الانتخابات عن طريق الاقتراع السري المباشر في معظم الوقت، ويكون هذا الاقتراع السري عن طريق بطاقات التصويت التي تُوزَّع على الناخبين على أبواب اللجان الانتخابية، ليقف كلٌّ منهم خلف ساتر؛ ليختار من يشاء من المرشحين الموجودين بكامل إرادته الشخصية. ولكن! هل حقًا يختار الناخبون من يريدون التصويت له؟ هل هناك عوامل تؤثر على قرار اختيارهم أو تصويتهم لمرشح معين؟ هل البرنامج والوعود الانتخابية هي الشرط الوحيد الذي يُوجِّه سلوك الناخب تجاه التصويت لمرشح معين؟ هذا التقرير الذي يقدمه لك ساسة بوست يقدم إجاباتٍ لهذه الأسئلة.

نظريَّة «السلوك التصويتي»

نشأت نظريَّات السلوك التصويتي للناخبين كجزء من نظريَّات السلوك السياسي، والتي تقوم بقياس وتفسير سلوك الناخبين، وكيفية وأسباب صنع القرارات من قبل النخبة السياسية وصانعي القرار في الدولة، بالإضافة إلى تفسير الآراء السياسية للمواطن والأيديولوجيا ومستويات المشاركة السياسية.

وتعتمد نظرية السلوك التصويتي على العلوم السياسية وعلم النفس مجتمعين؛ لينتج أحد أشهر العلوم البينية المعروفة، وهو ما يسمى «علم النفس السياسي»، والذي ظهر لأول مرة في أوروبا الغربية خلال الحرب الفرنسية البروسية عن طريق عالم الأنثروبولوجي الألماني أدولف باستيان في كتابه «رجل في التاريخ» عام 1860، ولكن من أشهر المُنظِّرين في هذه النظرية هما النمساوي «سيجموند فرويد»، والألماني «تيودور أدورنو».

ويرى المتخصصون في علم النفس السياسي أن العلاقة بين السياسة وعلم النفس ثنائية الاتجاه؛ حيث يستخدم علم النفس كمرآة لفهم السياسة، وكذلك تستخدم السياسة كمرآة لعلم النفس. وتتعدد تخصصات هذا العلم، حيث إنه يبحث ويأخذ في مادته عددًا من العلوم والتخصصات الآخرى، مثل علم الإنسان، وعلم الاجتماع، والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والفلسفة، والإعلام والصحافة، بالإضافة إلى التاريخ.

العوامل التي تؤثر على سلوك الناخبين في التصويت واختيار المرشحين

لا تعتبر الوعود الانتخابية والبرامج الانتخابية للمرشحين هي السبب الوحيد الذي يخذه الناخب في الاعتبار من أجل اختيار مرشَّح معين للتصويت له في الانتخابات، وإنما هناك عدَّة عوامل تؤثر على عملية تصويت الناخب، ربما يكون على علم ودراية بها، وربما يفكر فيها دون أن يشعر أنها تؤثر على عملية تصويته.

1- التنشئة الاجتماعية: الأسرة والمدرسة/الجامعة

التنشئة الاجتماعية هي «العملية التي يكتسب الأشخاص من خلالها المعرفة والعادات والتوجهات القيمية لتي تفيد في المستقبل»، وتكون مصادر التنئشة الاجتماعية غالبًا ثلاثة مصادر؛ الأسرة، المدرسة/الجامعة والأصدقاء. وتعتبر الأسرة من العوامل المؤثرة تأثيرًا طويل المدى على التوجُّه السياسي للناخبين، وبالتالي على السلوك التصويتي لهم. ويميل الأطفال إلى اعتناق القيم الأيديولوجية والأفكار التي يؤمن بها آباؤهم، ففي هذه الحالة لا يعطي الناخب وقتًا لنفسه ليفكر في المرشحين المتاحين ليختار منهم واحدًا بإرادته، وإنما فقط يتبع إرادة والديه، ولذلك تعتبر الاسرة هي العامل الأقوى والأكثر تأثيرًا على مدى الحياة.

أمَّا المدرسة/الجامعة فهي أحد أهم العوامل المؤثرة بعد تأثير الأسرة؛ حيث يقضي الأطفال ما يقرب من 25% من وقتهم منخرطين في العملية التعليمية مع مدرسيهم أو أساتذتهم في الجامعة، وهي المرحلة التي تشكل التوجه السياسي والفكري غالبًا، وهو ما يؤثر على عملية التصويت لاحقًا أثناء التصويت في الانتخابات
101616_1222_101.png

2- العمر

من الجدير بالذكر أن فئة الشباب والطلاب تشكل نسبة كبيرة من نسبة المواطنين المسموح لهم بالمشاركة في التصويت، حيث أجريت دراسة عام 2004 على 1202 طالب جامعي في الولايات المتحدة، وتبين أنه يوجد 87% منهم مسجلون للتصويت في الانتخابات، أي أنه أكثر من ثلاثة أرباع الطلبة الجامعيين غالبًا مسموح لهم بالمشاركة في الانتخابات، وبالتالي التأثير في مسارها عبر أصواتهم؛ فمثلًا في بريطانيا.. يميل الشباب إلى التصويت لصالح حزب العمال البريطاني، بينما يميل الشيوخ أو الأكبر سنًا للتصويت لحزب المحافظين البريطاني.

3-المستوى الاقتصادي والاجتماعي

ويقصد بها الخلفية الاقتصادية التي يقطن فيها الناخب؛ وتشمل عمله، والمنطقة التي يسكن فيها، والطَّبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، حيث إن هناك ما يسمى بالتصويت الطبقي أو Class vote، حيث تختار طبقة/فئة معينة من المجتمع مرشحًا بعينه ليتم انتخابه؛ ربما يكون ذلك للتقارب بينه وبينهم، أو ربما لوجود مصالح مشتركة بين الطرفين؛ أعضاء هذه الفئة والمرشح.

4-النظرية الاقتصادية للديمقراطية

وتفترض هذه النظرية أن الناخب هو شخص عاقل، كامل الأهلية، قادر على اتخاذ قرارات عقلانية بنفسه وحده، ولكن تم توجيه عدد من النقد لهذه النظرية؛ وذلك بسبب خطأ افتراض عقلانية جميع الناخبين مسبقًا.

5-التعريف الحزبي

ويقصد بها الحزب الذي ينتمي إليه الناخب، حيث إنه في دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، يتميَّز نظامها الحزبي بأنه نظام ثنائي الحزبية – يوجد أحزاب آخرى، ولكنها قليلة جدًا وضعيفة، ولا تستطيع المنافسة على السلطة – حيث إن جميع المواطنين في الدولة ينتمون إلى أيٍّ من الحزبين، حتى لو لم يكونوا أعضاءً رسميين في الحزب، ولكنهم ينتمون إليه.

ولكن يوجد نقد موجَّه إلى هذا العامل؛ حيث إنه بالرغم من انتماء جميع المواطنين/الناخبين إلى أحد الحزبين، إلا أنه ليس شرطًا أن يقوموا بالتصويت لمرشح هذا الحزب؛ وذلك نظرًا لوجود مصطلحين هامين؛ المصطلح الأول هو إعادة الانحياز – Realignment بحيث يقوم الفرد بتغيير انتمائه الحزبي في أي وقت؛ لينتمي إلى الحزب الآخر، ويحدث هذا الأمر كثيرًا في دول مثل الولايات المتحدة؛ وذلك نظرًا لعدم وجود انتماء قوي وثابت لأفكار حزب معين.

أمَّا المصطلح الثاني فهو عدم الانحياز – Dealignment بحيث لا يلتزم الناخب بأخذ آراء أي من مرشحي الأحزاب في الدولة، لينتخب شخصًا مستقلًا مثلًا.

6 –الانتخابات النصفية

الانتخابات النصفية هي انتخابات تجديد تتم لعدد من البرلمانات في العالم، مثل «الكونجرس» الأمريكي على سبيل المثال. وتؤثر الانتخابات النصفية على الناخب في الولايات المتحدة؛ لأن انتخابات التجديد للكونجرس الأمريكي تتم بعد كل نصف دورة من الفترة الرئاسية للرئيس الموجود، أي أنها تحدث كل عامين. فمثلًا إن فاز في انتخابات الكونجرس أغلبية من الحزب الجمهوري، فهذا سيؤثر على مسار الانتخابات الرئاسية القادمة، وهكذا.

7-العِرق/الجماعة الإثنية

ويقصد به الأصل أو الأقليات أو الجماعات المختلفة/الإثنية في المجتمع، حيث يضع الناخب في اعتباره الأصل الذي ينتمي إليه، ليبحث عن أفضل المرشحين الذي يراعي حقوقه كأحد المنتمين إلى الأقليات أو أصول مختلفة في الدولة، وذلك مثل الأمريكيين من أصل إفريقي في الولايات المتحدة على سبيل المثال.

8-الأحداث الجارية الهامة

تؤثِّر الأحداث الجارية على قرار الناخب في الفترة اللاحقة، فمثلما حدث من قبل في الولايات المتحدة الأمريكية في الانتخابات الرئاسية في مناسبتين مختلفتين؛ ففي عام 2003 عندما تم القبض على الرئيس العراقي السابق «صدام حسين»، كان ذلك حدثًا هامًا ساهم بشكل كبير في إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي جورش بوش لفترة رئاسية ثانية عام 2004. الأمر نفسه حدث مع الرئيس الحالي «باراك أوباما» عندما حدثت عملية استهداف ومقتل «أسامة بن لادن»، وهو الحدث الذي ساهم بشكل كبير في إعادة انتخابه مرة أخرى عام 2012.

9-الكوارث الطبيعية

حيث يهتم الناخب بالكوارث الطبيعية وما تسببه، مما قد يؤثر عليه بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، ولذلك يُفضِّل الناخب المرشح القادر على توفير بدائل وحلول وقت حدوث كوارث طبيعية في الدولة، فضلًا عن توفير السلام والأمن والقدرة على تقديم المساعدات العاجلة.

10-الدعاية والإعلام

وأخيرًا، وبالطبع هي الأداة التي تؤثر بشكلٍ كبير في الوقت الحالي على مسار أي انتخابات، وهي الدعاية الإعلامية والإعلام، وتؤثر أشكال الدعاية المختلفة على سلوك الناخب تجاه المرشحين، فضلًا عن إعلان شخصيات شهيرة محبوبة لدى الجماهير لدعم مرشح معين كنوع من الدعاية الانتخابية، مما قد يقود محبي هذه الشخصية إلى دعم المرشح نفسه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد