51,806

قبل 100 عام كانت خريطة شبه الجزيرة العربية تبدو مختلفةً كثيرًا عمّا هي عليه اليوم، فقبائل كبيرة كانت تقتتل فيما بينها، قبيلةٌ تحكم وقبيلة تُهجّر أو تُهاجر بمحض إرادتها بحثًا عن الرزق والحكم في أرضٍ أخرى. لم تكن السعودية ولا الإمارات ولا البحرين، وقطر التي صارت «عدوًا» للثلاث سابقات الذكر، لم تكن هذه الدول ولا الكويت أو سلطنة عُمان على ما هي عليه اليوم من حدود أو تصالحات أو تحالفات. اليوم، يبدو أن محورًا يُبنى ويُمتَّن بين الرياض – أبو ظبي في وجه الدوحة.

لكن هل هذا الحلف قائمٌ بالفعل أم أنه مجرَّد حلفٍ تفرضهُ الضرورة وهو إلى زوال؟ وما هي الأسباب التي قد تُؤدِّي إلى إفشاله وإضعافه؟ وما الخلافات القديمة المُتجددة التي ستكون حطبًا لنار تشتعل بين الدولتين حتى تحجبهما عن رؤية بعضهما البعض؟ في هذا التقرير نُحاول الإجابة عن كل ذلك.

مفاتيح اللعبة: «الإسكندر العربي» يكبرُ في الرياض

تقولُ بعض الإشاعات – أو التسريبات – إنّ ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» يُحبُّ أن يُنادى بلقب «الإسكندر» تشبهًا به، فهو شابٌ يُمسك بزمام سلطة كبيرة في مقتبل عمره كما كان الإسكندر المقدوني. لا تهُمُّ الإشاعة هنا، ما يُهم أنه كذلك بالفعل! فهو اليوم وليٌ للعهد وغدًا سيصيرُ ملكًا لدولة كبيرة كالسعوديّة.

من المُهم أن نتساءل: ما الذي دفع بالإمارات والسعودية – لأوّل مرة في تاريخهما – لتكوين تحالفٍ بينهما؟ للإجابة على هذا السؤال لنعد إلى مفاتيح اللعبة: ابن سلمان وابن زايد، وليّي العهد في السعودية والإمارات.

عبَّر محمد بن سلمان عن صعود جيل جديد في مملكة شائخة كالسعودية لم يحكمها من قبل إلا كبار الأسرة المالكة الذين لا يصل أحدهم إلى كرسي المُلْكِ إلا وقد أصابه من المرض والهرم ما يمنعه عن الوفاء بمتطلبات منصبه، هذه على الأقل وجهة نظر قادة الإمارات وعلى رأسهم محمد بن زايد، ففي وثيقة مسربة لويكيليكس من السفارة الأمريكية في الإمارات وَرَدَ التالي: «القيادة في أبو ظبي حريصة على عدم تفويت فرصة إخبار كبار المسؤولين الأمريكيين بأن السعودية يقودها كبار في السن عُدوانيّون ومُحاطون بمُستشارين يعتقدون أن الأرض مُسطحة».

لا تقفُ الأمور عند هذا الحد، فمحمد بن زايد لديه مشاكل شخصية مع أسرة الأمير نايف بن عبد العزيز، والد ولي العهد المُعفى من منصبه مؤخرًا – محمد بن نايف -، ونايف شخصيًا كان في يومٍ من الأيام وليًا للعهد حتى وفاته، أما المشكلة بينهما، فقد كان بن زايد خائفًا من نايف ونفوذه الأمني في المنطقة – وهو نفوذٌ ورثه ابنه عنه -، وعبَّر بن زايد عن تخوفه بقوله إنَّ 50%- 80% من جنوده قد يستجيبون «لنداءٍ قد يطلقه شيخٌ من شيوخِ مكة»، تبع خوفه الاستهزاء والسخرية إذ قال إنّ سلوك نايف يُؤكد له أن «داروين كانَ محقًا».

إذًا هل هذا ما دفع بمحمد بن زايد لتقوية علاقته بابن سلمان؟ رجل أكثر مرونة و«انفتاحًا» في تفكيره؟ وهو رجلٌ من عائلة جديدة لا يحمل خبرة أمنية كالتي يحملها نايف وابنه المعزول محمد، هل يمكن أن تفتح صفات محمد بن سلمان، كنقص خبرته وصغر عمره، بوابةً لمحمد بن زايد ليقوم بإقحامه في حروبٍ ومعارك خاسرة لا يستفيد منها الـ«إسكندر» وإنما يستفيدُ منها «ابن زايد»؟

(1) اليمن: ساحة خلفية للصراعات

من الممكن أن نعتبر اليمن ساحةً خلفيةً للصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط، فهي أرضٌ تقوم عليها – بشكل أقلّ من سوريا – حروبٌ بالوكالة وحروب مُباشرة تُنهكها من أجل مصالح الدول المُتقاتلة. انطلقت عاصفة الحزم في اليمن 25 مارس (آذار) 2015، كانت العملية بداية التدخُّل العسكريّ الخليجي في اليمن الذي استمر حتى يومنا هذا ضد الحوثيين الذين استولوا على صنعاء وبدؤوا هجومًا على عدن التي كانت تؤوي الرئيس هادي.

شاركت السعودية في البداية بثقلٍ عسكريٍّ كبير، وتبعها في تحالفها دول الخليج باستثناء سلطنة عُمان، وشاركت الأردن والمغرب ومصر كذلك، ولكنّ مشاركة هذه الدول كانت بالتأييد السياسي ثم بالتدخل الجوي، أما الإمارات فقد كانت الحليف الأكثف حضورًا فقد انضمت لاحقًا بلواءٍ عسكريٍّ كامل وبنفوذٍ أرضيٍّ قويٍّ في جنوب اليمن وعلى خطها الساحلي الذي لعبت دورًا رئيسيًا في الاستيلاء عليه، وتبعتها قطر بإرسال ألف جندي إلى اليمن.

لماذا تتدخّل الإمارات في اليمن؟

اليمن عنصرٌ مهم في المحيط الجيوستراتيجي للإمارات وأمنها القومي، ودفعها للمشاركة بقوة أكبر صواريخ سكود الباليستية التي أُطلقت على العاصمة السعودية الرياض من اليمن، عدا عن اقتراب الحوثيين الشديد – في لحظةٍ ما من الحرب – من الحدود السعودية الجنوبيّة.

يرى الباحث جورجو كافيرو وزميله داينال واغنر أنّ «الإمارات استثمرت بشكلٍ كثيفٍ في التسلُّح لحماية أجندتها الخارجية للتصدِّي للحركات الديمقراطية والإسلامية»، ويريان أنَّ هذا الانتشار الأرضيّ «للتأكيد على الإمارات بوصفها قوةً عسكرية عربية حازمة»، ثمَّ يذكران أنّ من النتائج التي ترجوها الإمارات – ودول الخليج عمومًا – هي تشتيت الأنظار الداخلية عن غياب الديمقراطية، ومحاولة لتعزيز القومية والوطنيّة داخل هذه الدول.

هذه الأسباب ليست كافية ولا مُبرّرة لتدخلٍّ كبير كالذي حدث في اليمن، أيُّ بحثٍ سريع عن المصالح الإماراتية في اليمن يُحيلنا فورًا إلى المضائق المائية والموانئ البحرية، المُحرك الأول والأساسي لكثير من التحركات الإماراتية.

1- ساحل اليمن الجنوبي: ميناء عدن

لعبت القوات الإماراتية دورًا هامًا في جنوب اليمن، فلم تكتفِ بتواجدها هناك وإنما بدأت تُموّل وتدرّب ميليشيات تُحسب على المعارضة اليمنيّة، وأهمها وأبرزها قوات الحزام الأمني، التي تُدرّب – رسميًا – برعاية الإمارات.

منعت قوَّات إماراتية طائرة الرئيس اليمني هادي من النزول في مطار عدن، وقاتلت حرسه الرئاسي، كانت هذه الحادثة علامةً مُثيرة لكثير من الشكوك والتساؤل حول الدور الإماراتي في اليمن، الذي يبدو أنه تجاوز حدوده بطريقة دفعت بالرئيس اليمني ليقول إن «محمد بن زايد يتصرف كمُحتلٍّ لليمن وليس كأحد محرريها»، بل تعدى ذلك إلى التصريح باتهام الإمارات بسعيها لتقسيم اليمن في محاولة للحفاظ على وجودٍ دائم هناك، ونفوذٍ أكبر في منطقة الخليج.

عملت الإمارات في جنوب اليمن على تحرير خط الساحل من أي قوّة أخرى غير إماراتية بهدف السيطرة على ميناء عدن، الذي كانت تُسيطر عليه – سابقًا – شركة «موانئ دبي» التابعة لإمارة دبي، إذ حصلت على عقد وُقّع عام 2008 في عهد الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، يسمح العقد بإدارة ميناء عدن، مدة العقد طويلة جدًا تصل إلى 100 عام، لم يكن التنازل عن إدارة أهم الموانئ اليمنية والعالمية هو المشكلة الوحيدة، ولكن زاد الطين بلة عدم التزام الإمارات ببنود الاتفاق – الذي تفوح منه رائحة الفساد – التي ينص بعضها على تطوير الميناء وزيادة قدرته الاستيعابية، الأمر الذي حصل نقيضه تمامًا حيث اهترأت أدوات ومرافق الميناء، ورافق ذلك رفع أسعار خدمات الميناء 80% مما حفّز على الذهاب إلى الموانئ الأخرى المُجاورة بدًلا من ميناء عدن، وأهمّ الموانئ المجاورة هي الموانئ الإماراتية، ولكن، بعد فوز الرئيس هادي في الانتخابات عام 2012 قام بإلغاء العقد لعدم التزام الإمارات.

اليوم تعود الإمارات إلى عدن ومينائها بالقوة، «وإن كان التدخل الإماراتي يسعى لتثبيت صورة دولة قوية قادرة على حماية نفسها، إلا أنه بشكل أساسي لتثبيت الأوضاع الراهنة من استقرار سياسي وازدهار اقتصادي للإمارات، ولو كان على حساب هدم ديمقراطيات أخرى»، أو حتى لو كانت الفاتورة تقسيم اليمن إلى جنوب وشمال.

الحرب المدنيّة في اليمن «صراعاتٌ تحوي صراعات»، بين اليمنيين ضد بعضهم البعض، وبينهم وبين الداخلين الجدد، وبين الداخلين الجدد أنفسهم، قد يُبرر هذا ما قالته وكالة رويترز للأنباء بأنّ «الوحدة في اليمن بعيدة المنال».

دخول الإمارات في اليمن قويّ بطريقة يصعبُ الرجوع عنها، فقد درّبت الإمارات 11 ألف مقاتل من حضرموت و14 ألفًا آخرين من عدن وثلاث محافظات أخرى، وفقًا لرويترز. ويعمل هؤلاء المُقاتلون برواتب مدفوعة إماراتيًا.

2- ساحل اليمن الغربي: مضيق باب المندب

تتعاظم أهمية الساحل الجنوبي إذا اتصلَ بالساحل الغربي تحت قبضة واحدة. وسبب هذه الأهمية الكبرى هو مضيق باب المندب، الذي يفصل الجزء الغربي من السعوديّة عن خليج العرب (في الجنوب)، ويفتح الباب لموانئ غرب السعودية وشرق مصر للنفاذ إلى إفريقيا حتى وسطها وجنوبها ومن هناك إلى العالم، ومن المهم أن نذكر أن باب المندب يُشرف على أحد أهم خطوط الإمداد للغاز والنفط في العالم، لتصديرهما نحو أوروبا وأمريكا الشمالية.

في مطلع 2017، أُعلن البدء بعملية بحريّة واسعة النطاق لتأمين الساحل الغربي اليمني كاملًا، والذي يصل طوله إلى أكثر من 500 كم، استطاعت عملية «الرمح الذهبي» أن تطبق سيطرتها حتى الآن على أكثر من نصف الساحل الغربي، واستمرت العملية بسرعة كبيرة تحت إدارة إماراتية بشكل رئيس.

مع قوّة إيرانية مبسوطة على مضيق هرمز تأكّد لدوائر الحكم في الرياض أن أي مواجهة قادمة مع إيران ستكون بثمن باهظ جدًا؛ تدخلٌ وتأثير على مرور النفط السعودي من خلال مضيق هرمز، ما يعني إضرارًا مباشرًا بأحد أهم مصادر الدخل السعودي وأقواها.

لذا لا بد للسعودية من أن تتجه لمنافذ أخرى، وأقربها لها وأهمها مضيق باب المندب، ولكن مرةً أخرى، ستجدُ الرياض أن أبو ظبي سبقتها إلى باب المندب بقواتها المنتشرة على طول السواحل اليمنية. هل يمكن للسعودية أن تتجاهل ثغرة خطيرة كهذه؟ نعم! لفترة من الزمن، ولكن ماذا عن موقفها عند وقوع أيّة أزمة في مضيق هرمز؟ حينئذ ستكون السعودية قد سهّلت لإيران الحصول على ورقة ضغط خطيرة مُقدمة على طبق من ذهب.

هذا يُفسّر الدعم السعودي الكبير للرئيس اليمني ولحكومته، فالسعودية وهادي كلاهما ضد انفصال شمال اليمن عن جنوبه الذي تكبّدت الإمارات قوات عسكرية وأموالًا ضخمة للسيطرة عليه إما بفصله أو بأيّ طريقة أخرى.

(2) العلاقات مع «الفزاعة» إيران

إذا لم تستوعب السعودية الإمارات جيدًا فما الخيار الذي ستتجه له الإمارات بعد السعودية؟ إذا لم تكن قطر – العدو حاليًا على الأقل – فمن في الخليج ومحيطه؟ إيران، الجارة «مشبوهة العلاقات». في الأزمة الأخيرة مع قطر، كالت قنوات عربيّة تبثُّ من أبو ظبي ودبي تكيل التهم لقطر بوجود علاقات متينة لها مع إيران، وأنّ قطر هي بوابة إيران للخليج بأسره، إلى أي حدّ تَصْدُقُ هذه الاتهامات؟

في التحليل السياسي هنالك قاعدة هامة لفهم قوة علاقة بين بلدين: ما مستوى التبادل التجاري بينهما؟ عندما نسعى لتطبيق هذه القاعدة على دول الخليج وعلاقاتها بإيران نجد الإمارات، دونَ منازع أبدًا، هي الدولة الأوثق اقتصاديًا ودبلوماسيًا بإيران.

نمو العلاقات التجارية

تنامى التبادل التجاري بشكلٍ كبير بين البلدين منذ عام 2006، واستمر النمو التجاري حتى صارت الإمارات ثاني أكثر بلد تُصدُّر له إيران بضاعتها، إذ يأخذ السوق الإماراتي 17% من الصادرات الإيرانية.

يُسهّل الموقع الجغرافي للإمارات وإيران تنقل البشر ونقل البضائع والتبادل التجاري، إذ يتقابل ساحل كلتا الدولتين ويتقاربان جغرافيًا. أما الميناء الذي يلعب دورًا نشطًا في التبادل التجاري بين الدولتين فهو ميناء جبل علي، أكبر ميناء بحريٍ في الشرق الأوسط، وهو الميناء الأكثر نشاطًا للسفن الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم ويحوي قاعدةً بحرية أمريكية. تستحوذ الإمارات على 90% من تبادل إيران التجاري مع كافة دول الخليج، ومع أخذ ما ذكرناه في الأعلى بعين الاعتبار يصبح من السهل علينا تفسير هذا الاستحواذ الكبير للإمارات على التبادل الخليجي مع إيران.

قُدّر التبادل التجاري بين البلدين بـ16 مليار دولار عام 2016 وفقًا لوزارة الاقتصاد الإيرانية، فما القاعدة البشرية التي تتواجد على الأرض وتسيّر عمليات التبادل التجاري الكبيرة هذه؟ عامَ 2015 قُدّر عدد الإيرانيين المقيمين في دبي بـ400 ألف إيراني، وبعد ذلك بعامين وصل العدد إلى نصف مليون إيرانيّ في كل الإمارات.

ميناء جبل علي في دبي، أكبر ميناء في الشرق الأوسط.

العلاقات السياسية والدبلوماسية

في 2 يناير (كانون الثاني) 2016 تم إعدام نمر النمر، وهو عالمٌ شيعي سعودي، وجّه انتقادات للنظام الحاكم في السعودية و«فساده وسوء معاملته للشيعة» في السعودية، وعلى إثر إعدامه هجمت جموع من المواطنين الإيرانيين على السفارة السعودية في إيران وأحرقوا جزءًا منها وهجموا كذلك على القنصلية السعوديّة في مشهد، فسحبت السعودية بعثتها الدبلوماسية، وأثارت هذه الأحداث التوتر السياسي بين إيران والسعودية. ألقى هذا التوتر بظله على علاقات دول أخرى بإيران، إذ قامت السودان والبحرين وجيبوتي وجزر القمر والصومال بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران. ما موقع الإمارات من هذا المشهد؟ قامت بتخفيض التمثيل الدبلوماسي، ولكن ما الضرر الحقيقي المُترتب على تخفيضه إذا استمر التبادل التجاري؟

من التظاهرات أمام السفارة السعودية في طهران، إيران.

علاقات إيرانية إماراتية وثيقة كهذه تُزعج السعوديّة، وهي الدولة التي تُعادي وتنتقد إيران في كلّ المحافل الدولية. وعلى الرغم من قوّة العلاقات الإيرانية الإماراتية على المستوى الاقتصادي تحديدًا إلا أنّ الأفعال والتصريحات الإماراتية تُشير إلى انقسامٍ داخليٍّ في مركز صنع القرار الإماراتي، ففي وثيقة ويكيليكس مُسرّبة كتبها السفير الأمريكي في الإمارات، تحدّث محمد بن زايد عن قلقه الشديد من إيران، ورفضه لسياسة الاحتواء بدلًا من القوة التي تنتهجها قطر وعُمان، وقال إن «منطق الحرب هو المنطق المُسيطر على المنطقة»، أمّا السياسة التي يؤيدها محمد بن زايد، ولي العهد وأمير أبو ظبي، فيعمل بعكسها تمامًا محمد بن راشد حاكم إمارة دبي، الذي يستقطب في إمارته رجال أعمال وشركات إيرانية كما ذكرنا في الأعلى، وقد أشار السفير الأمريكي لهذه الملاحظة بوضوح شديد في وثيقته. رغم الحالة المتوترة في اليمن والتي ترفضها إيران، إلا أن العلاقات الاقتصادية مستمرّة على أشدّها.

اقرأ أيضًا: كيف استخدمت السعودية والإمارات «الفزاعة الإيرانية» لتبرير التقارب مع إسرائيل؟

لهوٌ عشوائيّ في سوريا

في يوليو (تموز) 2015، ذكرت صحيفة تايمز أن لقاءً بين محمد بن سلمان والجنرال علي مملوك، مسؤول مكتب الأمن القومي السوري، في جدة، مُتحدثَين عن القضية السورية و«الحرب الأهلية الحاصلة» وما وجهة نظر كلتا الدولتين عنها، وتدّعي بعض الصحف الموالية لحزب الله أن محمد بن سلمان يرى المشكلة مع النظام السوري في اتخاذه لإيران حليفًا، وأنه مستعد للتعاطي مع النظام السوري في حال تخليه عن علاقاته مع إيران.

على صعيد آخر، محمد بن سلمان هو أكثر سياسي سعودي يُهاجم إيران في تصريحاته ولقاءاته الإعلامية، وقد وصل به الأمر لتصريح ناري يقول فيه إن السعودية ستعمل على «نقل المعركة» إلى داخل إيران، – وهو ليس بالأمر الصعب إذ توجد منظمات تمردية في إيران يُشتبه في حصولها على تمويل سعودي – (لمزيد من التفاصيل هُنا) كل هذا يُعطي دلالاتٍ وإشاراتٍ واضحة على أنّ إيران هي «الشيطان الأكبر» في العقل السياسي لابن سلمان، ومن الواضح أن الإمارات لا تحمل هذا التصوّر عن إيران، فهل سيؤدي هذا لضغط سعودي أو حتى قرارات مُفاجئة في ساعات الفجر الأولى ضد الإمارات لتتخلى عن جارتها وصديقتها الاقتصادية إيران؟

(3) حروبٌ قديمة: الحدود والمصالح

السعودية هي الدولة الأكبر والأثقل في الخليج العربي، وتسعى كأيّ دولة لتوسيع نفوذها الاستراتيجي في المنطقة، واللاعب الثاني من بعدها في الخليج هو الإمارات. في وثيقة مُسرّبة للسفارة الأمريكية في دُبي نشرها موقع ويكيليكس ذكرَ محمد بن زايد – الحاكم الفعلي للإمارات – أنّ «السعوديين ليسوا أصدقائي الأعزاء، ولكن لا بد من التفاهم معهم»، وجاءت عبارته هذه بعد تذكير الأمريكيين بأن الإمارات خاضت 57 معركة مع السعودية خلال الـ250 عامًا المُنقضية.

عندما رفع الاستعمار البريطاني يده عن الدول الخليجية: البحرين، والإمارات، وقطر، والكويت، كانت عملية ترسيم الحدود في حاجة لمزيدٍ من التحديد والدقة، ففي بعض الأحيان عُيّنت الحدود بمعالم غير ثابتة أدّى زوالها إلى حدوث مشاكل على هذه الحدود.

للسعودية حظُّ الأسد من شبه الجزيرة، ولخلافاتها الحدودية مع الإمارات وقطر بعدٌ تاريخي قديم جدًا، فقد كان للدولة السعودية الأولى نفوذٌ مبسوطٌ على أجزاء من الإمارات وقطر وبقيّة دول الخليج، كان الخلاف حادًا وقويًا مع الإمارات لأنّ المناطق غير المُحددة بين السعودية وجارتها مناطق حساسّة وحيويّة لكلتا الدولتين وأمنهما القومي، بالإضافة لأمن قطر القومي.

بعد تحوّل الإمارات لدولة مُستقلة بقيادة الشيخ زايد آل نهيان طُرحت قضية ترسيم الحدود مع السعوديّة، وبدأت المفاوضات بين البلدين، ويرى الإماراتيون أن موقف الإمارات كان ضعيفًا حينها لأنه كان في الفترة المُباشرة لما بعد الاستقلال وفي مرحلة التأسيس الحقيقي. على أيّة حال، انتهت القضيّة بتوقيع اتفاقية جدّة 1974.

نتائج الاتفاق لا تبدو عادلة كثيرًا، إذ نصّ الاتفاق على التالي:

1- حقل الشيبة وما حوله

– يكون حقل الشيبة بأكمله خاضعًا للسيادة السعوديّة، وتُمنع الإمارات وأي شركة مُفوَّضة إماراتيًا من الاستفادة من ثروات الحقل، ويحقّ فقط للسعودية وشركاتها الاستفادة من الثروات الموجودة فيه.

حقل الشيبة حقلٌ نفطي يبعد عن الحدود البريّة لأبو ظبي 10 كم في صحراء الربع «الغالي» كما يحلو لشركة أرامكو السعودية أن تسمّيها، اكتُشف الحقل عام 1968.

لمَ هذا النزاع حول الحقل؟ الأرقام تُجيب: المخزون الثابت للحقل يصل إلى 14.3 تريليون برميل نفط، و25 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وكذلك يُنتج الحقل مليون برميل يوميًا، وفقًا لأرامكو. حقل الشيبة تجسيدٌ كامل لكلمة «ثروة»، وهي ثروة قادرة على سد نفقات واسعة وكبيرة لكلتا الدولتين، واحتياطٌ أمني مهم لأي من الدولتين في مجال الطاقة، ولكن الاتفاق الذي وُقّع عليه لم يكن اتفاقًا عادلًا – كما يرى الإماراتيون – مما يعني أنه سيُثار – وقد أثير لاحقًا – وسيدعو الطرف الإماراتي جاره السعودي لإعادة التفاوض حول الحقل وأرباحه والسلطات التي يحق لإحدى الدولتين أن تفرضها على الحقل، ولكن متى؟ ككثير من الأوراق السياسية، تُخبَّأ «لوقت الحاجة».

2- الحدود البحرية

– تُقرّ الإمارات بسيادة السعوديّة على جزيرة الحويصات، وتُقرّ السعودية بالمقابل بسيادة الإمارات على باقي الجزر المُقابلة للحويصات، بشرط السماح للسعودية بإقامة منشآت عامة على جزيرتي القفاي والمكاسب. لكنّ هذه القرارات والاتفاقيات لم تكن واضحة الترسيم تمامًا، ولذا ما زالت الحدود المائية لكلتا الدولتين غير واضحة تمامًا مما أدى عام 2005 إلى اشتباك مسلح بين زورقين تابعين لحرس الحدود الإماراتي مع آخر لحرس الحدود البحري السعودي. وقد وُقعت الاتفاقية عام 1974 بين البلدين، واعتمدته السعوديّة بشكل رسمي – وفقًا للأمم المتحدة – عام 1993.

حاولت الإمارات سابقًا بناء جسر بري مع قطر قُوبل بالرفض من السعوديّة التي تُصرّ على عدم وجود حدود برية بين قطر والإمارات، ورأت كذلك أن الجسر البري هذا سيمرُ فوق المياه الإقليمية السعوديّة وهذا ما لا تُوافق عليه السعوديّة. وما زالت الحدود البرية بين الإمارات وقطر مفصولةً بالسعودية، حيث تسيطر على لسان خور العديد الرملي الذي أثير خلاف طويل عليه، وهو اللسان الذي يفصل بين الإمارات وقطر بريًا.

لم تقف الإمارات مكتوفة الأيدي أمام هذا الاتفاق، فبعد وفاة مؤسس الإمارات الشيخ زايد، بدأ أبناؤه من بعده بنبش أوراق الاتفاق الذي يرون أنه لم يكن عادلًا وأنه وُقّع في ظرفٍ خاص كانت تمرّ به الإمارات (ظرف الاستقلال)، وجرت عام 2005 مفاوضات لتعديل الوثيقة «تعديلاتٍ جوهرية» كما قال وزير الخارجية الإماراتي حينها، حمدان بن زايد، وأضاف أن الاتفاقية لم تعد قابلة للتطبيق. وعلى الطرف السعودي المُستفيد كانت التصريحات مُتناقضة، فقد قال وزير الخارجية السعودي حينها سعود الفيصل إن البلدين يعملان على تسوية «جزئية فنية بسيطة تتعلق بالممر المائي».

تأتي أهميّة هذا الممر ومنطقة خور العديد المائية ككل لكونها بوابة مُباشرة على قطر، وخطوة أخرى تُساعد الإمارات في سعيها للهيمنة على المسطحات المائية التي يُشرف عليها الخليج ككلّ. بالإضافة لهذه المناطق المائية، للإمارات أيدٍ نافذة في مناطق أخرى للهيمنة على بحر العرب وخليج عدن.

لأيّ مدى قد يستمرّ الحلف؟

تملك إيران سلطةً كبيرة على مضيق هُرمز، وهو المضيق الذي يفصل قطر والبحرين والكويت والإمارات عن المنافذ البحرية العالميّة، وإيران لا تملك غيره سوى بحر قزوين غير المفتوح على المحيطات، ولذا فإن مضيق هرمز يهدد الأمن القومي لهذه الدول كافة، ويُهدد اقتصاداتها بشكل مباشر وحاد، إذ يمرّ في المضيق في ساعات الذروة سفينة كل ست دقائق، وتمرُ من المضيق حاملات نفطية عملاقة وكثيرة يُسبب توقف إمدادها أذى لاقتصادات دول عدّة حول العالم.

تضغط إيران في كل أزمة تمرّ بإغلاق المضيق، وقد حصل هذا في حربها مع العراق وفي حرب الخليج وعام 2008، مرة أخرى؛ إغلاق المضيق يعني شللًا في سوق النفط العالميّة، وعلى الرغم من كثرة تهديداتها إلا أن واحدًا منها لم يُنفّذ، يقول بعض الخبراء إن إيران لا تستطيع إغلاقه في وجه العالم، لأنه منفذها البحري الأهم للتصدير والاستيراد، وإغلاقه يعني التضييق على الاقتصاد الإيراني الذي لا يصله بالصين – الدولة رقم واحد في الاقتصاد الإيراني – سوى المضيق. بدلًا من إغلاق المضيق قد تعمد إيران إلى مُصادرة بعض السفن (وقد حصل) والتضييق عليها وإبطاء عملها. وقد حصل شد وجذب في منطقة المضيق بين القوات البحرية الأمريكية وبين القوات الإيرانية، وللدولتين محطات ومراكز عسكريّة مُوزعة بكثرة على طول الضفتين.

لنقم بإعادة ترتيب الصورة: توافق بين الإمارات وإيران عدو السعودية في المناطق المائية المشتركة (بعيدًا عن الجُزر الثلاث المُحتلة التي ابتلعتها العلاقات الاقتصادية)، بالإضافة لسيطرة إماراتية على بحر العرب وخليج عدن من خلال موانئ اليمن الجنوبية، مع السيطرة الواسعة على الساحل الغربي لليمن، وسيطرة شبه كاملة على مضيق باب المندب الذي تحتاجه السعودية لتأمين خطوط صادراتها النفطية، وميناء يعمل لصالح الإمارات بالقرب من قناة السويس في مصر، وخمسة موانئ أخرى على طول الساحل الشرقي لإفريقيا، كل هذا يعني سيطرة شبه كاملة على مياه الخليج العربي، بالقوّة المسلّحة أو بالقانون والعقود التجاريّة، وستشكّل بلا أدنى شك هاجسًا وتهديدًا خطيرًا للسعوديّة، فهل تظهر دخان نار خلافًا من وراء الحلف الحالي، أم ستُدار اتفاقات وتنازلات؟ هذا ما سنعرف جوابه في المستقبل، وإلى أيّ حد تُعد هذه الحرب الكبيرة التي خاضها ابن سلمان مُجدية ونافعة للسعودية؟

تعليقات الفيسبوك