«شخص رائع» (a fantastic guy) بهذه الكلمة عبر دونالد ترامب عن رأيه في الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عقب اللقاء الذي جمع الرجلين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كان ترامب حينها لا يزال مرشحًا يخوض سباق الرئاسة المحتدم مع هيلاري كلينتون، وقد كان هذا هو اللقاء الثاني لترامب مع زعيم أجنبي بعد لقائه الرئيس المكسيكي.

تمادي ترامب يومها في إطرائه علي السيسي، فأكد أن هناك «كيمياء جيدة»، يتشاركها مع السيسي، يعني بذلك استلطافًا متبادلًا بين الرجلين، وقد أعلن مسؤولو حملته أن ذلك اللقاء قد شهد إعراب ترامب عن تقديره « للمسلمين المسالمين» واصفًا العلاقات الأمريكية المصرية بـ«الفاعلة لنشر السلام والاستقرار في الشرق الأوسط»، وقد جاء ذلك بعد يوم واحد من تأكيد الرئيس المصري للإعلام أنه «ليس لديه شك في أن ترامب سيكون رئيسًا قويًا».

كان ذلك اللقاء، وما تبعه من احتفاء إعلامي مصري غير اعتيادي، مناسبة لتسليط الضوء علي الآمال العريضة التي يعقدها السيسي ورجاله على الإدارة الأمريكية الجديدة، وهي الحالة التي تتكرر اليوم مع زيارة السيسي إلي الولايات المتحدة، إذ يزور الأخير واشنطن تلبيًة لدعوة الرئيس الأمريكي.

هل ترامب والسيسي وجهان لعملة واحدة؟

1- بين «سيسي أمريكا» و«ترامب مصر»

ربما لم يجانب ترامب الصواب حين أفصح عن «كيمياء» تربطه بالسيسي؛ فالتشابهات بين الرجلين أكثر من أن تُحصي، إلى الحد الذي دفع بالبعض إلى وصف ترامب بـ«سيسي أمريكا».

فكلا الرجلين يتبنيان خطابًا شعبويًا، يستند إلي شعارات براقة أكثر مما يشير إلى برنامج سياسي واضح ومحدد. جاء ترامب من عالم الأعمال مباشرة إلى البيت الأبيض، فيما السيسي قد اتنقل من قمة الهرم العسكري إلى قمة معترك السياسة بين عشية وضحاها، أي أن كلا الرجلين – بنظر المراقبين – لم يمرا بمرحلة كافية من الإعداد السياسي، وهو ما جعل أداء كلًا منهما في الحكومة مفتقرًا إلى الخبرة وينطوي على قدر كبير من الرعونة والتسرع.

كما أن الخطاب السياسي لكلا الرجلين يتسم بالاعتماد على مفردات ذات طابع نرجسي في نظر العديد من المحللين، ويتخذ من «الإرهاب الإسلامي» عدوًا وحيدًا، ولا يعبأ كلاهما كثيرًا بحقوق الإنسان، ولا يخجلان من ازدرائها والتهكم عليها، ففي حين أكد السيسي مرارًا أن الديمقراطية الكاملة في مصر قد لا تتحقق قبل 25 عامًا، فإن ترامب قد أبدي رغبته في إعادة بعض تقنيات التعذيب إلي عمليات الاستجواب، معتبرًا إياها وسيلة فعالة للغاية.

لا يثق ترامب أو السيسي بالإعلام مطلقًا، ولا يمل كلاهما من تكرار الأسف على حال الصحافة والصحافيين، كما أن ترامب يسير على نهج السيسي في اتباع سياسة صارمة تؤدي إلى إثارة مشاعر الغضب والكراهية بين فئات المجتمع.

2- كراهية أوباما تجمع السيسي وترامب

نهاية العام 2016، وفي ختام قمة مجموعة العشرين في الصين التي حلت مصر ضيفًا فيها، تعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لموقف وصفه البعض بالـ«محرج»، حين أظهرت الكاميرات السيسي وهو يحاول جاهدًا الوصول إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما لمصافحته، فيما بدا الأخير غير مهتم للحظات طويلة، قبل أن يصافح السيسي أخيرًا في برود.

اقرأ أيضًا: كيف انهارت مكانة مصر الدولية في عهد السيسي.. 15 موقفًا يشرح لك

انتشر هذا المقطع علي شبكات التواصل كالنار في الهشيم، تمامًا كما انتشر لاحقًا مقطع فيديو يعود إلى حفل عشاء أقيم قبل خمس سنوات في البيت الأبيض، ويُظهر أوباما وهو يوجه الإهانات لترامب ردًا على تشكيك الأخير في مكان ولادة وديانة الرئيس الأمريكي، ظل ترامب حينها صامتًا كالتمثال، لكنه علي ما يبدو لم يبتلع تلك الإهانة تمامًا، بل ربما دفعته إلى تحدي الجميع والانتقام حتى وصل إلى سدة الحكم خلفًا لمن أهانه، وأصر يومًا بعد يوم على التأكيد أنه «سيمحو» كل آثار أوباما، داخليًا وخارجيًا.

يساعد هذان المشهدان علي فهم السلوك الحالي لكلٍّ من ترامب والسيسي، في الحقيقة، يكنّ كلا الرجلين الكثير من الكراهية للإدارة الأمريكية السابقة، وللرئيس أوباما علي وجه الخصوص، ومرت العلاقة بين البلدين بشهور طويلة من الاضطراب عقب الإطاحة بالرئيس المصري المعزول محمد مرسي، وفي أعقاب أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، أعلن أوباما أنه لا يستطيع مواصلة عمله مع مصر كما كان في الماضي.

ونتيجة لذلك، أعلن أوباما عن تجميد المساعدات العسكرية لمصر، وظل هذا القرار ساريًا لعدة أشهر قبل أن يتم التراجع عنه، لكن أوباما قد حافظ على مسافة معينة بعيدًا عن شخص السيسي؛ إذ امتنع عن توجيه الدعوة إليه للقائه علي مدى سنوات.

كل ذلك جعل وسائل الإعلام الموالية للسلطة في مصر تصب باستمرار جام غضبها على أوباما وحكومته، بل إن الأمر ذهب إلى ما هو أبعد من القول لينتقل إلى مربع الفعل، حين كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية عن أن مقر الحملة الانتخابية لترامب، والواقع بجوار المحكمة العليا بواشنطن، تعود ملكيته إلى رجل الأعمال المصري المقرب من السلطة، وعضو لجنة الشؤون الأفريقية بالبرلمان: «مصطفي الجندي».

وفي حين نفى «الجندي» تلك الأقوال وقتها، فقد بدا ظاهرًا الاحتفاء الرسمي والإعلامي المصري بفوز ترامب، وكان السيسي من أوائل الرؤساء الذين سارعوا إلى تقديم التهاني للرئيس الجديد، أملًا في تدشين مرحلة جديدة من التعاون مع واشنطن بعد سنوات طويلة من «الجفاء» مع أوباما وإدارته.

3- علاقات استراتيجية ورؤى متطابقة

يصعب تصور أن تقدم سلطة مصرية بالتخلي عن علاقات التحالف التاريخية مع الولايات المتحدة، والعكس بالعكس، ينطبق ذلك على كل من حكم مصر من السادات إلى مبارك مرورًا بالإخوان، ونظام السيسي ليس استثناء من هذه القاعدة بطبيعة الحال.

تأسس تحالف القاهرة – واشنطن في أعقاب حرب 1973 حين قام الرئيس أنور السادات بتحويل دفة السياسة المصرية بعيدًا عن الاتحاد السوفيتي، وترسخ بعد اتفاقية كامب ديفيد 1979، إذ بدأت مصر منذ ذلك الحين في تلقي مساعدات أمريكية كبيرة، نتحدث عن مساعدات اقتصادية وتنموية، فضلًا عن معونة عسكرية تبلغ نحو مليار ونصف دولار سنويًا، وهو ما صارت تعتبره القاهرة مكتسبًا «حيويًا» لا يمكن الاستغناء عنه على الإطلاق.

في المقابل، التزمت مصر على الدوام بالحفاظ علي بنود معاهدة السلام، ومضت قدمًا في سياسات تطبيعية مع إسرائيل، كما صارت ركنًا أساسيًا في محور «الاعتدال الأمريكي»، ولاحقًا شريكًا أمنيًا مهمًا في مكافحة «الإرهاب» الذي صار الشعار الأساسي للسياسة الأمريكية. كل ذلك يعني مركزية مصر في السياسة الأمريكية بالنسبة لأية إدارة أمريكية عمومًا، وبالنسبة لإدارة ترامب التي تسعى جديًا إلى تعميق تلك المجالات من التعاون.

يبدو كذلك أن ثمة تطابقًا في الرؤى بين ترامب والسيسي تجاه عدد من الملفات السياسية الحالية، ليس فقط مركزية قضية الحرب علي الإرهاب ومكافحة «الإسلام الأصولي» كما ذكرنا، بل تمتد إلى غيرها من الملفات، مثل إعجاب الرجلين بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسعيهما إلى التقرب منه.

هذا فضلًا عن الأزمة السورية، والتي صار الموقف الأمريكي فيها أقرب إلى الموقف المصري، إذ كلاهما يعطي أولوية مطلقة للقضاء على «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) وغيرها من الجماعات الجهادية، وفي سبيل ذلك لا يمانع – أو يرجو – بقاء بشار الأسد على رأس السلطة، بما يعني ضمنيًا أن كلا الموقفين صار أقرب إلى النظام السوري منه إلى المعارضة.

كما أن ثمة من يشير إلى أن عودة التقارب المصري- السعودي مؤخرًا، والذي تكلل بلقاء السيسي مع الملك سلمان على هامش القمة العربية، وبعودة شحنات نفط «أرامكو» السعودية إلى الموانئ المصرية، هذا التقارب قد جاء بوساطة أمريكية، بعد لقاء ولي ولي العهد السعودي بترامب، وهو الأمر الذي يعيد التأكيد علي مدى رسوخ علاقات التحالف والصداقة بين القاهرة وواشنطن.

الكيمياء وحدها قد لا تكفي: ملفات عالقة قد تعيق العلاقة

1- ترامب يتراجع عن حظر الإخوان

مرة أخري يعلو صوت السياسة في البيت الأبيض، ويتراجع ترامب – ولو مؤقتًا – عن خططه، هذه المرة كانت جماعة الإخوان المسلمين في الأضواء، كانت الشهور الماضية قد حملت مؤشرات توحي بقرب تغير السياسة الأمريكية الرسمية تجاه الجماعة، بعدما اعتمدت اللجنة القضائية بالكونغرس الأمريكي
مشروع قانون قدمه العضوان الجمهوريان تيد كروز، وماريو دياز بلارت، لإدراج جماعة الإخوان كجماعة إرهابية.

وبعكس إدارة أوباما، التي تدخلت في عام 2015 لوقف تمرير مشروع قانون مماثل وتجميده إعلاميًا، أبدى مقربون من إدارة ترامب استعدادهم للمضي قدمًا في مسار العداء مع الجماعة، ففي أول تصريح له عقب إعلان نتائج الانتخابات، أعلن وليد فارس مستشار ترامب أن الرئيس الجديد سيعمل علي تمرير مشروع القانون الذي يعتبر الجماعة «كيانًا إرهابيًا».

وبحسب قوله فإن «ترامب يرى أن الإخوان المسلمين من أخطر الجماعات التي تغذي الفكر المتطرف. لذا، فهو يريد توجيه ضربة عسكرية للتنظيم الإخواني، وليس احتواءه سياسيًا، مثلما فعل أوباما وهيلاري كلينتون».

وخلال جلسة تعيينه وزيرًا جديدًا للخارجية، شن ريكس تيلرسون من الكونغرس هجومًا جديدًا علي الجماعة حين اعتبرها هدفًا تاليًا للحرب على الإرهاب بعد القضاء على «تنظيم الدولة»: «التخلص من التنظيم سوف يمكننا من زيادة انتباهنا إلى وكلاء آخرين للإسلام المتطرف، كالقاعدة والإخوان المسلمين وعناصر من إيران».

كل تلك الإشارات زادت من تفاؤل الساسة المصريين بالإدارة الأمريكية الجديدة، التي ستساعدها أخيرًا علي تحقيق طموحاتها بالقضاء نهائيًا علي تنظيم الإخوان وملاحقته عالميًا، لكن ذلك التفاؤل لم يدم طويلًا؛ فقد نقلت صحيفة «واشنطن تايمز» مؤخرًا عن مصادرها أن ترامب قد تراجع – مؤقتًا علي الأقل- عن قرار تصنيف الجماعة ككيان إرهابي، بعد توصية من وزارة الخارجية الأمريكية.

وبحسب الصحيفة، فإن مذكرة وزارة الداخلية قد أكدت أن للإخوان حضورًا كبيرًا في الشرق الأوسط، وأنه ليس هناك جماعة واحدة تُدعى الإخوان المسلمين، بل جماعات متعددة، وإن كان بعضها يدعم كيانات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية كحركة حماس، فإن بعضها الآخر تمارس أنشطة سياسية تحمل طابع الشرعية، بل تشارك أحيانًا في هياكل الحكم كما في تونس وتركيا.

وبالرغم من أن الصحيفة أكدت أن النقاش داخل الإدارة الأمريكية بخصوص الإخوان لم يُحسم تمامًا، وأن ثمة أصوات لا زالت تنادي بالمضي قدما في مسار التشدد ضد الجماعة، فإن من شأن هذا التراجع في حدة الموقف الأمريكي تجاه الجماعة أن يلقي بظلال من الإحباط علي العلاقات مع القاهرة، التي كانت تأمّل كثيرًا أن تسلك الإدارة الأمريكية الجديدة في مسلكها تجاه عدوها اللدود.

2- مساعدات مصر «غير مضمونة» في موازنة ترامب الجديدة

الأفعال أبلغ دلالة من الكلام، ينطبق هذا علي ميدان «البيزنس» والأعمال كما في ساحات السياسة، وفي حال قررنا تطبيقها على ترامب كمحاولة لاستشراف العلاقة المحتملة مع السيسي، فإن النتيجة قد لا تحمل الكثير من الطمأنينة للنظام المصري.

نعني هنا ما تسرب من الملامح النهائية لموازنة عام 2018 المقترحة من قبل الرئيس الأمريكي وفريقه الرئاسي، والتي تم تقديمها إلى الكونغرس؛ إذ سيتم تقليص ميزانية وزارة الخارجية بنحو 28%، وهي التي تضطلع بالإشراف علي جميع الشؤون الأجنبية، بما فيها المساعدات الخارجية المقدمة إلى الدول الحليفة، وفي مقدمتها مصر.

ويصل حجم المساعدات العسكرية لمصر 1.3 مليار دولار، والمساعدات الاقتصادية 250 مليون دولار، وتنطلق فكرة ترامب من وراء تخفيض المساعدات الخارجية، لكونها تحقيقًا عمليًّا للشعار الذي روج له خلال جولاته الانتخابية «أمريكا أولًا»، والذي يتخذه شعارًا أساسيًّا في سياسته التجارية والاقتصادية، التي انعكست على مشروع الموازنة الفيدرالية.

اقرأ أيضا :- موازنة ترامب الأولي تخيب آمال حلفائه في مصر والأردن

3- «آية حجازي» اختبار آخر لترامب

ربما لا تأبه إدارة ترامب كثيرًا لمسألة حقوق الإنسان في علاقاتها مع القاهرة، غير مبالية بما يُحدثه ذلك التجاهل من حرج، لكن المسألة قد تصير مختلفة في حال كان أولئك المنتهكة حقوقهم مواطنون أمريكيون، فترامب مطالب بالدفاع عن رعايا واشنطن أيًا كانت مواقفهم السياسية، وهذا ما يجعل قضية آية حجازي محك اختبار حقيقي في العلاقة بين الرئيسين.


آية حجازي مصرية تحمل الجنسية الأمريكية وزوجها محمد حسانين هو مواطن مصري، وهما قد شاركا في تأسيس مؤسسة «بلادي» التي كانت تقدم خدمات لأطفال الشوارع في القاهرة. داهمت الشرطة المؤسسة في 1 مايو (أيار) 2014 دون أمر قضائي، وصادرت حواسيب محمولة ومعدات أخرى، ثم احتجزت حجازي وحسانين وآخرين، واتهمت السلطات البالغين بالإتجار بالبشر واستغلال الأطفال جنسيًا واستخدامهم في مظاهرات معارضة للحكومة، وتشغيل منظمة بدون ترخيص.

وفي حين ترفض المنظمات الحقوقية والسلطات الأمريكية تلك الاتهامات، مؤكدة بأن عمل حجازي كان خيريًا بحتًا، فإن تلك القضية قد شكلت أحد أوجه الخلاف بين مصر والولايات المتحدة في عهد إدارة أوباما، وبالرغم من أن البيت الأبيض قد أكد أن قضية حجازي لن تُناقش في قمة ترامب والسيسي، فإنه من المتوقع أن تظل تلك القضية ملفًا عالقًا بين ترامب والسيسي، لتشكل اختبارًا حقيقيًا للعلاقة بينهما.

عرض التعليقات
تحميل المزيد