مرّت أحداث قبل سنوات طويلة وظلت عالقةً في الأذهان، في حين حدث مثلها مرةً أخرى للتو ولكنها أضحت في طي النسيان الأمر قد يحتاج إلى تفسيرات تتعمق أكثر في هذا الجزء من رأسنا الذي يُسمى «ذاكرة»؛ لإظهار بعض الحقائق حولها، تتضمن ما قد يمكننا من تحسين استخدامها في حياتنا اليومية والعملية.

1- قدرة الذاكرة قصيرة المدى محدودة

«هل تتذكر تلك اللحظة التي أُطلِقت فيها أجراس المدرسة خاتمةً اليوم الدراسي؟ هل تتذكر احتفالك بالأعياد وأنت في سن صغيرة من 20 سنة؟ ولكن لحظة، أين هي المفاتيح التي أخرجتها من الجيب للتو؟!» هذه الجمل باختصار، تُظهر قوة الذاكرة طويلة المدى، وضعف الذاكرة قصيرة المدى، فأحيانًا نتذكر أحداثًا وقعت منذ سنين طويلة، وننسى مكان المفاتيح مثلًا التي أخرجناها من جيوبنا قبل ثوانٍ أو دقائق قليلة.

فالقدرة الإجمالية للذاكرة قصيرة المدى محدودة، ويعتقد الخبراء أنه يمكنك الاحتفاظ بنحو سبعة عناصر في الذاكرة قصيرة المدى مدة تتراوح ما بين 20- 30 ثانية، وفي هذا الصدد، نشر عالم النفس جورج ميلر ورقة بحثية شهيرة، تعود إلى عام 1956، كشفت أنَّ قدرة الذاكرة قصيرة المدى تتراوح ما بين تخزين من خمسة إلى تسعة عناصر، فيما يقول خبراء الذاكرة اليوم إن قدرة الذاكرة قصيرة المدى تقترب من تخزين أربعة عناصر فقط، وبذلك فإن العناصر التي تستطيع أن تخزنها الذاكرة قصيرة المدى لا تزيد على تسعة، مع مختلف الأبحاث.

2- نتذكر البداية والنهاية

هل اطّلعت على قائمة الكلمات العشوائية المذكورة أعلاه؟ خُذ 30 ثانية لاستذكارها ومراجعتها، ثم أغلق الشاشة التي تجلس أمامها أو ابتعد عنها، وامنح نفسك 30 ثانية أُخرى، لكتابة الكلمات العشوائية في ورقة، ماذا كانت النتيجة؟

عادة ما تُدرك الذاكرة بشكل ما الكلمات في البداية والنهاية، بنسبة أكبر من الكلمات في الوسط؛ فقد تميل النتيحة لتذكرك الكلمات أعلى القائمة ونهايتها، مع صعوبة أكبر في تذكر الكلمات في منتصف القائمة، ولذلك فإنه عند تقديمك عرضًا ما، أمام الجمهور، أو كتابة محتوى ركّز على عناصر الجذب أكثر في بداية العمل وختامه؛ لأن هذا ما يعلق عادةً بأذهان الجمهور.

3- جلسات مذاكرة متفرقة أفضل للذاكرة من جلسة «تعبئة طويلة»

هنالك خطأ شائع يقع فيه الكثير من الطلاب خلال طريقة تعاملهم مع الاختبارات، يتمثل في تجاهل المذاكرة على مدار العام، وتكثيف المذاكرة في الأيام الأخيرة قبيل الامتحان، وتعبئة المُخ بكم معلومات ضخم، وقد يُصعب لاحقًا تذكرها، لذلك يُفضل المذاكرة خلال جلسات يومية منتظمة، للاستغلال الأمثل للذاكرة قصيرة المدى، ومذاكرة أكثر فاعلية.

فقد أفادت دراسة علمية بأن مذاكرة المواد خلال عدة جلسات يعطيك الوقت لمعالجة المعلومات معالجة كافية، وقد أظهرت الدراسة، أن الطلاب الذين يذاكرون المواد بانتظام، يتذكّرون المواد بشكل أفضل من هؤلاء الذين ينهون مذاكرتهم في جلسة واحدة مطولة.

وتذهب دراسة علمية أخرى في هذا الجانب إلى نتيجة مُشابهة؛ إذ تفيد بأن الذاكرة قصيرة المدى لديها سعة قليلة لتخزين المعلومات، تتجدَّد كل يوم بعد النوم، ومع تكثيف كمّ كبير من التعلم في وقت قصير في اليوم الواحد، فإن ذلك قد يتعدى سعة التخزين في ذاكرة الإنسان، ولذلك فإن التعلم والمذاكرة على فترات قصيرة يوميًّا، المصحوب بالتكرار على فترات زمنية متباعدة، يمثل أفضل استغلال لسعة التخزين في الذاكرة قصيرة المدى لدى الإنسان.

4- الاختبارات تُحسِّن الذاكرة

يُقلص البعض من الاستفادة العلمية الناتجة من الاختبارات، وبالأخص في الدول العربية ذات المستوى التعليمي المنخفض، ولكن من ناحية أخرى وبغض النظر عن مدى الاستفادة العلمية من الاختبارات، فإنها تقوي الذاكرة، ومن شأنها نقل المعلومات إلى الذاكرة طويلة المدى.

وفي هذا الصدد، أفادت العديد من الدراسات والأبحاث العلمية أن الاختبارات المتكررة يُمكنها تحسين قدرتك على التعلم، وقد أظهرت أيضًا أن الأشخاص الذين يدرسون، ثم يتعرضون لاختبارات لديهم استرجاع أفضل للمعلومات على المستوى طويل المدى من أولئك الذين يدرسون دون إجراء أية اختبارات.

اللافت أيضًا النظر أنه حتى وإن أخذت المجموعة الأخيرة مدة أطول في الدراسة والتعلم، فإنهم يظلون لديهم ضعف في استدعاء المحتوى واسترجاعه، من أولئك الذين تعرضوا لاختبارات، وبذلك فإن الاختبارات توفر الوقت والجهد، وتعطي نتيجةً تعليميةً أكثر فاعلية.

5- التذكُّر من النسيان!

نعم كما قرأت تمامًا، التذكر من النسيان، عادةً ما يربط الكثيرون التذكر بالمراجعة والتكرار، وهذا جزئيًّا صحيح، ولكن هناك نوع آخر من التذكر قد يبدو غريبًا بعد الشيء، وهو التذكر الذي يأتي بعد نسيان، أحد هذه الأمثلة التي قد تكون قريبة في هذا الجانب، هو إمكانية تذكرك حتى اليوم معلومة ما، بعدما كنت قد نسيتها في اختبارٍ ما مر عليه سنوات، فاكتشافك لنسيان المعلومة وبحثك وتذكرك لها بعد الاختبار قد ثبتها في ذهنك.

الأمر ليس شخصيًّا، وإنما له أساس علمي؛ إذ أجرى مجموعة باحثين في جامعة كاليفورنيا الأمريكية دراسة أكدّت تقوية التذكر من النسيان المبدئي، وأفادت بأنك تحتاج إلى نسيان معلومة جديدة في مستويات معينة، قبل تذكرها، لجعل تلك الذكرى قوية مع مرور الوقت، ولفتت الدراسة إلى أنه كلما تلاشت الذكرى الجديدة، قبل البحث عنها، تحسنت قوة الاسترجاع والاستدعاء لاحقًا.

6- الذاكرة يمكن تدريبها وتحسينها

ينظر البعض إلى قوة الذاكرة على أنها نوع من الموهبة المرتبطة بالجينات، والتي لا يمكن تحسينها وتطويرها، ولكن في الحقيقة يُمكن تحسين الذاكرة، وتطوير أدائها، وتوسيع قدراتها ببعض المهارات والتدريبات والتكتيكات التي من شأنها تقوية الذاكرة، وتقوية القدرة على استدعاء المعلومات.

وتتنوع تلك الوسائل والتكتيكات التي تحسن من الذاكرة، وتتضمن: ربط المعلومات الجديدة بالمعلومات التي تعرفها مُسبقًا، وهيكلة المعلومات وتنظيمها، وتصور المعلومات في الذهن، كذلك فإن الممارسات الصحية اليومية من شأنها تحسين عمل الذاكرة وشحنها مثل القيلولة والنوم، فهناك علاقة وثيقة بين الذاكرة القوية، والنوم الجيد.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد