منذ أيام عُرض فيلم الجوكر 2019 والذي يجسد فيه خواكين فينيكس دور البطولة، إلا أن شخصية الجوكر قد ظهرت هذه المرة مثقلة بالأبعاد الإنسانية، مما كان له بالغ الأثرِ في التعاطف مع شخصية القاتل، الذي أجبرته الحياة والظروف ومرضه العقلي على ارتكاب أول جريمة قتل، شعر بعدها بالانتصار لأول مرة في حياته، منذ ولادته. لكن بعيدًا عن الفيلم، شهدت كواليس صناعته بعض الحقائق المثيرة للاهتمام، نتناولها في السطور التالية.

1- جريمة «قطار الأنفاق» حقيقية

في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1984 داخل قطار الأنفاق المتجه إلى وسط المدينة، شهدت نيويورك حادثًا مروعًا؛ إذ شرع رجل يدعى برنارد جويتز في قتل أربعة رجال من ذوي الأصول الأفريقية كانوا قد حاولوا سرقته. في ذلك الوقت تحولت نيويورك إلى «مدينة أشباح»، تعج بالسرقات والجريمة، وفوق ذلك كله الخوف، وقد نتج عن هذا الحادث جدل واسع حول الجريمة في نيويورك والصراع العرقي، وأحقية هذا الرجل الأبيض في الدفاع عن نفسه.

Embed from Getty Images

(برنارد جويتز مرتكب جريمة قطار نيويورك)

كان جويتز قد تعرض لسرقة مشابهة داخل قطار الأنفاق عام 1981. وقد تركه هذا الحادث مصابًا بجراحٍ بالغة في الصدر والركبتين أثرت عليه بشكلٍ دائم. فهل كان من حقه الدفاع عن نفسه هذه المرة؟ نفس الجريمة ونفس التساؤل، يطرح نفسه هذه المرة من خلال فيلم الجوكر 2019؛ إذ كانت حادثة قطار الأنفاق هي جريمته الأولى، وانتصاره الأول على كل ما تعرض له خلال حياته من تجاهل وأذي.

2- مدينة «جوثام» هي نيويورك الثمانينات

«نيويورك تقتل أي حنين»، هكذا سمعنا عن نيويورك في الأغاني العربية. مدينة تتميز بالوحشة والشعور بالغربة، نظرًا لازدحامها. تحتضن بين بواباتها أعراق وجنسيات مختلفة، كلهم أتوا لتجربة الحلم الأمريكي. لم تكن المدينة دومًا «أرض الأحلام»؛ إذ في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي كانت نيويورك توصف بأنها «مدينة الأشباح والظلام»، تعج بجرائم القتل والسرقة، ويشعر مواطنيها بالخوف من الخروج للشوارع. القمامة على الأرصفة، وبقايا فنادق كانت بالسابقِ شهيرة وجميلة تحولت إلى ركام، الفئران في كل مكان، والشعب يشعر بالتجاهل والانهزام. كان هذا هو وصف مدينة جوثام أيضًا، قبل ظهور «باتمان».

تستطيع أن ترى ما كانت عليه مدينة نيويورك حقًا، في الفيلم الوثائقي «ترامب: حلم أمريكي»، لتعرف أكثر عن حلم الرجل الأبيض، والخط الزمني الحقيقي لتحول نيويورك إلى مدينة نظيفة وآمنة ورمزًا للحضارة، وحلمًا للجميع، كما نراها الآن.

3- في الثمانينات قطعوا التمويلات أيضًا عن خدمات الصحة النفسية والعقلية

في فيلم الجوكر 2019 يزور آرثر فليك عيادة أخصائية اجتماعية بشكلٍ روتيني، وهي إحدى الخدمات التي توفرها الحكومة للمواطنين من أجل تزويدهم بالرعاية التي يحتاجونها صحيًا ونفسيًا، إلا أنها تخبره في الزيارة الأخيرة بأن التمويلات قد قطعت عن الصحة النفسية والعقلية، وأن أدويته أيضًا لن تصرف له بعد الآن، ينقطع البطل بعدها عن أدويته السبعة التي يحتاج إليها.

في الحقيقة يشبه الأمر كثيرًا السياسة الأمريكية، تحديدًا عام 1981 عندما وقع الرئيس الأمريكي رونالد ريجان على ميزانية تضمن منح الولاية ما يحتاجونه من أجل رعاية الصحة النفسية والعقلية، إلا أنه في الوقت ذاته قد قام بخفض الميزانية الفيدرالية بنسبة 30%، وقد كانت الحكومة الفيدرالية هي المسؤولة عن أمور الرعاية النفسية. لم يساهم هذا إلا في تعقيد وضع الصحة النفسية في الثمانينات.

4- «ضحكة الجوكر».. عرض نفسي حقيقي

طالما تميزت أفلام الجوكر منذ بدء تقديم الشخصية، بضحكةٍ فريدة من نوعها، إلا أنها لم تكن تستخدم في مواضعٍ كوميدية ومضحكة، كانت ضحكة الجوكر دائمًا مقترنة بجرائمه، ولم نعرف عنها الكثير. في الفيلم الأخير، نجد المخرج تود فيليبس، وقد استخدم عرضًا مرضيًا يبرر عدم تحكم آرثر فليك في ضحكاته. وقد رأينا فليك على مدار ساعتين يعاني من عدم التحكم في الضحك والبكاء، إلى الدرجة التي قد يمتزجا فيها معًا، فلا نعرف إن كان يضحك أم يبكي، فهل هذا شيء حقيقي؟

Embed from Getty Images

في الحقيقة يعاني البطل من حالة مرضية تسمى بالعربية «التأثير البصلي الكاذب»، والذي يغرق مرضاه في نوباتٍ ضحك وبكاء هستيرية مفاجئة، وغير مناسبة تمامًا للموقف. 

5- فحص شامل لحالة «الجوكر» العقلية

في الفيلم رأينا الجوكر يعاني مجموعة من الأمراض النفسية والعقلية. يأخذ سبعة أدوية مختلفة. إلا أننا لم نعرف ماهية الأدوية، ولا تشخصيًا دقيقًا لمرضه. وفي موقع «Psych Central» جرى إجراء فحص شامل لحالة الجوكر النفسية والعقلية، وقد كانت النتيجة أن الجوكر يمتلك ذاكرة سليمة، سواء للأحداث البعيدة أو المبكرة، وعلى المستوى السريري فإن وظائفه تعمل بمستوى أعلى من المتوسط نسبةً إلى عامة السكان.

يشير الموقع إلى أن «اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع»، قد يكون هو الأقرب لشخصية الجوكر في فيلك الجوكر 2019، إلا أنه في الوقت ذاته لا يبدو تشخصيًا مناسبًا. إذ إن مرضى هذا الاضطراب قد يشرعون في القيام بأعمال غير قانونية، قد تنتهي بالزجِ بهم في السجون، إلا أنها لا تخرج عن نطاق الجرائم البسيطة مثل «السرقات وإلحاق الضرر بالممتلكات العامة، والإزعاج»، وشخصية الجوكر تتعدى ذلك.

هذا بالإضافة إلى أن شخصية الجوكر لا تظهر أي ندم على أفعالها، شخصية متسرعة غير مسؤولة، تعاني من فقر في التعاطف مع الآخرين، وتحاول تصدير صورة غير حقيقية عن ذاتها، من خلال محاولة إظهار قيمًا ذاتية عظيمة وراء أفعاله. في نهاية التقرير، يقول الكاتب: «لا أعتقد أن الجوكر بحاجة إلى مصحة نفسية، فقط يحتاج إلى قضاء بعض الوقت في السجن».

«الفانتازيا» والبطولات نسائية تجتاح السينما.. 10 أفلام ينتظرها الجمهور في 2020

6- هل يتشابه الجوكر مع «ملك الكوميديا»؟

في فيلم الجوكر 2019، رأينا آرثر فليك مهووسًا بإحدى البرامج الكوميدية يقدمها موراي فرانكلين، والذي قام بدوره روبرت دي نيرو. كان فليك يعمل مهرجًا، ويعيش مع والدته. كما كان يطمح في أن يصبح «كوميديان»، وأن تأتيه الفرصة ليصبح ضيفًا على برنامج فرانكلين ويصفق له الجمهور. وعندما يصعد على المسرح ليقدم عرضه الأول «ستاند اب كوميديان»، يفشل في إضحاك الحاضرين، ويتداول فرانكلين الفيديو الخاص به، لكن هذه المرة من أجل السخرية منه، حينها يطلق عليه اسم «الجوكر» كنوعٍ من السخرية، إلا أن فليك يقرر الاحتفاظ بالاسم، وتحويله إلى اسم الشهرة، والاسم الذي يستخدمه في القتل.

Embed from Getty Images

(مارتن سكورسيزي وروبرت دي نيرو)

يتقاطع هذا الجزء بالتحديد مع فيلم المخرج مارتن سكورسيزي «The King Of Comedy» أو ملك الكوميديا، إنتاج عام 1982 والذي قام فيه دي نيرو بدور كوميديان فاشل يدعى روبرت بوبكين، يعيش مع والدته ويطمح في الوصول إلى عالم الشهرة والأضواء، وكان بوبكين مهووسًا بأحد البرامج التليفزيونية، وينتهي به الحال مختطفًا مقدم البرنامج الشهير.

7- هيث ليدجر وخواكين فينيكس كانا صديقين

بحسب موقع «Comic Book»، كان هيث ليدجر بطل فيلم «The Dark knight»، والذي قدم شخصية الجوكر بطريقة أيقونية، صديقًا شخصيًا لخواكين فينيكس، بطل فيلم الجوكر 2019. وقد بدأ الاثنان مسيرتهما الفنية معًا في أوائل الألفينات. وكانا كلاهما يكن الحب والاحترام للآخر، ولهذا يعتبر فينيكس فيلمه الأخير عن الجوكر «لفتة محبة» لصديقٍ قديم.

8- مذكرات آرثر فليك

في الربع الأول من الفيلم نرى آرثر فليك يحمل دفتر مذكرات صغير يرسم داخله كل الصور المرعبة، ويكتب كل أفكاره المقلقة والمضطربة. كان هذا الدفتر عبارة عن صرخة حقيقية من أجل المساعدة، إلا أن أحدًا لم يلتفت إليه؛ فينحدر البطل إلى حافة الجنون في النهاية ليصبح «الجوكر».

(هيث ليدجر في دور الجوكر)

هذا الجزء الخاص بالمذكرات في الفيلم لم يكن وليد المصادفة، إذ جاء ذلك مستوحيًا من تفاني هيث ليدجر في أداء شخصية الجوكر، ومن تضحياته، وأراد صناع الفيلم أن يكرموه بهذه الطريقة: وكان ليدجر يحتفظ أثناء عمله على الشخصية بدفترٍ صغير احتوى على رسوماتٍ مرعبة، وكل القصص الإخبارية المزعجة، وكتب من خلاله أيضًا أفكاره المقلقة. ولهذا كان هذا الدفتر يمثل بصمة هيث ليدجر داخل الفيلم الجديد.

9- خواكين فينيكس انقطع عن الطعام

في تصريحٍ لبرنامج «Jimmy Kimmel»، يقول خواكين فينيكس إنه اضطر للانقطاع عن الطعام فترة من أجل خسارة الوزن. يشير فينيكس إلى أنه انعزل في تلك الفترة عن معارفه وأصدقائه والحياة الاجتماعية؛ لأن الطعام يمثل جزءًا كبيرًا من الاجتماعيات، حتى أن مشاهدة التلفاز بالنسبة إليه كانت مزعجة، لأنها لا تخلو من الطعام أو الإعلانات الخاصة به. عن ذلك يقول: «ما أردته من فقدان الوزن هو الوصول إلى حالة من عدم الرضا، والجوع، والضعف، والخنوع». إلا أن الانقطاع عن الطعام قد تطور لديه إلى عرضٍ مرضي بفقدان الشهية، والهوس حول الوزن.

(حوار خواكين فينيكس مع جيمي كيميل)

10- الفيلم أعيدت كتابته أثناء التصوير

في تصريحٍ للممثلة زازي بيتز، والتي شاركت في بطولة فيلم الجوكر 2019، قالت إن الفيلم أعيدت كتابته أثناء التصوير. «السيناريو كان عظيم، إلا أننا أعدنا كتابته مرةً أخرى أثناء التصوير من أجل تطويره». إذ كانوا يجتمعون معًا لكتابة المشاهد التي ستصور بعد قليل، وكان الممثلون يحفظونها أثناء تصفيف الشعر ووضع مساحيق التجميل، ومن ثم يخرجون لأداء المشهد.

11- فيلم «يميني الهوى» أم يحمل تعاطفًا يساريًا؟

في الفيلم نرى مدينة جوثام مكونة من طبقتين فقط: أغنياء، وأشخاص يعانون. نجد البطل وقد انقطعت عنه أدويته وحرم من العلاج نظرًا لتقليص الميزانية الخاصة بالعلاج النفسي والعقلي. مدينة تعاني، لا يرى فيها رجال السلطة سوى أنفسهم، منفصلين عن الشعب، إلى درجة أن قتل ثلاثة من العاملين في سوق الأسهم، اعتبره العامة والمجهولون عملًا بطوليًا. فطلَوا وجوههم بالمساحيق وخرجوا هاتفين: «كلنا مهرجون»، وذلك تضامنًا مع المهرج القاتل.

رأى البعض انتقام الجوكر بالفيلم يحمل تعاطفًا يساريًا، وقد أصبح فيه المهرج بطلًا شعبيًا؛ لأنه قتل بعض من يملكون الثروة، إلا أن البعض الآخر رأوا الفيلم تكريسًا لوجهة نظر اليمين عن فوضوية الطبقة الدنيا غير المتزنة.

12- كانت المسارح تخشى حدوث «أعمال عنف وشغب» بعد عرض الفيلم

كانت المسارح وقوات إنفاذ القانون على أهبة الاستعداد خوفًا من حدوث أعمال عنف وشغب عقب انتهاء فيلم الجوكر 2019؛ إذ كان الفيلم يستدعي ذكريات مؤلمة عن مذبحة «أورورا» التي قتل فيها 11 شخصًا، وتعرض 70 آخرون لإصاباتٍ بالغة. وقعت تلك الحادثة عام 2012، بدار عرض كولورادو، وذلك بعد عرض فيلم «The Dark Knight Rises». نتيجة لذلك حظرت المسارح ارتداء أقنعة الجوكر داخل دور العرض، واتخذت قوات الشرطة والحكومات الفيدرالية والجيش الأمريكي الاحتياطات اللازمة خوفًا من التهديدات المحتملة.

«لماذا كل هذه الجدية؟».. الوجه المرعب للشغف

المصادر