كان أكبر هاشمي رفسنجاني من أهم رجال الثورة الإسلامية ثم أحد مؤسسي الجمهورية، وبعدها شغل منصب رئيس الجمهورية في الأعوام 1989-1997، وهو من القلَّة الذين كان لأبنائهم حضورٌ في الحياة السياسية الإيرانية، وأصبحوا معروفين لكثيرٍ من الإيرانيين، وفي بعض الأوقات احتلَّوا عناوين الصحافة الإيرانية بشكلٍ شبه مستمر.

فائزة هاشمي رفسنجاني، هي الابنة الثالثة لهاشمي، ولكنها الأكثر إثارةً للجدل بين الأبناء الخمسة، وعلى الرغم من نشأتها في منزل متدين لعائلة فيها رجالُ دين أصوليون ومتشددون، فإنَّ نشاطها السياسي في السنوات الماضية يتجاوزُ كل هذه الخلفيات. ويجعل البعض ينظر إليها نظرة انبهار بصفتها ثائرة سياسية تُعارض من داخل الجمهورية الإسلامية الصارمة ضد معارضيها في الداخل أو الخارج.

وفي هذا التقرير نحكي عن فائزة هشام رفسنجاني، مسيرتها وتطوُّر مواقفها السياسية خلال العقدين الماضيين لتصبح من أهم معارضي الجمهورية الإسلامية الآن.

فائزة هاشمي تشعل «كلوب هاوس»

زادت شهرة تطبيق الدردشة الصوتية «كلوب هاوس»، في إيران بعد انضمام محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، ونقاشه للكثير من القضايا المثارة في إيران في الفترة الأخيرة، ولكن يظلُّ ظريف جزءًا من الحكومة الحالية، فلم يستطع أو ربما لم يُرد التطرق للقضايا الشائكة والإشكالية، ورفضَ من البداية استقبال أسئلة من صحافيين وناشطين معارضين من خارج إيران.

ولكن فائزة فعلت العكس تمامًا، وطلبت من المشرفين على الغرفة التي تُشارك فيها ألا يحجبوا أي سؤال من أي شخص مهما كانت صفته، وكررت أنها تريد استقبال أسئلة من صحافيين معارضين ومنفيين خارج إيران.

Embed from Getty Images

فائزة، ويظهر من ورائها صورةٌ لوالدها هاشمي رفسنجاني، أحد مؤسسي الجمهورية الإسلامية في إيران ورئيسها. 

وخلال دقائق امتلأت سعة الغرفة الافتراضية، والتي لا تسمح بضم أكثر من 8 آلاف مستمعٍ، وأُنشئت غرفةٌ أخرى موازية لتُبثَّ من خلالها أحاديث فائزة لمدة ست ساعات متواصلة، وإلى أن تجاوزت الساعة الثالثة فجرًا بتوقيت طهران، وانتقدت فائزة الجميع داخل إيران، بدءًا من رأس السلطة، الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، إلى السياسيين الإصلاحيين، واستمع لها قرابة 20 ألف شخص، محطمةً الرقم القياسي على التطبيق داخل إيران.

ولدرجة أن بعض المشاركين توقعوا حجب التطبيق نهائيًّا في إيران بسبب جلسة فائزة وتصريحاتها، ولكن هذا لم يحدث.

وفي حديثها المطول على «كلوب هاوس»، انتقدت فائزة هاشمي التيار الإصلاحي، وهو الحزب الذي تنتمي إليه، وقالت «إن الإصلاحات لم تؤتِ بثمارها في إيران»، وانتقدت العملية الانتخابية في إيران، ورأت أنها بلا فائدة في وجود الرقابة المتمثلة في مجلس صيانة الدستور، الذي يُقرر من يحقُّ له الترشح ومن يُحرم منه.

وتوقَّعت فائزة مبكرًا أن مجلس صيانة الدستور لن يسمح بمرور مرشَّحٍ إصلاحيٍّ لينافس في الانتخابات الرئاسية المقرر انعقادها في 18 يونيو (حزيران) المقبل، مبررةً ذلك بقولها «الإصلاحيون فشلوا في إقناع السلطات بقدرتهم الفعلية على تنفيذ الإصلاحات».

وحرَّضت فائزة الجماهير الإيرانية على مقاطعة التصويت في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وبحسب كلامها، فإنها لم تعد ترى أي فائدة من المشاركة في انتخابات نتائجها جاهزة مسبقًا.

وفي السياق نفسه، مطلعَ 2021، قالت فائزة هاشمي في مقابلة صحفية مع موقع إخباري إيراني، إنّها كانت تتمنى فوز الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، فى الانتخابات الرئاسية، قائلةً «لو كنت أمريكية لن أصوِّت لترامب، ولكن بصفتي إيرانية تمنيت أن يفوز».

أثار التصريح ردود فعل عنيفة ضدَّ فائزة، التي تفسِّر كلامها بأن الضغط الذي انتهجه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فيما عُرف بسياسة «الضغط الأقصى» تجاه إيران، هو السبيل الوحيد لتغيير سياسات الجمهورية الإسلامية، خاصةً في ظل فشل الانتخابات والإصلاحيين في إحداث أي تغيير.

وكانت هذه التعليقات كافية لإغضاب جميع التيارات السياسية في إيران، سواءً الأصولية أم الإصلاحية، حتى إن أفرادًا من عائلتها انتقدوها.

فكتبَ محسن هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس بلدية طهران، والشقيق الأكبر لفائزة، رسالةً مفتوحة لها، في 10 يناير (كانون الثاني) 2021 قالَ فيها: «أعلمُ أنه قد أُسيئت معاملتك في السنوات الاخيرة، وربما تسبب هذا في إصابتك بالتطرف وإبعادك عن طريق أبينا المعتدل، ولكن هذا ليس مبررًا للاعتماد على رئيس دولة أجنبية».

ولم يكتفِ محسن هاشمي بلوم شقيقته ومعاتبتها، بل طلب منها التراجع عن التصريح والاعتذار، حتى لا تشوَّه سمعة أبيهم من قِبل المُعارضين الذين سمَّاهم بالـ«متطرفين»، سواءً في الداخل أم الخارج.

وأثارت تصريحات فائزة حفيظة عددٍ من قادة التيار الإصلاحي، فصرح محمد علي أبطحي، السياسي الإصلاحي البارز، ونائب الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي (1997-2005)، قائلًا: «أتمنى ألا تتمنى فائزة أن يظلَّ ترامب في منصبه ليضغط على إيران، صدقيني معظم الإيرانيين لا يتمتعون بالظروف المعيشية نفسها لعائلة رفسنجاني، لقد عانوا من العقوبات والضغوط»، في إشارةٍ منه لثراء العائلة وموقعها الاجتماعي.

دافعت فائزة عن نفسها، على «كلوب هاوس»، مستدلةً بمواقف سابقة تثبت وجهة نظرها بأن إيران لا تغيِّر سياساتها إلا بعد ضغطها دوليًّا، مثلًا: حادثة إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين عام 1981، بعد احتلال مجموعة من الطلبة الإيرانيين للسفارة الأمريكية في طهران، وإنهاء الحرب العراقية-الإيرانية عام 1988 بضغط من الأمم المتحدة على إيران، والاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.

فائزة رفسنجاني: ماذا كسبت إيران من دعم الأسد في سوريا؟

كثيرًا ما تنتقد فائزة السياسة الخارجية لطهران، ففي مقابلتها في يناير 2021، علَّقت على التدخل العسكري الإيراني في المنطقة، وهذا الملف يعدُّ من الخطوط الحمراء التي لا يمكن لأي سياسي داخل إيران أن يتجاوزها، إلا في حالات نادرة للغاية، ومنها حالة فائزة.

ولطالما كانت هذه الانتقادات نادرةً، وزادت ندرتها بعد اغتيال الولايات المتحدة للجنرال الإيراني، قاسم سليماني، قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري، ولكن فائزة الوحيدة التي انتقدت علانيةً دور سليماني بعد وفاته.

وسألت فائزة في المقابلة نفسها: «هل يخبرني أحد بما فعله سليماني في العراق وسوريا؟ ما هو الطريق الذي خلقه لتنمية بلادنا؟ ولماذا علينا مساعدة بشار الأسد في حين قتل ما لا يقل عن 500 ألف شخص في سوريا؟».

وفي الوقت نفسه انتقدت فائزة رفسنجاني اعتماد إيران على روسيا والصين، واصفةً الأمر بأنه تقويض لاستقلال إيران، ودافعت عن التقارب مع السعودية، مؤكدةً أن والدها الرئيس الإيراني السابق كان مهتمًّا بتحسين العلاقات مع الرياض.

لم تكتفِ فائزة بهذا القدر وفجَّرت مفاجأة من العيار الثقيل، عندما قالت إن والدها أراد التطبيع مع إسرائيل طالما كان ذلك في المصلحة الوطنية. لم تعترف إيران بعد الثورة بإسرائيل، وتهاجم اليوم بشكل مستمر تطبيع بعض الدول العربية مع إسرائيل، مثل الإمارات والبحرين. ولم يشر والدها أثناء حياته إلى هذا الأمر بالمرَّة، ولكنه كان من الداعمين لفكرة انفتاح إيران على الغرب وخاصةً الولايات المتحدة.

وتقول فائزة: «ألا يلوم الناس أمريكا على مشاكلهم، سياسات إيران الخطأ هي التي أدت إلى العقوبات، ولا ينبغي أن نلوم الولايات المتحدة، أموالنا تنفق على الصواريخ، ومساعدة الجماعات الأجنبية، وليس على الأدوية التي يحتاجها شعبنا».

وفى حديثها المطول على «كلوب هاوس»، قالت فائزة إنها لم تعد تؤمن بوجود جمهورية «إسلامية»، ولم تعد تؤمن بوجود حكومة دينية بشكل عام، وعُرف عن فائزة هاشمي منذ سنوات أنها تؤمن بالنظام العلماني، وضرورة فصل الدين عن السياسية، ولكنها تقدَّمت هذه المرة أكثر من ذي قبل لتقول: «فشل الجمهورية الإسلامية في إيران أضر بصورة الإسلام عند الشعب الإيراني على نطاق واسع».

فائزة وسنوات من المناورة

ولدت فائزة مطلع عام 1963، وتحملُ درجة الدكتوراه في حقوق الإنسان، والماجستير في علوم الإدارة والسياسة، من جامعة «آزاد» الإسلامية، كما أنها صحافية سابقة وناشطةٌ في مجال حقوق المرأة في إيران، وهي أكثر نساء عائلة رفسنجاني معارضةً وصراحة منذ سنوات طويلة، وبدأت في التسعينيات عندما كان والدها رئيسًا للجمهورية الإسلامية، وجذبت انتباه الأصوليين قبل الإصلاحيين بدعوتها لمشاركة النساء في الرياضة، بعد منع النساء من أغلب الرياضات بعد الثورة الإسلامية.

شاهد الناس ابنة الرئيس، رجل الدين، وهي تقود دراجة هوائية في الحدائق العامة، وترتدي الحجاب الملون والجينز، في حين أن جميع بنات وزوجات المسؤولين الإيرانيين، يرتدين الشادور والحجاب الأسود، حتى وإن كنَّ غير متدينات.

Embed from Getty Images

فائزة رفسنجاني  عامَ 1999

وفي 1990 أسست فائزة الاتحاد الإسلامي لرياضة المرأة، وشجعت النساء على ممارسة كافة أنواع الرياضات، وفي عام 1996 ترشحت للانتخابات البرلمانية عن دائرة طهران، وحصدت عددًا كبيرًا وغير متوقع من الأصوات، واحتلت المركزَ الثاني بين 30 نائبًا يمثِّلون إيران، وحاولت الترشح للانتخابات الرئاسية بعد انتهاء فترتي ولاية أبيها، في عام 1997، ولكن مجلس صيانة الدستور استبعدها.

وبتولِّي الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي لرئاسة إيران، انتعشت الصحافة الإيرانية لفترة وجيزة، وانتشرت الصحف الإصلاحية، فانتهزت فائزة الفرصة لتؤسس جريدة «زن»، أي «المرأة» باللغة الفارسية، لتكون أول صحيفة نسائية، وأدارت فائزة تحريرها.

وبعد أقل من عام أغلقت السلطات الجريدة بعد أن نشرت رسمًا كاريكاتوريًّا ينتقد القوانين التمييزية ضد النساء في إيران، وسخرت الجريدة من فرض الحجاب الإلزامي على النساء، ونشرت مقالاتٍ سياسية تنتقد السياسية الداخلية الإيرانية. وتابعت السلطات حملتها على مشاريع فائزة وأوقفت الاتحاد الإسلامي للرياضة بالكامل، بحجَّة عدم توفُّر ميزانية.

انتقاد المرشد

من النادر أن يقدمَ أحدٌ على انتقاد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ولكن فائزة تجاوزت هذا الخط أكثر من مرة، فعلى سبيل المثال، طلب منها مقدم البرنامج في مقابلة تلفزيونيَّة أن تطرح اسمًا واحدًا من النخبة السياسية تودُّ أن تناقشه في المشكلات التى تعيشها إيران، فأجابت على الفور «أطلب مناقشة آية الله علي خامنئي»، وقالت إنها تريد سماع آرائه ومناقشته في شؤون السياسة الخارجية والداخلية لإيران.

وفي مقابلة صحفية في يناير 2020، طالبت خامنئي بالاستقالة، وطلبت أن يكون منصب المرشد الأعلى انتخابيًّا مباشرةً من الشعب، وأن يُعدَّل الدستور لتقيَّد صلاحيات ومدة حكم المرشد، وقالت إنه لا يوجد أحدٌ يمكث في السلطة لمدة تزيد على ثلاثين عامًا كما فعل خامنئي، قائلةً: «هناك حدود للحكم للجميع، ولقد حكم السيد خامنئي لفترة طويلة بما فيه الكفاية، بينما كان الوضع في البلاد مدمرًا، البلد بحاجة إلى تغيير جاد، وإذا رفض زعيم إيران إجراء هذه التغييرات ستحدث أشياء أسوأ» في إيران.

احتجاجات 2009.. 3 اعتقالات

كانت رفسنجاني من أهم الناشطين في الحملة الانتخابية الرئاسية لمير حسين موسوي عام 2009، التي فازَ فيها الرئيس الأصولي محمود أحمدي نجاد، في انتخابات متنازع عليها ووصفها التيار الإصلاحي بأنها مزورة، واعتراضًا على التزوير خرجت الاحتجاجات الهائلة، والتي عرفت باسم الحركة الخضراء.

كانت فائزة واحدةً من المحتجين في الشوارع، وأُلقي القبض عليها ثلاث مرات خلال هذه التظاهرات، وفي كل مرة أطلق سراحها، ولكن في عام 2012 اتهمت بتهمة «الدعاية ضد النظام» بعد عقدها عدة مقابلات صحفية انتقدت فيها الأصوليين وما حدث في انتخابات 2009، بالإضافة لانتقادها الحجاب الإسلامي، وحُكم عليها بالسجن لمدة ستة أشهر، في سجن «إيفين» سيئ السمعة.

لقاء مع فائزة رفسنجاني، بالفارسية ومُترجم للعربية

وبعد خروجها من السجن زارت مجموعةً من الطائفة البهائية في إيران؛ ما أثار غضب الأصوليين الذين لا يعترفون بالديانة البهائية، فقررت مجموعة منهم الانتقام من فائزة، وأثناء خروجها من أحد التجمعات العائلية، هجمت عليها مجموعة مجهولة وانهالوا عليها بالضرب والشتم، وصوِّرت المشاجرة ووزِّعت على كافة المواقع والقنوات التلفزيونية الموالية للأصوليين، وانتشرت حينها شائعات أن من كان يقف وراء هذا الاعتداء المدبر، هو سعيد طاجيك رئيس منظمة الباسيج شبه العسكرية آنذاك، والذي وصف فائزة في إحدى المرات بـ«العاهرة».

وفي مقابلةٍ لها تحدَّثت فائزة عن فترة اعتقالها قائلةً: «أحببت وما زلت أحب تلك الأيام، كانت تجربة غريبة ومكلِّفة، وأشكر الله.. ما زلت أعدها أفضل وقت في حياتي، وأشكر الذين قدموا لي هذه الفرصة، فقد فتح السجن لي عالمًا آخر، وأعتقد أن روحي حوَّلت هذا التهديد إلى فرصة».

لا يمكن تجاهل صراحة وشعبية فائزة، ولا يمكن إنكار أنها من الشخصيات النادرة للغاية التي تعارض من داخل إيران، وصحيحٌ أنها انتقادات يقولها غيرها من الناشطين والصحافيين المنفيين خارج إيران، ولكن لا يجرؤ أحد على قولها في الداخل.

ولعل المرء قد يتساءل، لماذا لم تُعتقل حتى الآن مثل كثير من الناشطين السياسيين الإيرانيين؟ طرح أحد الصحافيين الأصوليين هذا السؤال عليها على تطبيق «كلوب هاوس»، وسألها ساخرًا: «بحسب حديثك عن القيود والرقابة الصارمة في الجمهورية الإسلامية، لماذا لم يجر سجنك بعد كل هذه الانتقادات التي وجهتها إلى القيادة العليا؟».

فأجابت فائزة إجابةً لم تقنع البعض، قائلةً: «اعتُقلت ثلاث مرات في 2009، وطُردت من وظيفتي كأستاذة في الجامعة»، ولكن بالطبع للخلفية الاجتماعية والسياسية لفائزة وعائلتها أهميةٌ خاصة تحميها، كونها ابنة أحد مؤسسي الجمهورية الإسلامية، ولنفوذ عائلتها حتى الآن، وهما السببان الأساسيان لتمتُّعها بحرية نسبية لا يتمتع بها تقريبًا أي شخص آخر داخل إيران.

المصادر

تحميل المزيد