في خريف عام 2014م، قرّرت الكاتبة (ديانا سبشلر) الإقلاع عن أدوية الاكتئاب والقلق التي تتعاطاها تدريجيًّا، وبدأت في تقليل الجرعات شيئًا فشيئًا. وهذا المقال من سلسلة Going Off التي تؤرخ فيها الكاتبة للتحديات التي مرّت بها أثناء هذه المحاولة.

 

أهداني أصدقائي نبتة. في الواقع لم أمتلك واحدة من قبل عن قصد. أرسلوها إليّ أجزاءً عن طريق البريد: البُصَل، التربة، وأصيص بلاستيكيّ، مع بطاقة مكتوبٌ عليها: “لصديقتنا المميزة جدًا”.

تأثّرت كثيرًا، بكيت. صرت مؤخرًا أبكي عدّة مرات في اليوم، ربّما لأنني أعاني من انسحاب أدوية البنزوديازيبين ومضادات الاكتئاب، أتكيف مع نظام عالمي جديد يستثير بكائي، كشراب يوشك دومًا على أن يندلق.

أقرأ التعليمات. أكتشف أن نباتي يمكنه أن ينبت زهورًا بيضاء. أعقد العزم على أن يتحقّق هذا.

لكن في وقت لاحق من ذات اليوم، تضايقت لأن لديّ الآن نباتًا. لم يصر نباتًا حتى بل مجرد أصيص مليء بالطين. سأضطرّ كل يوم إلى وضع الأصيص بجوار النافذة في الساعات المشمسة، لكن عندما يحلّ المساء سأعيده مرة أخرى إلى المكتب؛ مهمّتان في اليوم، إن أهملنا ريّ النبات بالطبع.

أربكتني هذه النظرة للأمور. كنت قد قررت مؤخرًا أنني – بخلاف العمل– لست في حاجة إلى القيام بأي شيء على الإطلاق. أنا أعاني من أعراض الانسحاب ويجب أن أترفّق بنفسي. ملء خزانة الدواء مثلًا هي مهمة روتينية بغيضة أؤجلها يومًا بعد يوم. لن يكترث أحد على كل حال إن فرغت خزانة الأدوية، أو إن شربت المياه الغازية في فنجان قهوة بدلًا من الحاجة إلى غسل الأكواب، أو إن تراكم بريدي على منضدة المطبخ يومًا بعد يوم، دون أن أنظر فيه.

واحد من الأسباب التي جعلتني لا أثق في قدرتي على العناية بنبات أو حيوان أليف، هو قلقي على سلامة هذا المخلوق البائس تحت رعايتي. أنا ملاحظ سيء للغاية للبيئة المحيطة. ربّما لأن رأسي دائمًا مشغول بالتفكير في حياتي – الواقعية أو التخيّلية– أو بمراقبة البشر. أراقب البشر وألاحظ أدق تفاصيلهم، تسريحة شعرهم، ماذا يضحكهم، ما إن كانت ضحكاتهم صادقة فعلًا. ولكنّي لا أستطيع أن أخبرك أي شيء عن العمارة أو الديكور.

أنا دائمًا تائهة، حتى في الأماكن التي ذهبت إليها مئات المرات، لأنني لا أقدر على حفظ معالم الطريق. كلما خرجت من محطة القطار، فإن عليّ قراءة كل اللافتات في الشارع لكي أمتلك حسًّا بالمكان. ذات مرّة زارتني صديقة، وعندما دخلت إلى الشقة أخبرتني بأن السجادة الصغيرة أمام الباب مظهرها مقزز للغاية. لم أكن أعلم أن لديّ سجادة أمام الباب. فتحت الباب لأرى فإذا السجادة – التي وضعت للترحيب بالضيوف– ترحّب بي. وقد كانت صديقتي محقّة، مظهرها مقزّز للغاية. كأن كل أحذية الأرض وطأتها.

لهذا خفت دومًا أنّني إن امتلكت نباتًا يومًا ما فسأنسى أمره في غضون دقائق. سأتوقّف عن رؤيته ببساطة، كما أتوقف عن رؤية كل شيء آخر. وبعد عام، سيأتي صديق لزيارتي، ويتساءل: “لماذا تحتفظ بنبتة ميتة؟”, وسأشعر حينها بالخزي.

كلّ صباح، آخذ 150 مللي جرام من دواء Wellbutrin، بدلًا من 300 مللي جرام. تمرّ بي ساعات جيّدة، وأخرى سيئة، ولكن طاقتي مستنزفة على الدوام. لا أغادر شقتي إلا لمامًا، لأجرّ قدمي إلى محل البقالة. ساعدني على هذا أنّني أعمل من البيت. هكذا لا أُضطر للخروج إلا نادرًا، وهي نعمة ونقمة في ذات الوقت. صار من المعتاد أن ألغي المخطّطات، ومن النادر أن أردّ على مكالمات الهاتف. لحظة كتابة هذه السطور أكون قد أمضيت 5 أيام لم أرَ فيها أيّ شيء خارج مربعي السكني. أعلم أنني سأتحسن كثيرًا إن خرجت للمشي على ضفة النهر الشرقي، وأخذت راحة طويلة من الإنترنت، ولكن من المرهق حتى التفكير في أن أفتح الخزانة لأنتقي ثيابًا ملائمة.

أما نباتي، فإنه يزدهر. لم أكن أعلم أنه سينمو بهذه السرعة. تمتد سيقانه الخضراء أكثر فأكثر مع الوقت. صرت أستمتع بفتح الستائر صباحًا ووضع النبات أمام النافذة. بينما أعمل، أرفع نظري كثيرًا لأرى كيف يبلي نباتي العزيز. إنه أفضل شيء في شقتي، وأزهى ألوانها. شيء نضر، أخضر، وحي. أرسلت صورة له لصديق لي، ليرد بأنه يبدو “فخمًا”.

يتسق هذا مع شخصيتي كثيرًا: أكره شيئًا ما قبل أن أجرّبه، ثم بعد أن أنغمس فيه، أحبه بحرارة شديدة. بصراحة، كانت الأدوية كذلك بالنسبة لي. كنت أقرأ ذات مرة رواية اسمها “فتاة بولين الأخرى”. تأففت لمرأى الغلاف المكتوب بأحرف بارزة لامعة، عارضًا صور لناتالي بورتمان وسكارليت جوهانسن. ولكن بمجرد قراءة المقدمة، تحمست لدرجة قراءة 661 صفحة في جلسة واحدة.

أفكّر، في بعض الأيام، أنه لا بأس من الشعور بالضيق. يمكن للاكتئاب أن يورث نوعًا غريبًا من الراحة. يقولون إنه يجب أن تشعر بالضيق لكي تشعر بعد ذلك أنك أفضل، وقد رأيت دلائل عدة على ذلك، رغم أني رأيت المشاعر السيئة تورث مشاعر أسوأ أيضًا.

أنا لا أستحق هذا النبات. إنه جميل جدًا، نابض بالحياة، لا يستحق أن يحبس في عرين الاكتئاب هذا. تأتيني بعض اللحظات التي أشعر فيها أنني لا أحبه، أشعر بشيء من الغيرة تجاهه. أحيانًا أرى اخضراره زاهيًا حتى لأغلق عيني من فرط تضاؤلي أمام عظمته. أضطر للتظاهر بأنه غير موجود. وفي أحيان أخرى، يمنحني الأمل. هذا الصباح، اكتشفت أن نباتي الصغير قد أزهر، في الليل، أول أزهاره البيضاء.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد